ارشيف من : 2005-2008

هل يتخذ فريق السلطة قراراً شجاعاً فيفك ارتباطه بالمشروع الأميركي

هل يتخذ فريق السلطة قراراً شجاعاً فيفك ارتباطه بالمشروع الأميركي

يحضر نوعان من الشروط: ما هو موضوعي، ويراد به استقرار توازنات القوة المتصارعة على معادلة ثابتة، لا مجال، على الأقل، إلى تغييرها في المدى المنظور. وما هو ذاتي، ويتصل بحصول القوى المتنازعة على قناعة تامة بأن التسوية هي أفضل الممكن لمصالحها، وبأن لا مجال لأي رهانات إضافية.‏

وما لا يجب تناسيه هنا، أن كل تسوية، هي في نهاية المطاف، انعكاس لتوازنات القوة المستقرة، ما يعني حكماً، أن لا ضرورة أن تكون التنازلات متساوية، وكذلك المكاسب، اذ يكفي أحد طرفي الصراع أحياناً أن تضمن له التسوية عدم خسارة كل شيء.‏

في ضوء ما تقدم، يمكننا الآن، إجراء جردة حساب لتوازنات القوة الحالية بين المعارضة وفريق السلطة، كما يمكننا إجراء اختبار أول للنيات، لنخلص بعدها إلى ما اذا كان هناك إمكان في المدى المنظور للوصول إلى تسوية سياسية أم لا.‏

أولاً، ما لا يجب أن ينسى، ان الصراع السياسي الداخلي في لبنان هو في أحد وجوهه الأساسية، صراع على الخيار السياسي، عندما يقول أطراف في فريق السلطة وأطراف في فريق المعارضة ان الخلاف هو حول هوية لبنان لا يخطئون.‏

فلقد بات واضحاً، أن فريق السلطة يريد إدماج لبنان في المشروع الاميركي في المنطقة، ووسيلته إلى ذلك أمركة وضعه من مدخل التدويل.‏

وما لا يجب أن ينسى أيضاً، أن الهدف الاميركي المركزي في لبنان، الذي من أجله شنت بواسطة الكيان الاسرائيلي حرباً على لبنان، هو سحق حزب الله ونزع سلاح المقاومة، هذا الهدف الذي يعبر عنه فريق السلطة بتعبيرات داخلية، أي الباس أو تزيين المطلب الاميركي ـ الاسرائيلي باللباس أو الزينة اللبنانية، ليسهل تحويله من مشكلة اميركية ـ اسرائيلية إلى مشكلة لبنانية ـ لبنانية.‏

وكلنا يعرف هنا، كيف انتهى عدوان تموز، فالفشل الاميركي ـ الاسرائيلي يعني أمراً واحداً، ان المعركة مع حزب الله والمقاومة وسلاحها لم تنته، وأن المطلوب مجدداً، وعلى الأقل، منع حزب الله من ترجمة انتصاره سياسياً، واحتواء تفاعلات هذا الانتصار حتى لا يأخذ كامل أبعاده في لبنان والمنطقة، نقول هذا كله، لنطرح سؤالاً أساسياً، هو: هل مسموح اميركياً الوصول إلى تسوية تقر، أولاً، بموقع ودور حزب الله في المعادلة الداخلية، وتتعامل، ثانياً، ومهما كانت الصيغة، ايجاباً مع سلاح المقاومة؟ ألا يعني قبول فريق السلطة بهذه الأمور، هو التخلي طوعاً عن أحد وظائفه الاميركية الأساسية التي من شأنها أن تقلل من عوامل الحاجة اليه، بما قد يرجح الحاجة مجدداً إلى الخارج.‏

في هذا الإطار، يجب وضع التصويب المستمر من قبل جعجع وجنبلاط تحديداً على سلاح المقاومة، والتذكير بالقرار 1701، ومسألة الهدنة. صحيح، أن بالنسبة لهؤلاء، إضعاف حزب الله في المعادلة يخدم مواقعهم السياسية الداخلية، الا أن البعد الأهم هو أن الانخراط في مشروع التصدي للمقاومة وسلاحها، هو بمثابة البطاقة الضرورية للانخراط في المشروع الأميركي، ولضمان الموقع الوظيفي في هذا المشروع، ومنه استمرار الموقع في المعادلة الداخلية، وبما يعوض فارق الوزن السياسي الحقيقي في طبوغرافيا الأوزان السياسية للطوائف والقوى السياسية المختلفة.‏

وما نريد تأكيده هنا، أن لا شيء، حتى الآن، يؤكد أن واشنطن قد تخلت عن أهداف عدوان تموز، نعم، هناك تراجع في تظهير هذه الأهداف، لمصلحة أهداف أخرى، ولاعتبارات تكتيكية بحتة، خصوصاً، مطلب المحكمة الدولية.‏

ثانياً: يجري تقديم منذ مدة مطلب المحكمة الدولية بوصفه العقدة المركزية التي تعترض إمكان التوصل إلى تسوية. ثمة وظيفة اعلامية ـ سياسية هنا، تهدف الى تحميل مسبق لفريق المعارضة وسوريا مسؤولية عدم التوصل الى تسوية. لكن بعد تجهيز كل من المعارضة ودمشق ملاحظاتها على المحكمة، والإقرار بمبدئيتها، بانت الأهداف الحقيقية، وهي أهداف اميركية، التي يراد تحقيقها من المحكمة. النقاش المطلوب للمحكمة هو من أجل الفصل بين أغراض الحقيقة، والاستثمار السياسي، أي منع واشنطن تحديداً من تحويلها الى عصا غليظة بيدها.‏

