ارشيف من : 2005-2008

النصر في ماليزيا.. إلهيّ بامتياز!

النصر في ماليزيا.. إلهيّ بامتياز!

اليوم هي غير ماليزيا بالأمس.. فما الذي تغير؟‏

البلد جميل ونظيف، أهله وادعون وهادئون كما كانوا، وكوالالمبور لم تنفك ترتفع بنياناً وتمدناً بتصالح كلي وانسجام مقدر ومقرر مع الطبيعة، إذ لا تغادرها الخضرة أبداً.. هنا لا مكان للحديث عن الصحراء والأرض الفاضلة، فالمناخ الاستوائي، والأمطار التي لا تني تهطل على مدار أيام السنة، بنت كل بهيج، وسياسة الحكومة للحفاظ على البيئة لا تسمح بتوسع وتمدد الأسمنت على حساب الأشجار والطبيعة.‏

اخضرار لا نهائي، وخزان من الأشجار لا ينضب، ولوحة سوريالية ترسمها الطبيعة بين أرض خضراء وسماء زرقاء، وبينهما خلق يدبون بنشاط وحماسة وحيوية لبناء معجزتهم الاقتصادية، ثم يعودون آخر النهار بدعة وسلام الى منازلهم القائمة بأغلبها وسط حدائق غنّاء.. إنها مدينة في غابة، هنا تصالح حقيقي بين الإنسان والطبيعة، ولا مكان للتصنع أو الـ....... أو الارتجال.‏

ماليزيا الهادئة الوادعة الهانئة بسلام ربوعها وطيبة أهلها، قبلة السيّاح من كل أقطار الأرض، مشغولة اليوم بغيرها من أهل الأرض.. ويكدّر صفوها ما تراه في مقلبنا من احتلالات وجرائم حرب، وأعمال قتل ومجازر يومية، وتحاول أن تفعل شيئاً في خدمة السلام العالمي. تفاعل أهلها غريب عجيب، فهم يتابعون ما يجري في المنطقة، من أفغانستان الى العراق الى فلسطين ولبنان، وكأنه يجري بين ظهرانيهم أو على عتبة الدار.‏

سألني سائق التاكسي الذي أقلني من المطار عندما عرف أنني لبناني، ما إذا كنت أعرف أحداً من حزب الله، فسألته: لماذا؟ فقال لي: لأنني أريد أن يبلغ سلامي الى السيد نصر الله! وقد تلفظ الاسم بسهولة ويسر كأنه يتحدث عن قائد ماليزي. وعندما أبلغته أنني من الحزب، أوقف سيارته جانباً ليعانقني بحرارة، ويحملني أمانة السلام على السيد. الأمر يتكرر في الفندق، في الردهات، والبهو، وفي المطعم أيضاً.. كلهم ماليزيون ومن أعراق وأصول مختلفة: صينية وهندية ومالية، ولكن جمعهم احترامهم وحبهم لحزب الله وقائده، ورفضهم للظلم والعدوان الصهيوني ضد فلسطين ولبنان.‏

أسماء بعض القرى الجنوبية تُلفظ بصعوبة على ألسن الماليزيين، ولكنك تدرك أن حرب الـ(33) يوماً في تموز الماضي قد وضعت قرى مغمورة ومنسية حتى في لبنان ولدى اللبنانيين، على خارطة العالم وعلى ألسنة الناس في الشرق الأقصى.. وكذا كانت الحال مع الدكتور شوجي ساوادا الناجي من محرقة هيروشيما، الذي قال لي معلقاً على ما جرى في لبنان: إن ما فعلته "إسرائيل" هناك يوازي عدّة "هيروشيمات" من حيث القنابل التي أُلقيت والجرائم التي ارتُكبت!‏

