ارشيف من : 2005-2008
تشكيك وتحفظ وتوجس حيال الاستراتيجية الاميركية الجديدة في العراق
في الحادي عشر من شهر كانون الثاني/ديسمبر الماضي، لأن التجربة السابقة حفلت بالكثير من الاخطاء والسلبيات وتسببت بقدر غير قليل من الإحباط والاستياء والتذمر في صفوف الساسة العراقيين والشارع العراقي على حد سواء، كون صورة الاوضاع الراهنة يلفها الغموض من كل جانب، وكذلك لان مفردات خطة بوش الجديدة احتوت على تناقضات عديدة جعلتها تبدو وكأنها خلطة غير متجانسة.
ومع ان الاوساط السياسية والشعبية العراقية لم تتفق بالكامل في رؤاها للاستراتيجية الاميركية الجديدة، الا انه يمكن القول ان مجمل تلك الرؤى ترسم صورة شبه متكاملة لحالة التحفظات حيال تلك الاستراتيجية.
فبالنسبة للتغييرات في المواقع السياسية والعسكرية للشخصيات الاميركية المعنية عمليا بالشأن العراقي، لم تحظى حتى الان بترحيب واضح في العراق، لسبب بسيط يتمثل في ان العراقيين يرون ان تغيير القادة العسكريين وكبار السياسيين والدبلوماسيين الحاليين باخرين لا يعد لوحده مؤشرا كافيا على ان هناك تغيرا سيطرأ على ارض الواقع، ولعل اكثر من سياسي عراقي عبر عن هذا المعنى بعد قرار الادارة الاميركية تعيين رايان كروكر سفيرا للولايات المتحدة للعراق بدلا من السفير زلماي خليل زاد الذي سيتوجه الى نيويورك مندوبا دائما لبلاده في المنظمة الدولية.
فاذا كانت هناك مشكلة في التعاطي الاميركي مع الشأن العراقي فان الخلل لا يكمن في شخص السفير بالتحديد، مثلما انه لم يكمن سابقا في شخص "الحاكم المدني" السابق بول بريمر، رغم ان الكثير من الاخطاء القيت على عاتقه، ولكن يكمن في المنهج الخاطىء لسياسة واشنطن حيال هذا البلد حتى قبل ان تطيح بنظامه السابق وتخضعه لهيمنتها، وهذا الشيء يصدق على القادة العسكريين الكبار ايضا.
وربما ينطبق نفس التقييم على موضوعة زيادة عديد القوات الاميركية في العراق بمقدار عشرين او اكثر من عشرين الف جندي اميركي.
هذا الامر رأى فيه الكثيريون هنا في بغداد امرا غير واقعيا، بأعتبار ان جوهر المشكلة العراقية طيلة الاعوام الاربعة الماضية لم يكن متمثلا في قلة عدد القوات الاميركية او القوات متعددة الجنسيات، واذا كان ذلك عنصر او عاملا من عوامل تلك المشكلة فأنه بلا شك ليس الوحيد، ولايأتي من حيث الترتيب والاولوية في اول السلم.
الرئيس الاميركي جورج بوش الذي اعترف بخطابه وهو يعرض تفاصيل الاستراتيجية الجديدة بوقوع اخطاء، اقر بأنه يتحملها شخصيا، وهذه الاخطاء في حقيقة الامر هي التي تسببت في ذلك التراجع المريع في الواقع الامني والسياسي والاقتصادي والحياتي في العراق خلال الاعوام الاربعة الماضية، ولو كانت المشكلة تتمثل بنقص القوات لما استغرق الرئيس بوش في عرض محاور عديدة بعناوين مختلفة، ولا كان قد شكل لجنة لدراسة اوضاع العراق خرجت بتقرير تجاوز المائة وخمسين صفحة وصفه الرئيس بعد ان اطلع عليه بأنه "قاس للغاية".
