ارشيف من : 2005-2008

الساحة المسيحية في أحلام "دويلة" القوات و"قبضة" عصابات جعجع

الساحة المسيحية في أحلام "دويلة" القوات و"قبضة" عصابات جعجع

الأحيان ملتبساً، تشوبه الكثير من التعقيدات.‏

من هنا يصبح الحصول على إجابات للأسئلة الكثيرة المدرجة في مفكرة أي لبناني أكثر صعوبة على المتقصي.. ولكن إن استطاع الزائر أن يجد روما وشوارعها.. هل يمكن أن يجد "القيصر"..؟‏

ما يختمر ضمن هذه الساحة منذ نحو سنتين هو مزاج جديد يقوم على صور مستعادة من سنوات مضت، صراع بين "حاضر" ينشد لبنان الجديد و"ماضٍ" يحنّ الى الدويلة وزعامة الفريق الواحد، لكن هل ستسلّم هذه الساحة ناصيتها لـ"(قيصر) ملّت إدارته الميلشياوية لشؤونها في ما مضى.. ويريد اليوم أن يعيدها الى سجن دويلته.. أو يجعلها ملحقاً في دولة رياحها غير ما تشتهي سفينتها.." على حدّ ما يصف أحد المخضرمين في هذه الساحة.‏

منذ قضت السياسة أن تدخل الى القضاء فتمحو من سجل سمير جعجع أعواماً كانت كفيلة بأن تجعله خلف القضبان لسنوات طويلة.. خرج "الحكيم" الى الهواء الطلق مطلقاً القوات اللبنانية الى مرحلة جديدة، تستعيد معها أمجادها الضائعة.. وجنّد لذلك بعض الفريق العائد معه من زمن دويلته، بهدف "مرسوم" بدقة.. الساحة لنا وليست لغيرنا. وتوالت منذ ذلك الأحداث التي تدلل على أن هذا ما يريده زعيم القوات.‏

سعي القوات الحثيث للسيطرة على الساحة المسيحية وإلغاء الخصوم السياسيين بهدف تقديم نفسها على أنها المرجعية الوحيدة للساحة المسيحية، هو ما تشير إليه أوساط مسيحية مطلعة لـ"الانتقاد"، على اعتبار أن "جعجع لا يزال يعيش "عقدة الأنا"، "وهو مستعد لأجل ذلك أن يفعل المستحيل!". من هنا تعتقد الأوساط نفسها "أن جعجع أشبه بالسمكة التي لا يمكن أن تعيش خارج الماء، وبالتالي فهو لا يمكن أن يستمر بعيداً عن إثارة المتاعب والضوضاء على الساحة بغية تكريس نفسه زعيماً مسيحياً، كونه يستمد حضوره السياسي من التوترات الأمنية المرافقة لأي تحرك سياسي تقوم به أي جهة سياسية في البلاد".‏

ولعل إضراب "يوم الثلاثاء" الذي دعت إليه المعارضة الوطنية وما رافقه من تعديات مارستها عصابات "القوات" كانت بالنسبة لجعجع بمثابة "جرعة أوكسجين مطلوبة في هذا الوقت"، بيد "أن "مقاديرها" لم تخدمه لأكثر من ساعات، وفي أحسن الأحوال ليومين فقط، ما يعني بحسب هذه الأوساط "أن جعجع لم يستطع وفق منطق الربح والخسارة أن ينشد لنفسه حضوراً خارج إطار البلبلة الأمنية التي شهدتها الساحة اللبنانية في الفترة الأخيرة"، وعليه يُصبح الكلام عن إمكانية حضوره في الساحة المسيحية موازياً للجنرال عون في غير محله، إلا في الإطار "العنفي والأمني" على حد قول الأوساط، التي لفتت إلى "أن مشاهد الاعتداءات التي بثتها شاشات التلفزة المحلية والعالمية أصابت في قائد "القوات" مقتلا، لان "العقل المسيحي الباطني يرفض هذه الهمجية التي مورست من قبل بعض القواتيين".‏

ولأن جعجع "عادة ما يكابر"، فليس مستغرباً أن تجده يقدم نفسه على أنه "المنتصر" في ذاك اليوم عندما برّر تدخل عناصر "القوات" ضد شباب "التيار" بأنه "لإسقاط محاولة فرض مشروع قوى 8 آذار على الساحة اللبنانية"، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل ـ وفق كلام الأوساط ـ على "أن جعجع ضاق ذرعاً من الحضور الشعبي للتيار العوني في الساحة المسيحية، فضلاً عن تحول زعامة آل فرنجية إلى تيار سياسي في الشمال، وحشر الأخير في منطقته في بشري، من هنا نرى أن معظم حركته السياسية وغير السياسية هي رسائل موجهة باتجاهين: إلى التيار العوني، وإلى قوى 14 شباط ليقول لها أنا هنا، وتستطيعون الاعتماد عليّ في المهمات الصعبة على غرار ما حصل يوم الإضراب العام، لكن عون أكد له أن الجرة لا تسلم في كل مرة".‏

