ارشيف من : 2005-2008

117 معتقلا يقبعون رهن الوحدة والعقاب : العزل في السجون الإسرائيلية مقابر للأحياء

117 معتقلا يقبعون رهن الوحدة والعقاب : العزل في السجون الإسرائيلية مقابر للأحياء

بالسجن المؤبد 9 مرات، إضافة الى عشرين عاما، والذي اعتقل بعد رحلة مطاردة طويلة انتهت باعتقاله في عملية خاصة في مخيم جنين, هدده خلالها ضباط المخابرات الاسرائيلية بأنه لن يرى الشمس مجددا، وسيمضي حياته في العزل حتى يهلك.‏

وبالفعل تقول الزوجة الأسيرة المحررة أسماء أبو الهيجاء "ان ما ردده ضباط المخابرات على مسامع زوجي وأهالي المخيم لحظة اعتقاله لم يكن مجرد تهديد في لحظة غضب للانتقام منه بعدما عجزوا سنوات طويلة عن اعتقاله، بل كان هناك قرار مبرمج من المخابرات الإسرائيلية ليحاكم بأقسى العقوبة برغم انكاره التهم المنسوبة اليه, وعجزهم عن ادانته بأي تهمة، وليعزل بشكل تام عن الأسرى". وتضيف: "منذ اعتقاله لم يحرم فقط من رؤية الشمس، بل ومن مشاهدة وزيارة جميع أفراد أسرته، بما فيهم أطفاله. فالزيارة ممنوعة بقرار من المخابرات بذريعة الإجراءات الأمنية". وتتساءل: "ولكن ما الذي تشكله زيارة أطفالي لوالدهم من مخاطر على الامن الاسرائيلي؟ ولأن الجواب البديهي: لا شيء، فإن ما يتعرض له زوجي أقسى أنواع العقاب والانتقام".‏

مأساتي مضاعفة‏

وروت أبو الهيجاء ان الشيخ جمال يعيش معاناة مضاعفة، فهو يعاني من حالة صحية صعبة وإهمال متعمد من قبل ادارة السجون لعلاجه، بقرار أيضا من المخابرات. فالشيخ جمال بُترت يده اثر إصابته بعيار ناري من نوع دمدم خلال الهجوم الاسرائيلي على مخيم جنين في آذار/ مارس 2002, وكان بالإمكان إنقاذ يده من البتر، ولكن لكونه مطارداً، إمكانية تعرضه للاعتقال حرمته من السفر الى الخارج للعلاج.. ولدى اعتقاله حطموا اليد الاصطناعية التي كان يستخدمها لقضاء حاجته، ولا زالوا يمنعوننا من إدخال غيرها له.. والأشد مرارة انه برغم تقارير أطباء مصلحة السجون بضرورة علاجه وحاجته الماسّة لعدة عمليات جراحية، فإن المخابرات تمنع علاجه وتعاقبه بالعزل.‏

صورة للعزل‏

المحامي شادي يونس الذي تمكن بعد محاولات عديدة من زيارة الشيخ جمال، قال انه يقبع وسط ظروف غير إنسانية في زنزانة انفرادية في سجن عسقلان، ويمنع من الاختلاط بالأسرى او الاتصال بهم، ويقضي وقته على مدار الليل والنهار مكبل اليدين والقدمين وتحت رقابة كاميرات الاحتلال التي نُصبت في زنزانته لرصد حتى أنفاسه.. وحتى أوقات الفورة المسموح له بها فإنه يقضيها مقيدا ووحيدا. كما رفضت الادارة ادخال أي معتقل او حتى ولديه المعتقلين عبد السلام المحكوم بالسجن 78 شهرا وعاصم المحكوم اداريا وأمضى عاما، رفضت السماح لهما بمساعدة الشيخ جمال أو وضعهما معه حتى في العزل، لأنه لا يستطيع قضاء أموره من دون مساعدة.. علما ان عملية العزل أثرت في وضعه الصحي فأصبح يعاني من ضعف البصر ايضا.‏

سياسة العزل الانفرادي والجماعي‏

ويشكل الشيخ جمال نموذجا لما يعانيه 117 أسيرا يخضعون لسياسة العزل الانفرادي والجماعي كما قالت المحامية بثينة دقماق، رئيسة مؤسسة مانديلا لرعاية شؤون الأسرى والمعتقلين، حيث يوجد بين هذه الأعداد أيضا سبعة أسرى أمضوا ما يزيد على ربع قرن في السجون الاسرائيلية وهم: سعيد وجيه العتبة الذي دخل عامه الثلاثين في الاسر. نائل صالح البرغوثي، ومضى على اعتقاله أكثر من 28 عاما. فخري عصفور البرغوثي الذي مضى على اعتقاله أيضا أكثر من 28 عاما. الاسير اللبناني سمير سامي قنطار الذي مضى على اعتقاله أكثر من 27 عاما. الاسير النائب محمد إبراهيم (أبو علي يطا)، الذي مضى على اعتقاله ما يزيد على 26 عاما. فؤاد قاسم الرازم الذي مضى على اعتقاله 26 عاما. كما أن هناك حوالى 64 أسيرا مضى على اعتقالهم 20 عاما وما فوق.‏

