ارشيف من : 2005-2008

ميرزائي: دعوة إلى تأسيس الهوية الإسلامية

ميرزائي: دعوة إلى تأسيس الهوية الإسلامية

المباركة من الحفاظ على الجوهر القيمي والأخلاقي الإسلامي، ودلّ بالتالي على النقيض الزائف المتمثل بالطقوس والقوالب التي هي من إفرازات المتطلبات التاريخية التي تبتعد عن صميم الرسالة الإسلامية.. الثورة انفتحت على كل المنجزات العلمية والثقافية لأنها تحاكي الفطرة والكينونة البشرية، وقامت بدور الإرشاد والتوجيه لتضع أجيالاً تطمح وتعمل على أساس العلم لا إساءة استخدامه. ولقد حققت الثورة الكثير من المنجزات العلمية المتنوعة، ولا فرق في هذا الميدان بين الرجل والمرأة، وهذا دليل إضافي على حيوية الثورة وانفتاحها على بنية النظام الإنسانية المحكمة والبعيدة عن العصبيات التاريخية والمذهبية. ولقد كان الرائد في كل تلك الأمور، مجتهدا ومصلحا ومبدعا من الطراز الأول، ألا وهو الإمام الخميني العظيم الذي جمع بين ذروة العبادة والعرفان مع ذروة الحركية الاجتماعية، حيث جعل نصب عينيه حقوق المستضعفين في العالم والانتصار لقضايا الحق، وانطلق من رؤية عصرية من خلال الحفاظ على الثوابت والتفاعل مع كل الإنجازات البشرية لتأسيس منظومة عصرية حضارية بين كل المجتمعات والشعوب بذاتٍ مدركة واعية لمصالحها ومصالح شعوبها.‏

ولأنه لا بدّ من الإطلالة على هذه الموضوعات في ظل التحديات الراهنة التي تتعرض لها الأمة الإسلامية، ومعرفة موقعها ودورها في كل ما يجري من أحداث متسارعة، كان هذا الحوار مع المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان سماحة الشيخ نجف علي ميرزائي.‏

ـ أين موقع الثورة الإسلامية في إيران اليوم في ظلّ النظم العصرية المتطورة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي؟‏

النظام الإسلامي في إيران منذ البداية لم يأبَ أن يتقبل بإيجابية الصيغ المتقدمة لتداول السلطة داخلياً، كما لم يرفض التعامل الإيجابي مع الأشكال المعاصرة في العلاقات الدولية المؤسساتية، بل تبنّى في جزء كبير من إدارته المؤسساتية هذه الأشكال الدارجة عالمياً. والسبب يعود الى البنية العقلانية والإنسانية التي نتجت عن اجتهاد الإمام الخميني المختلف تماماً عن الاجتهادات التقليدية، وعن القراءات والتفسيرات للدين. فإذا كانت الثورة الإسلامية قد بُنيت على أساس قراءة دينية للعقل الإنساني والإنجازات البشرية، فمكانتها عالية جداً، وهي قد ارتكزت في مراحلها التأسيسية ومن ثمّ في استمرارها الى الحفاظ على الجوهر القيمي والأخلاقي الإسلامي أكثر بكثير من الاهتمام بالطقوس والقوالب التي هي من إفرازات المتطلبات التاريخية، وليست من صميم الرسالة الإسلامية. من هنا يأتي نجاح الثورة في كل الصعد تقريباً، وخاصة أنّا نشهد اليوم منذ قرن نشوء حركات اسلامية وتوجهات دينية سياسية برغم نفعها للإنسان من بعض النواحي، غير أنها ارتكزت في أساس مهمتها الى الصيغ التاريخية للسلطة الدينية، وإلى الأنساق المجتمعية من دون اخضاعها الى التحولات اللازمة حسب متطلبات اللحظة الحضارية. فالثورة استجابت لمتطلبات لحظتها الحضارية بشكل رائع وحديث، وهذه النقطة هي أساس نجاح الثورة، فهي قوية مقبولة متماسكة في الشارع الإيراني الإسلامي، ومتحررة من الالتزامات التاريخية في السياسة، وبعيدة عن التعصبات القومية والمذهبية، لأن الثورة بالأساس كانت خطاً فاصلاً في فكر الإمام الخميني لدحض محورية القومية الفارسية، وفي الوقت نفسه لتخليص الثنائية السياسية المتمثلة بالشيعة والسنّة. فآداب الثورة الحضارية والنسقية تختلف عن الأدبيات السياسية الإسلامية التاريخية والمعاصرة، بفضل هذا الانفتاح على كل انجازات الإنسان الحضارية، والحرص على إبقاء الوحدة في الداخل الإسلامي والاستقلال والسيادة في العلاقات الدولية، خطاً مقدساً لا يمكن التخلي عنه.‏