لكن ماذا يقول أقرب المقربين إلى جعجع ممن استلم في عهده الأول مناصب عليا؟‏

يقول هذا "القيادي الكبير" الذي فضل عدم ذكر اسمه "أن أسهم جعجع في الساحة المسيحية في تراجع مستمر، وان الانتقادات تتوجه له يوماً بعد آخر بفعل مواقفه السياسية المغايرة بالمطلق لنظرة المسيحيين للبنان"، ويعتبر أن "دوره في الساحة المسيحية بات خطراً وهداماً، خطراً على مستقبل لبنان، وهداماً على مستقبل المسيحيين"، ويعلل هذا التراجع بـ"المرحلة التي أوكلت القيادة فيها إلى ستريدا أثناء وجود الأخير في السجن، ثم أُستتبع برفض من كانوا على مقربة منه ممن طوّروا نهجهم السياسي فيما بعد".‏

ويتابع هذا القيادي الذي لم يلتق جعجع مذ خروجه من السجن انه "على نقيض تام مع نهجه السياسي، وان الأخير بدل أن يكون عنصر جمع أثناء خروجه من السجن كان العكس، بدليل ابتعاد معظم الكوادر السابقين عنه، لدرجة أن جعجع لم يستطع تعيين مسؤول في منطقة كسروان إلا مؤخراً، وهو غير معروف لدى احد".‏

هذا الانكفاء في الساحة المسيحية له تفسير واحد برأي هذا "القيادي"، وهو أن جعجع عاد لديدنه القديم، أي حلمه بالسلطة، مستغلاً عواطف الشباب الذين أيقظ فيهم روح الطائفية، مُبعداً عنهم مقولة ان الطائفة لله وإن رفيقك في الوطن هو أخوك.‏

وفيما يشبه العودة إلى الذات يحرص هذا القيادي على التأكيد "أن القواتيين السابقين الذين هم على درجة من الوعي السياسي تركوا جعجع، ومن معه هم فقط أولئك الذين يحركهم الحنين الى الماضي، أي العودة إلى حمل السلاح والتمختر في الشوارع".‏

وماذا عن الدور الذي تلعبه "القوات" على الساحة المسيحية راهناً؟‏

لا يجد "القيادي" أي دور سوى أنها "تقدم أوراق اعتماد لسعد الحريري ووليد جنبلاط وللأمريكي"، ويتساءل هنا "ما معنى أن يُبرئ جعجع أميركا من أي فتنة في لبنان!، هل أحد في لبنان لا يعرف أن أميركا وراء الفوضى في بلدنا"، ويستتبع هذا السؤال بسؤال آخر أكثر استفزازاً "ماذا فعل الجعجعيون لاستعادة دور المسيحيين غير الاستزلام للحريري ولجنبلاط، والموالاة للغرب، فيما الجنرال عون يسعى لإعادة هذا الدور بالتنسيق والتشاور مع كافة شرائح المجتمع اللبناني".‏

ويضيف "أن الدور المطلوب من جعجع الآن على الساحة المسيحية هو شتم لحود والمقاومة!.. ثم هل يستطيع القول للمسيحيين ما هي إستراتيجيته؟ فقط يتغنى انه استطاع أن يفتح طريق عميشت ونهر الكلب بقوة السلاح! (في إشارة إلى ما تعرض له شباب التيار العوني يوم الإضراب العام للمعارضة الوطنية)".‏

وبما أن "القوات" بدت مكشوفة "الظهر" أمام ساحتها فقد سعت مؤخراً إلى "ترميم" صورتها عبر اجتماع دعت إليه في بزمار، وضم مسيحيي 14 شباط بهدف إزالة تهمة التبعية عن كاهلها، غير أن السحر انقلب على الساحر ـ على حد قول القيادي ـ بفعل مواقف الأخير السياسية التي أوحت أنها صدى لمواقف جنبلاط والحريري، وليس سيد نفسه".‏

أما في المقلب الآخر، فبدا أن خصوم "القوات" وفي مقدمهم التيار الوطني الحر أكثر انسجاماً وفهماً لمواقف شارعه، ولا يتردد أنه هو من يمسك بالأرض، ويقول في هذا الإطار عضو التغيير والإصلاح نبيل نقولا "إن احداً لا يستطيع أن يسيطر على الساحة المسيحية إلا من خلال صندوق الاقتراع، وإذا كان هناك من يريد السيطرة أو النطق باسم المسيحيين فليتفضل إلى الانتخابات النيابية، لماذا كل هذا السجال، وهل من يسيطر هو من يحمل البندقية في وجه اللبنانيين. فهذا الموضوع خبره اللبنانيون ولم يأت بنتيجة"، ناصحاً "القوات" من دون أن يسميها أن "تكف عن المهاترات، وان تحتكم للشعب لا للسلاح".‏

حسين عواد‏

2007-02-16