سياسة الموت البطيء‏

وأكدت دقماق أن إدارة السجون تمارس سياسة العزل الانفرادي بشكل واسع ضد الأسرى، وبشكل خاص ضد قادة ونشطاء فصائل المقاومة ممن يتهمون بتأدية مهام خطيرة، والذين يخضعون لظروف احتجاز منافية لكل الأعراف والقوانين. وأضافت: ان عملية العزل الانفرادي والجماعي تعتبر بمثابة سياسة الموت البطيء التي من خلالها يُحتجز الأسرى الذين يُعزلون في زنزانة انفرادية أو أقسام مغلقة، وفي ظروف قاسية يُحرمون فيها من الاتصال مع العالم الخارجي أو مع بقية الأسرى. وأثناء خروجهم إلى ساحة الفورة غالبا ما يُكبلون من أياديهم وأرجلهم. كما أن إدارات السجون تقوم بحرمان الأسرى المعزولين من زيارة ذويهم وتتعمد تمديد فترات عزلهم، ومنهم من يقضي سنوات في العزل.‏

وأوضحت دقماق ان مخابرات الاحتلال تستخدم هذا الاسلوب باعتباره أحد الإجراءات التعسفية والعقابية الهادفة للمس بكرامة الأسير، والنيل من نفسيته ومعنوياته ولكسر إرادته من خلال حجزه في زنازين أو أقسام رطبة تنعدم فيها التهوئة ولا تدخلها أشعة الشمس، وتفتقر لأدنى متطلبات الحياة الانسانية، والتي يصفها الأسرى أنفسهم بعلب الموت البطيء.. وأضافت: "أمام هذا الوضع المرير أقدمت الحركة الأسيرة أكثر من مرة على الإضراب عن الطعام مطالبة بإغلاق هذه الاقسام وإخراج الأسرى المعزولين من زنازين العزل. وبرغم الوعود المتكررة من قبل إدارات السجون بوقف سياسة العزل ونقل الأسرى المعزولين إلى أقسام عادية وسط زملائهم، إلا أنها ما زالت تمارس عزل الأسرى والأسيرات بشكل واسع وكبير. ومن الأسرى والأسيرات المعزولين الذين جرت زيارتهم من قبل محامي المؤسسة ومنهم من قضى فترات طويلة في العزل أو عُزلوا مباشرة بعد انتهاء التحقيق معهم في مراكز التحقيق والتوقيف: حسن عبد الرحمن سلامة من خانيونس، وهو معزول منذ 3/7/1997 ومحكوم بالسجن 48 مؤبدا وعشرين عاما. محمود عيسى من سكان القدس، وهو معزول منذ 24/10/2002 ومحكوم مؤبد. مازن ملصة ويحمل الجنسية الأردنية، عُزل بعد انتهاء التحقيق معه مباشرة يوم 24/10/2001. محمد جابر عبده من سكان كفر نعمة في قضاء رام الله، معزول منذ 20/6/2003 ومحكوم بالسجن 17 عاما. موسى دودين من دورا الخليل ومعتقل منذ 20/12/1992، تعرض للعزل أكثر من مرة.‏

إجراءات غير قانونية‏

الكثير من المؤسسات وفي مقدمتها مؤسسة مانديلا عملت وما زالت جاهدة لإثارة قضية العزل ومخاطرها، تقول دقماق: توجهنا الى المحافل والمؤسسات الدولية كافة ورُفعت قضايا في المحاكم الاسرائيلية لوقف عمليات العزل والقتل المستمر للأسرى، ولكن التآمر المستمر بين المخابرات والقضاء الاسرائيلي ينهي هذه القضايا دوما باتخاذ قرارات تستند الى الأمن كذريعة لإدامة عملية العزل، ما يشجع المخابرات على المضي في سياسة العزل لتستمر معاناة الأسرى، بينما تقف مؤسسات المجتمع الدولي عاجزة عن القيام بأي دور، لأن ما يتعرض له المعزولون يجري وفق قرار سياسي من أعلى المستويات لضرب المقاومة ومعاقبة قادتها. ومن هنا منبع الخطر الشديد الذي يعني ان تستمر مأساة العزل بشكل مفتوح، لأن المخابرات تمارس كل أساليبها حتى يتحقق الهدف في تحطيم الأسير وتدميره.. ولكن يمكن القول من خلال مجمل الزيارات لجموع الأسرى المعزولين وبرغم تأثرهم البالغ ومضاعفات ما يعايشونه من واقع مأساوي، ان معنوياتهم عالية، وإن هناك إصرارا على الصمود والتحدي لوعيهم حقيقة ما يمارس بحقهم من إجراءات. وبرغم ذلك فإن مؤسسة مانديلا إذ تنظر بعين الخطورة والقلق للسياسات والممارسات الاسرائيلية تجاه الأسرى والأسيرات في السجون والمعتقلات الاسرائيلية، تدعو المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان العالمية وكل أحرار العالم للتحرك الفوري وممارسة الضغط على الحكومة الاسرائيلية، للعمل على وقف كل أشكال القمع والقهر التي تمارسها على الأسرى والمعتقلين، وإجبارها على تحسين ظروف اعتقالهم وإغلاق أقسام العزل ووقف العمل به، وتأمين الحماية للأسرى إلى أن يُطلق سراحهم جميعا من دون قيد أو شرط أو تمييز.‏

الانتقاد/ العدد1202 ـ 16 شباط/فبراير2007‏

2007-02-16