ويذهب البعض الى انه رغم انتقال السيادة للعراقيين في الثلاثين من حزيران / يونيو من عام 2004 وتشكيل اول حكومة عراقية بعد انتهاء سلطة الحاكم المدني الاميركي وحل مجلس الحكم، ومن ثم اجراء انتخابات عامة وكتابة الدستور الدائم وما ترتب على ذلك من استحقاقات ومعطيات سياسية، الا ان واقع ممارسات القوات الاميركية وسياساتها ومناهجها لم تتبدل في جوهرها، وقد يكون ما تبدل فقط هو القاء تبعات الاخطاء على الحكومة العراقية بأعتبار انها صاحبة السلطة التنفيذية بموجب الدستور، ولكن الواقع العملي يؤكد غير ذلك بالمرة، ورئيس الوزراء العراقي عبر عن ذلك بغضب قبل بضعة اسابيع، حينما تحدث بصراحة قائلا انه بأعتباره القائد العام للقوات المسلحة لايستطيع تحريك وحدة عسكرية عراقية الا بعد حصول موافقة القوات متعددة الجنسيات.
وتداعيات واثار هذا المنهج الخاطيء ربما انسحب بصورة او بأخرى على علاقات العراق مع جيرانه ومحيطه الاقليمي وحتى الاسرة الدولية في بعض الاحيان.
ولايمكن للمتابع ان يفهم التهديدات الشديدة والتلويح بالقوة لكل من ايران وسوريا على لسان الرئيس الاميركي جورج بوش كواحدة من مفردات الاستراتيجية الاميركية الجديدة، الا صبا للمزيد من الزيت على النار وتوظيف الورقة العراقية من قبل واشنطن لتصفية حساباتها مع خصومها القريبين من العراق.
ويقول زعيم الاغلبية في البرلمان العراقي ورئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراقية السيد عبد العزيز الحكيم في اخر حديث صحفي له مع صحيفة الحياة اللندنية "ان وجهة نظرنا قد تختلف في قضية تقييم موقف ايران وسوريا، نحن نعتبر هذه الدول هي من دول الجوار ويمكن لها ان تلعب دورا ايجابيا في حفظ الامن".
ولعله من الصعب فهم مدى انسجام خطوة اقتحام مقر القنصلية الايرانية في مدينة اربيل الكردية من قبل قوات اميركية مع التأكيد المتكرر على ضرورة اشراك جيران العراق في معالجة وحل المشكلة العراقية، والدعوات الموجهة اليهم للتعاون في ذلك؟.
واقتحام القنصلية واعتقال عدد من العاملين فيها من الايرانيين اغضب حتى القيادات الكردية العراقية القريبة من واشنطن، والتي رحبت نوعا ما بأستراتيجيتها الجديدة، بل ان البعض اعتبرها بداية غير جيدة ولا موفقة للبدء بالاستراتيجية الجديدة، ونفس الشيء بالنسبة لاعتقال اعضاء من وفد رسمي ايراني جاء الى العراق بدعوة من رئاسة الجمهورية.
وفي حال ان مثل تلك الخطوات التي لا تفضي الا الى خلط اكبر لاوراق الملف العراقي قد قوبلت بأرتياح اطراف عراقية معينة نكاية بهذ الطرف او ذاك فأن تبعاتها واثارها تنسحب على مجمل المشهد السياسي العراقي، لانها ببساطة يمكن ان تزيد من حالات التأزم والاحتقان بين واشنطن من جهة، وطهران ومعها دمشق من جهة اخرى، وهو بدوره ما يمكن ان يلقي بظلاله على الشأن العراقي.
واذا كان هناك من يقول ان في الاستراتيجية الاميركية الجديدة ايجابيات او مؤشرات لايجابيات، وانها تتفق مع استراتيجية عراقية متفق عليها بين عدد من الاطراف، فأنه في كل الاحوال ينبغي تجنب الاستغراق في التفاؤل بدون الانتظار قليلا، ووضع التجربة السابقة ضمن اطار الصورة "الجديدة" التي هي في طور التشكل الان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018