ـ كيف تقوّمون منجزات الثورة العلمية والثقافية اليوم؟ وهل تعتبرون أن المنهج الذي تسير عليه ما زال قادراً على التأثير والاستمرارية والتفاعل مع الواقع؟‏

النخب العلمية والمجتمع العلمي في إيران ترتقي سنوياً درجات في القدرات الإنتاجية للمقالات العلمية بالمفهوم العالمي. وحسب المعايير العالمية للتنمية والتقدم، لا أعلم في أي رتبة أو مرتبة استقرت الى الآن، ونحن نقرأ التقدم الكبير في إنتاج المقالات العلمية ومشاركتها في أهم المجلات المتخصصة في كل الفروع العلمية في العالم. وهذا ما يدل على أن النظام الإسلامي أمّن إمكانيات الانفتاح العلمي بين نخب المجتمع والمؤسسات العلمية العالمية. لقد استطاع النظام في إيران ان يزيح كل الموانع من أمام المبدعين والباحثين لتطوير أحدث النظريات العلمية في الطب وفي الصناعة وفي الفيزياء والكيمياء، والكل يعرف نماذج رائعة من هذا التقدم، ونحن نعرف كم من صعوبات تعيق وصول العالم الثالث الى هذه التقنيات. استطاعت إيران ان تتحول الى دولة تقوم بالاستنساخ وتقبّله المجتمع الديني.. وشهد العالم نجاح إيران في هذه التجارب الدقيقة التي هي بحاجة الى أدق التقنيات وأحدث النظريات العلمية، وهي منضبطة وليست عشوائية، لأنها تتعامل مع الخلايا والجسم، وللشريعة مواقف حاسمة في هذا المجال. وكذلك لو نظرنا الى الحقل الصناعي فإيران تنتج مجموعة متنوعة من السيارات وتصدرها الى كل العالم.. وفي ما يتعلّق بالموضوع الاستراتيجي النووي استطاعت ان تخطو خطوات كبيرة وحاسمة ونهائية، ووصلت بفضل الجهود العلمية النووية للشباب الى ذروة هذا العلم، وأصبحت موطَّنة وليست مستوردة، فهي وطنية وداخلية لا يضرها التهديد أو حتى الممارسة العنيفة معها.. والجامعات قد توسّعت رقعتها فأصبحت فاعلة جداً في المسار التنموي، وتأسست علاقة عضوية بينها وبين المؤسسات الإنتاجية. إضافة إلى أنّ الكتاب بوصفه أهم المعايير للتقدم العلمي والثقافي، سنوياً يصدر منه مئة ألف عنوان جديد.. هذه الحركة العلمية المطبوعة هي في تفاعل مستمر مع حيوية الثقافة والفكر العالمي، وجزء مهم من هذه الحركة هو عبارة عن تناقل المعرفة وتبادل النظريات والأفكار عبر الترجمة وأمثالها.. اليوم التلاميذ والطلاب الإيرانيون يفوزون بجوائز دولية مهمة جداً في مختلف المهرجانات العالمية في الكيمياء والاختراعات، فالمجموعة تحصل على جوائز في كل العالم. هناك حركة ناشطة للوجود العلمي الشبابي الإيراني في كل التظاهرات العلمية العالمية، وهذه الحركة التي يطول الحديث عنها، حصلت بفعل الانفتاح الإسلامي في إيران على العلم والمعرفة. فأكثر من نصف طلاب الجامعات، أي الملايين منهم، هم من البنات، ما يدل على الحجم الكبير المعطى للمرأة الإيرانية، فهي الى جنب الرجل تنشط في المجتمع ولا قيد يقيدها، لها حريتها الكاملة في المشاركة السياسية والثقافية، وهي منذ البداية كانت ترتقي الى أعلى مستويات السياسة مكانة وموقعية، مساعدة للرئاسة العليا، وهي شرطية وقاضية ونائبة، وهي محافظة وأستاذة جامعية وربّة بيت ورئيسة مؤسسات، فهذه الحيوية وهذه الحرية والانفتاح، وكل ذلك دليل بنية النظام الإنسانية المحكمة والبعيدة عن العصبيات والتحزبات السياسية والتاريخية والمذهبية التي يصر الكثيرون هنا وهناك على إلصاقها بالنظام بشكل مقصود وظالم.‏

