ارشيف من : 2005-2008

لست ضد "المجتمع الدولي"… فلماذا يشردني؟

لست ضد "المجتمع الدولي"… فلماذا يشردني؟

أرصفته، أو على عتباته، و… أمامه، كحائط مبكى.‏

كنت أرغب بأن أكون واحداً من الأسرة الدولية، متمتعاً بما نصت عليه مبادئ الأمم المتحدة، المكلفة برعاية وحفظ السلام، والبت بالنزاعات أو منعها، وتنفيذ القرارات، كل القرارات. إلا أن رغبتي هذه اصطدمت، أحياناً كثيرة، بتجاهل المجتمع الدولي لأوجاعي، فصنفت جراحنا في الدرجة الميؤوس منها، واعتبرت حقوقنا القومية والوطنية والانسانية، ترفاً مبالغاً فيه، لشعوب تستحق القصاص.‏

كنت أقبل أن تؤجل الأسرة الدولية مطالبي، أن تعدني بالبحث فيها، أن تكذب عليّ بذكاء، أن تخاطبني بود، أن تنصفني قليلاً، أن تقف إلى جانبي في نكباتي، أن تعاملني كجنس بشري حاف… ولكنني صُدمت غالباً، عندما رأيت هذه الأسرة، بما يملكه ربابنة القرار من قوة وسطوة ونفوذ، تعاملني، وتعامل بلادي وفق نظام العقوبات.‏

لهذا، كنت أرغب بقليل من الدفء في هذا "المجتمع الدولي"، لكنه أقفل أبوابه، ودفعني إلى العراء، أبحث فيه عن ألم حميم، يبث الدفء في مواجعي.‏

II لم يعترفوا بي‏

يشهد السجل العدلي، لهذا المجتمع الدولي الذي يستظل مؤسسات الأمم المتحدة، أنه اتخذ قرارات كثيرة بحقي، ونفذها بالأصالة أو بالنيابة وبالقوة.‏

ظلمني في قرار التقسيم، وحاول إنصافي في قرارات، تعيد النازحين إلى ديارهم وتعوض عليهم، ولكنه لم ينفذها.‏

ظلمني في القرار 242، فنفذ منه ما يوافق "اسرائيل" وظلمني بما لم يتحقق حتى الآن (الانسحاب من الأراضي المحتلة). قسمني في القدس، ثم في ما كان قد قسمه لي، حتى القرار الذي رغب في إقناعي بعدالة حقي في جنوب لبنان، تغاضى عنه، ولم ينفذ (القرار 425)، إلا بدماء اللبنانيين، أما الضفة والقطاع في فلسطين، فما زالا على المقصلة الاسرائيلية، والمجتمع الدولي يغسل يديه في دمنا.‏

سجلُ العشرين سنة الأخيرة، يحمل أرقاماً لقرارات أطاحت بالعراق شعباً، عبر حصار مستديم، وباعتداءات جرّت احتلالاً وفتنة وخراباً قد يحوّل أرض الحضارات المتعاقبة، إلى مقبرة من ركام البشر.‏

المجتمع الدولي، عبر مؤسساته يعرض على المنطقة أن تنتحر وإلا… مطلوب من لبنان تنفيذ القرار 1559، الذي دفع لبنان باتجاه الرقص على منصة إعدامه.‏

لبنان اليوم، يتهيأ للذبيحة، تنفيذاً للقرار 1559.‏

كنت أرغب أن أكون كالولد الطبيعي، في هذا "المجتمع الدولي"، ولكنه تصرف معي كما يتصرف الآباء العقوقون، إزاء أولادهم غير الشرعيين.‏

نصيبي منه النبذ والتمييز والاضطهاد وعدم الاعتراف بإنسانيتي وبنوتي.‏

III منصة إعدام دولية‏

كما يكون العالم، تكون مؤسساته الدولية.‏

يتحفنا فريق لبناني، ذو أصول يسارية متمردة، بدروس عن فضائل الالتزام بالقرارات الدولية، يكلف أرباب السلطة أنفسهم، فوق طاقتهم، ليكونوا التلاميذ النجباء، في تأدية الطاعة للقرارات الدولية، يجهدون أكثر من اللازم، ليتفوقوا على "المجتمع الدولي". يطالبون بالاملاءات والتوصيات، ويحرصون على وضعها في مصاف القداسة.‏

لقد برهنوا أنهم مواطنون نموذجيون في المجتمع الدولي، بقي أن يبرهنوا على مقدار وطنيتهم في وطنهم. "طَحَلونا" "بالمجتمع الدولي"، فمن يكون هذا "المجتمع الدولي"؟‏

أولاً: يقف على رأس هذا "المجتمع الدولي"، ويقبض على مصير مؤسساته السياسية والقانونية والمالية، الولايات المتحدة الاميركية بقيادة المحافظين الجدد.‏

ثانياً: يقع على عاتق رأس هذا النظام الدولي، أن يسخّر كل المؤسسة الدولية، لمصالحه في العالم، ومصالح أصدقائه وحلفائه، وفي مقدمتهم "اسرائيل".‏

ثالثاً: يقع على عاتق رأس هذا النظام أيضاً، شلّ قدرة أي مؤسسة دولية تتعاطف مع قضايا العالم الثالث المغلوب على أمره، بأنظمته الفاسدة، وحماياته الأكثر فساداً.‏

رابعاً: يقع على عاتق "المجتمع الدولي"، في كافة مؤسساته، بما فيها المنظمات الانسانية والتضامنية، أن تتواءم مع العولمة التي تبشّر بفضائل السوق، وقيمة المنافسة، ونعيم الخصخصة، وعقيدة الاستهلاك.‏

خامساً، سادساً، ثامناً… إلى آخره، يقع على عاتق هذا النظام، أن لا ينصفني في فلسطين، أن يدمرني في العراق، أن يحاصرني في سوريا، أن ينزع سلاحي في لبنان، وأن يدرب الساسة العرب، على خوض المعارك القاتلة، بين المذاهب الاسلامية، المنتشرة من الخليج إلى المحيط.‏

IV إعلان استقالة‏

بكل اعتزاز أعلن، أنا المواطن الضعيف الحافي، أن المجتمع الدولي ضدي، وقراراته الآيلة إلى التنفيذ ضدي، وقراراته المؤجل تنفيذها إلى الأبد ليست معي.‏

وبكل تواضع أعلن.. أنني ضد هذه التسمية التي تطلق على منظومة العالم الراهن. فهذا ليس مجتمعاً دولياً، بل غابة تحكمها وحوش الافتراس الدولي.‏

بكل صدق أطلب ممن يتحدث عن فضائل "المجتمع الدولي" راهناً، أن يصاب بالخرس، أو أن أصاب بالتضخم.‏

كفانا نفاقاً… يا منظّري "المجتمع الدولي" و"القرارات الدولية".‏

نصري الصايغ‏

الانتقاد/ العدد1202 ـ 16 شباط/فبراير2007‏

2007-02-16