يمكن القول هنا، انه اذا رفعت واشنطن وباريس يدها عن المحكمة، لأصبح التوصل الى توافق حولها سهلاً، ولأصبحت نقطة توازن داخلي بدلاً من ورقة بيد فريق في وجه فريق آخر. لنفحص الآن ما هو مطروح حول المحكمة:‏

ـ فريق السلطة ومعه واشنطن يريدان اقرار نظام المحكمة بدون أي تعديل. نعم، أعلن فريق السلطة وباريس عدم ممانعتهما لمناقشة الملاحظات، لكن تحت سقف سياسي مبهم! عدم المس بالأساسيات، التنازل يبقى شكلياً الى أن يظهر المدى الذي يكون فريق السلطة مستعداً للذهاب اليه.‏

ـ فريق المعارضة قدم موافقته المبدئية، وشرطه الثابت أن تتم مناقشة نظام المحكمة لإفراغها من البنود الخطرة.‏

ـ الأمر الجديد الطارئ هو دخول عنصر أو طرح مسألة التفريق بين اقرار نظام المحكمة ومسألة انشاء المحكمة. المهم في هذا الطرح أنه يحظى بتغطية دولية (روسية) وعربية مهمة (مصر)، اضافة الى سوريا.‏

خلاصة الكلام هنا، ان عقدة المحكمة ما زالت أمراً صعباً، وهي تحولت الى بندٍ وحيد اليوم في "أجندة" فريق السلطة السياسي.‏

ثالثاً: لا يبدو فريق السلطة في وضع يحسد عليه لاعتبارات متنوعة:‏

أ - ان المشروع الاميركي الذي ربط مصيره به في المنطقة يعاني من مآزق عميقة ومتنوعة، وهو اليوم، يحاول أن يبحث عن مخارج أخيرة له غير مضمونة النجاح، ما يعني أن فريق السلطة أمام خيار وحيد: الاسراع في ترتيب أموره تداركاً للاحتمالات الأسوأ، أي الحاق المزيد من التصدع في المشروع الاميركي.‏

ب ـ تبدو المنطقة مقبلة على توازنات جديدة، العامل الاضافي المهم فيها، هو العامل الروسي الذي دخل مباشرة وبقوة على المعطى الجيو ـ سياسي للمنطقة.‏

ج ـ تبدو الدول العربية التي يعتمد عليها فريق السلطة وكأنها عالقة في شبكة من المخاوف المتقابلة: الخوف من واشنطن ونزوعها الجامح نحو الحروب، الخوف من نمو أدوار لقوى اقليمية ترى أنه يتم على حسابها، كل ذلك معطوفاً على شعور عام بانعدام الوزن والدور والفاعلية، هذا من غير أن ننسى التحديات الداخلية التي يشكلها اليوم تنظيم القاعدة، ونمو التوترات المذهبية والطائفية والدينية.‏

د ـ ان فريق السلطة نفسه هو في حالة شلل عام بالمعنى السياسي والسلطوي للكلمة، في الوقت الذي يحمل فيه، بصفته سلطة، مسؤوليات كل التحديات والأخطار التي تنتظر لبنان.‏

هـ ـ أحياناً كثيرة تكشف مواقف وسلوكيات بعض أقطاب فريق السلطة (جعجع، جنبلاط)، عن وجود مشاريع خاصة تحاول أن توظف الثقل السياسي والمالي والعلائقي لتيار الحريري لمصلحتها، أكثر من كونها مندرجة بالفعل في مشروع هذا الفريق.‏

و ـ في مقابل هذا كله، أظهرت المعارضة مدى قدرتها على الإمساك بزمام الأمور، وأن عامل الوقت يعمل لمصلحتها، وأن التوازنات الداخلية والاقليمية والدولية، تميل أكثر لمصلحتها.‏

الى أين يقودنا كل ما تقدم؟‏

بقدر ما تبدو الأمور مفتوحة على تسوية ممكنة، إلا أن الطريق اليها لا تبدو سهلة، خصوصاً بالنسبة الى كل من واشنطن وفريق السلطة، حيث تبدو الخيارات المتاحة أمامهما صعبة بدورها، وهي تتراوح بين الاستجابة لمطالب المعارضة، والاحتفاظ ببعض الأوراق، او استمرار الرهان على ما ستؤول اليه الأمور الاميركية في العراق، وعلى خط المواجهة الاميركية المحتملة مع ايران، إلا أن هذا الرهان، بدوره، سيغدو مغامرة كبرى، اذ لا شيء مضموناً، خصوصاً بعد تجربة عدوان تموز.‏

ان الشرط الوحيد لتسهيل التسوية له ممر الزامي هو أن يعمد فريق السلطة الى لبننة مصالحه ومواقعه وأدواره، والا عدا ذلك، فلن نجد أمامنا إلا بيان فيلتمان المعترض على أي وفاق داخلي.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ العدد1202 ـ 16 شباط/فبراير2007‏

2007-02-16