ـ ماذا تقولون عن صاحب النهضة الإسلامية الكبرى ومظهر الحداثة في الحركة التاريخية للشعوب الإسلامية المعاصرة الإمام الخميني (قده)؟‏

الإمام الخميني قبل أن يكون مجتهداً مجدّداً ومصلحاً اجتماعياً من الطراز الأول، كان يعيش هموم إنسان عصره، ويدرك تفاصيل الأزمات والآفات الحضارية المعاصرة، وكان أيضاً مدركاً للفراغ الحضاري الناتج عن فشل التجارب السياسية والاجتماعية في الغرب من جهة، وواعياً للفجوات الحضارية الهائلة التي حصلت في الشرق جرّاء تأخر الفهم التقليدي للدين، ما جعله مقتنعاً بعدم قدرة هذا النمط الاجتهادي، وبعجز مفاهيم مجتمعية دينية تقليدية عن الاستجابة لمتطلبات اللحظة الحضارية.. وأيضاً قام بإعادة البناء لمنظومة مفاهيم الفكر الإسلامي لتكون أجدر في التأسيس الحضاري. إذاً كان الإمام هو ذلك الرجل الواعي والمدرك للسمة الكونية للمفاهيم الدينية من جهة، والعارف بالمنهج المنشود لصياغة هذه المنظومة المعرفية الإسلامية. وكان يملك من جهة أخرى شخصية تحظى بمقومات الإدارة المجتمعية والسياسية وتمتعت بأعلى درجات الرحمة واللطف والاستيعاب، ما مكَّنه من التعامل المرن مع التعددية الفكرية الداخلية والخارجية، وفي الوقت نفسه كان يدرك تماماً أن المجاملات لن تحدث تغييراً جذرياً، وأن الترانيم الجميلة لن تُخضع الاستعمار والاستبداد لإرادة الشعوب، ولن يتحقق من العدالة شيء إلا اذا وُجدت وتوافرت الطاقات والقدرات والسلطات المؤمنة، وهي أدوات وآليات من القوة والسلطة التي يعبر عنها القرآن الكريم أحياناً بكلمة "الحديد" لتحقيق العدالة.. وهذه النقطة بالذات جعلت الإمام مقتنعاً بوجوب وحتمية إعادة بناء الفكر السياسي الإسلامي، وإعادة قراءة التاريخ الإسلامي، ونجاحه الباهر في تأسيس هذه التجربة الإنسانية الإيرانية، مقدماً بذلك تحفة ثمينة ونهجاً واضحاً الى كل الشعوب الراغبة في التحرر والاستقلال الحقيقي. لا بد من الإشارة الى أن الإمام يمثل مجدِّداً ومبدعاً في الفلسفة والعرفان والفقه وأصوله، وهذه الشمولية الاجتهادية في أغلب الفروع العلمية أعطته بعداً توحيدياً استثنائياً، حيث ذابت في شخصيته كل الصراعات والصدامات التاريخية بين أصحاب هذه الاختصاصات، فأصبح الفقيه الذي لا يعادي الفلسفة، والفيلسوف الذي لا يستهين بأطر الشريعة، وفي الوقت ذاته لا يستخف بالتجارب الروحية التصوفية والعرفانية لأهل الباطن، وفوق كل ذلك فهو قد جمع بين ذروة العبادة والعرفان مع ذروة الفعالية والحركية الاجتماعية لاسترداد حقوق المستضعفين في العالم.‏