أما المؤتمر الذي قدّمت فيه دراسة موثقة ومفصّلة عن جرائم الحرب الإسرائيلية في لبنان على مدى خمسة وعشرين عاماً، وألقيت كلمة أيضاً حول جذر المشكلة في المنطقة المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وعددت في خلاصة مختصرة وبالأرقام الجرائم الإسرائيلية، لأخلص الى أنه علينا أن نقاوم ونقاوم حتى النهاية، فقد كان تفاعل الجمهور هائلاً عندما ذكرت اسم السيد نصر الله وحزب الله، وقوطعت بتصفيق حار وعارم.. وما إن أنهيت كلمتي حتى تدفق المئات من المشاركين في المؤتمر ليلتقطوا الصور معي كمندوب لحزب الله في المؤتمر، وليحمّلوني سلامهم وتحياتهم للسيد ولمجاهدي المقاومة.. ومن ثم لأواجه بسيل متدفق من الأسئلة حول المقاومة وحزب الله وحرب تموز الماضية، فضلاً عن التهاني بالنصر الذي يؤكدون في ماليزيا أنه من دون شك، نصر إلهي بامتياز!‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضير محمد لتأسيس المحكمة المدنية الدولية لتجريم مجرمي الحرب في إطار فاعليات "منتدى بردانا" الماليزي للسلام في عامه الثالث، كانت محطة مهمة على طريق تحقيق العدالة وتجميع الأصوات العالمية لإدانة جرائم الحرب.‏

المؤتمر الدولي لـ"منتدى بردانا" الذي انعقد على مدى ثلاثة أيام من الخامس إلى السابع من شباط الحالي، أظهر بشكل واضح حجم الاعتراض الدولي والإدانة العالمية لسياسات الإدارة الأميركية في الكثير من مناطق العالم. وقد تحدث فيه العديد من الخبراء النوويين والقضاة الدوليين والصحافيين وقادة الرأي والشهود عن جرائم الحرب، سيما من العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان.‏

ومن الأسماء التي حضرت وشاركت إضافة إلى رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضير محمد: البروفسور مايكل شوسودفسكي مدير مركز الأبحاث والعولمة في جامعة أوتاوا في كندا، عضو الكونغرس الأميركي السابق ..... ماكنني، الخبيرة في الشؤون والأبحاث النووية لوران موريه، هانس فون سبونيك المساعد الأسبق للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق، المحامي الدولي ألفرد لامبرمونت وربر، الدكتور شوجي ساوادا الناجي من محرقة هيروشيما، الدكتور كريستوفر بسبي الباحث في شؤون خطر الإشعاع النووي، البروفسور باولا ماندوكا الباحثة في علم الجينات، من جامعة جنوا الإيطالية، الدكتور غوين داير صحافي مستقل، الدكتور مايكل كرمايكل مؤسس مركز أوكسفورد للعلاقات العامة، هنا البياتي صحافية في "الأهرام"، علي شلح من العراق، أحد ضحايا التعذيب الأميركي في سجن "أبو غريب"، الشيخ محمد عمر من مؤسسة رمضان الإسلامية في بريطانيا، البروفسورة الهندية الخبيرة في شؤون أفغانستان نيلوفر بهاجواث، ممثل العراق السابق في الأمم المتحدة سعيد الموسوي، عباس عبيد أحد الناجين من المجزرة الأميركية في الفلوجة، ديرك أدريانسنس منسق الإغاثة في العراق وعضو المحكمة البلجيكية لجرائم الحرب، إبراهيم الموسوي رئيس تحرير صحيفة "الانتقاد" الأسبوعية، الطبيب الفلسطيني وليد صلاح الخطيب.‏

وقد قدّم كل الذين تقدمت أسماؤهم دراسات، وألقى بعضهم كلمات. فيما أدلى آخرون بشهادات حية حول جرائم الحرب في كل من البلدان التي سبق ذكرها، وسط قاعة ضخمة غصت طيلة الأيام الثلاثة بالحشود القادمة للاستماع إلى ما يجري في المنطقة. على أن الحدث الأهم كان في كلمة الرئيس محاضير محمد، الذي شن فيها هجوماً قاسياً على الرئيس الأميركي جورج بوش، واصفاً إياه بمجرم الحرب.. وكذلك الحال بالنسبة الى رئيس الوزراء البريطاني الذي نعته بالكاذب.. فيما لم يوفر رئيس الوزراء الأسترالي جون هوارد.‏

وقد عُرضت خلال أيام المؤتمر الثلاثة أفلام تسجيلية ووثائقية حول جرائم الحرب الإسرائيلية والأميركية في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان.. وتميز المؤتمر أيضاً بإقامة معرض ضخم عُرضت فيه مجسمات حيّة، وتصوير واقعي يكاد يماثل تماماً ما كان يجري من جرائم حرب في سجن "أبو غريب"، وكذلك الحال في مجزرة قانا في لبنان، وفي مخيم جنين في فلسطين.‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد1202 ـ 16شباط/فبراير2007‏

2007-02-16