ارشيف من : 2005-2008

الأسد في طهران:إيران وسوريا تمثلان العمق الاستراتيجي لبعضهما البعض

الأسد في طهران:إيران وسوريا تمثلان العمق الاستراتيجي لبعضهما البعض

استمرت ليومين الى الجمهورية الاسلامية في إيران.‏

هذه الزيارة جاءت في ظروف سياسية بالغة الدقة والحساسية, حيث تشهد المنطقة ما يشبه اعادة اصطفاف سياسي تريده أميركا مخرجا لمأزقها المتعدد الوجوه (عراقيا وفلسطينيا ولبنانيا وداخليا) وتسعى من خلاله لاختراع محاور وهمية تقوم بإنتاج صراعات مذهبية وقومية تسمح لادارة المحافظين الجدد بالتقاط انفاسها والعمل بقوة على حماية ربيبتها "إسرائيل" التي لم تستفق بعد من ترددات زلزال هزيمتها على يد المقاومة اللبنانية.‏

في المقابل فإن دولا وشعوبا حية تسعى لإبطال مفاعيل الفتنة الجديدة تنشط لتمتين علاقاتها وتنسيق مواقفها التي لا تزال تثبت الاحداث مدى قوتها وجدواها في حفظ المصالح الوطنية ومواجهة الضغوط والتهديدات المستمرة. وفي الوقت الذي تسعى فيه اميركا وملحقاتها لاشغال كل بلد من بلدان المنطقة بهموم ضيقة وضغوط تمنعه من الالتفات الى القضايا الكبرى, يبرز التحالف الايراني ـ السوري كنموذج لتعاون مثمر محوره التطلعات الاستراتيجية للصمود والمواجهة, علاقات البلدين وصفها الإمام الخامنئي بأنها من أمتن وأعمق العلاقات بين بلدين في المنطقة، معتبرا ن كلاً من ايران وسوريا تمثلان "العمق الاستراتيجي لبعضهما البعض".‏

أما لماذا هي أنجح الزيارات، فهذا ما تشرحه مصادر إيرانية مطلعة ومتابعة لـ"الانتقاد" بالقول "إن السوريين توصلوا من خلال قراءة دقيقة لمسار التطورات والسياسات الاميركية الاخيرة في العراق وفي لبنان وأيضا من خلال معلومات أمنية وقنوات دولية الى ان الادارة الاميركية تحضّر لعمل "كبير" ما ضد سوريا وتمهد له باتهامات لدمشق بالتدخل في الشأن العراقي ـ على غرار الاتهامات لطهران ـ وقد تصبغه بطابع دولي من خلال قرارات وعقوبات في مجلس الأمن بحجج مختلفة قد يكون قرار المحكمة الدولية للتحقيق باغتيال الحريري واحدا منها".‏

تضيف هذه المصادر المطلعة ان "التحليل السوري ينظر الى وقائع هامة انتجها الانتصار اللبناني على "اسرائيل" والمصالحة الفلسطينية وفشل السياسة الأميركية في العراق والصمود الإيراني في الملف النووي، ويستنتج ان هواة المغامرات في واشنطن وتل ابيب يحلمون حاليا باستفراد سوريا، وتعويض بعض الخسائر من خلال تهديدات وضغوط اقتصادية شديدة، وحتى ضربة عسكرية لا تحتاج اميركا الى الكثير من الذرائع والمبررات للقيام بها".‏

وتوضح المصادر نفسها "ان الرئيس السوري قد سمع كلاما شديد الوضوح والشفافية من القيادة الايرانية بأن ايران تعتبر نفسها مستهدفة في اي عمل يطال سوريا، وان "العمق الاستراتيجي" هو خط احمر لا يمكن السماح بتجاوزه".‏

وبطبيعة الحال شملت المباحثات المشتركة مسائل المنطقة الحساسة حيث رحب الجانبان بالمصالحة الفلسطينية في مكة، وقدّر الامام الخامنئي لسوريا جهودها في التقريب بين وجهات النظر بين الاطراف الفلسطينية، وكذلك تم التأكيد على دعم مسيرة الوحدة والانماء في العراق من خلال خروج قوات الاحتلال الاميركي منه، وعدم السماح باشعال الفتن المذهبية, والإجماع على دعم ارادة الشعب اللبناني في مطالبته بحكومة وحدة وطنية.‏

الرئيس الإيراني احمدي نجاد صرح بعد مباحثاته مع نظيره السوري قائلاً إن التعاون السوري الإيراني يمكنه أن يحل الكثير من مشكلات العالم الاسلامي، مضيفاً "ان بلدينا قويان ومؤثران في جميع معادلات وقضايا المنطقة، ويدافعان عن بعضهما البعض في المسائل المهمة، كما يعملان معا لحفظ المصالح الوطنية ومواجهة المؤامرات المستمرة ضد شعوب هذه المنطقة"، معتبرا ان"التنسيق والتعاون ضد خطط الاعداء كان الدافع لهذه الزيارة".‏

ولم تقتصر المباحثات المشتركة على الجوانب السياسية، بل جرى العمل على تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي، كما اكد وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي ان الصندوق المالي الذي تأسس بين ايران وفنزويلا لمواجهة الامبريالية والعمل لتكامل دول المواجهة سيركز جهوده على افتتاح مشاريع انمائية وصناعية كبرى في سوريا لدعمها في مقابل الحصار المفروض عليها بقرار أميركي.‏

الرئيس السوري "المرتاح" لنتائج زيارته الى طهران قال إن الاعداء قد فشلوا على جميع الاصعدة في المنطقة وهم يلعبون اليوم ورقتهم الأخيرة أي الفتنة، التي ينبغي لجميع شعوبنا أن تتحلى بالوعي العالي لافشالها ايضا.‏

لا شك في ان زيارة الاسد لطهران في هذه الظروف قد وجهت رسائل متنوعة للعديد من الأطراف: لأعداء البلدين بأن لا يجربوا سياسة الاستفراد لان التحالف استراتيجي ومصيري، وقد صمد في ظروف أصعب من الظروف الحالية, والى الأصدقاء بأن هذا النموذج في التعاون قابل للتكرار والتطوير. ولعل الرسالة الاهم كانت "للمذبذبين" المحايدين في الظاهر ان المطلوب الآن هو أخذ الموقف المنسجم مع مصالح شعوب المنطقة وتقوية وحدتها, بدل الاختباء وراء شعارات الاعتدال والعقلانية وتفتيت المنطقة عبر شرق اوسط اميركي جديد.‏

الانتقاد/العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23