ـ ما هي برأيكم الأساليب الجديدة التي تستطيع الثورة أن تقدمها للأجيال الناشئة بروح تحديثية لقيمها ومفاهيمها؟‏

المجتمع الإسلامي قبل الإمام الخميني كان منقسماً بين تيارين وتوجهين، أحدهما كان منشدّاً الى الساحات والمساقات الفكرية والفلسفية والسياسية وحتى القيمية في الغرب، ويروّج لمقولة "لا خلاص لنا إلا في التغرب"، والسماح للغرب ليفعل بنا ما يشاء، ويتغلغل في أحشاء الثقافة وبنية القيم المجتمعية، ويغسل أدمغة شبابنا لنصل الى قيمهم ورفاهيتهم وحضارتهم.. والتيار الثاني قادته نخب في المشرق كما الأول. كانوا في التيار الأول يكتبون ويمنهجون تلك الفكرة، أما الثاني فهو الذي يبحث في زواريب التاريخ وفي خِضمّ الصراعات المذهبية والتجارب التاريخية لسياسة المسلمين.. كان يبحث عن البديل، فأصبح يتمنع من التعامل الإيجابي مع العصر، وبعقل سلفي ماضوي يصف للإشكاليات الحضارية وصفات تاريخية مع الفوارق الجمّة والشاملة بين لحظتنا الحضارية ولحظات تاريخنا الحضارية. الإمام الخميني من خلال تجربة النظام الإسلامي سلك طريقاً وسطاً في التعامل مع الحداثة والتراث، فمن جهة أكّد أن الحلّ ليس في أن نعيش في التاريخ ونُسقط تجاربنا التاريخية على هذه اللحظة الراهنة، وفي الوقت ذاته حذر من المخاطرة بالذات والمجازفة بالأساس الحضاري الإسلامي ومن أن نشطب تاريخنا وتجاربنا، وإنما علينا أن نأخذ بثوابتنا التي تتفاعل بكل إيجابية وانفتاح مع كل الأزمنة. بهذه الطريقة نستطيع أن نؤسس منظومة علاقات عصرية وأخلاقية بين مجتمعاتنا في الداخل الإسلامي ومع المجتمعات المعاصرة الأخرى، وأظن أن البحث في الماضي بروحٍ سلفية أو في الغرب الفاشل في مشروعه الحضاري مرفوض.. وفي الوقت نفسه العلم والتقدم والتكنولوجيا ليست حكراً على أي مجتمع، ولا يمكن التخلي عنها لأنها قد تراكمت في تجربة حضارية فاشلة.. هكذا يستطيع المسلمون أن يساهموا مع العالم في تصحيح المسار الحضاري وبناء نسق حضاري جديد بديل لما نشهده اليوم من أنظمة تدّعي الحضارة، وهي تتقدم باتجاه تدمير المكاسب البشرية على كل الصعد. الإمام الخميني والثورة يدعوان الجميع الى تأسيس الهوية وعدم الانجرار في المزالق الغربية، وإلى التعامل معها من ذاتٍ واعيةٍ مدركةٍ لمصالحها ومصالح شعوبها.‏

حوار: محمد فضل الله‏

الانتقاد/ العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير2007‏

2007-02-10