ارشيف من : 2005-2008
الامبراطور بوش الأول.. وربما الأخير!
هذا الأخير، وأن فترة حكم بوش ستشهد القضاء على ما قدم أنه البعبع العالمي الجديد والأكثر خطورة والمتمثل بالإسلام الحاضن لظاهرة ما يسمى "الإرهاب".
وبالهاجس نفسه حرص الرئيس بوش منذ إعلانه الحرب على الإرهاب، على أن يحدث في أذهان سامعيه تداعيات تذكر بجورج واشنطن وآبراهام لنكولن وولسون وهاري ترومان وغيرهم من الرؤساء الذين تركوا وراءهم آثاراً تذكر في تاريخ الولايات المتحدة أو حتى في تاريخ العالم.
وقد ذكر أكثر من محلل منذ ظهور بوادر المأزق الأميركي في العراق، أن بوش بدأ يبدي اهتماماً لافتاً بالتاريخ ورغبة جامحة في التسابق مع الزمن لفعل شيء قبل انصرام ولايته التي تسرع الآن نحو نهايتها القريبة، على أمل إدراج اسمه بين ذوي الشأن من الرؤساء الأميركيين.
أمل يبدو باهتاً للرئيس بوش نفسه على ما يمكن استنتاجه من كلام وجّهه مؤخراً للأميركيين قال فيه: "ستدركون التاريخ الكامل لإدارة بوش بعد رحيلي بوقت طويل!".. في محاولة واضحة هنا لتقمص موقع الشهيد، بعدما كان قد تقمص موقع الرسول أو المبشر! ذلك يعني اعترافاً صريحاً من قبله بما يقوله محللون كثيرون ممن يعتقدون بأن فشل بوش قد أصبح تحصيل حاصل منذ الآن.
فأستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا إريك فونر، يعتقد أن بوش هو "الأسوأ على الإطلاق" بين الرؤساء الأميركيين، وأنه ـ بعيداً عن التساوق مع لنكولن وولسون وريغان وغيرهم ـ لا يرقى حتى إلى مرتبة رؤساء "متواضعي الأداء" (عبارة مهذبة لعدم وصفهم بالمغمورين)، من أمثال فراكلين بيرس وجيمس بوكانان وأندرو جونسون الذين حكموا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يوم كانت الولايات المتحدة لا تزال قابعة وراء المحيط بعيداً عن دوائر القرار الدولي.
وبدلاً من أن يذعن الرئيس بوش لحكم التاريخ ويعود إلى مزرعته في تكساس ليتجرع ـ في شيخوخته المبكرة قبل الأوان ـ مرارة الفشل الذي يبدو أنه سيشكل بداية انهيار العصر الأميركي، بعد سنوات قليلة فقط من تواتر الحديث عن نهاية التاريخ بتربع الولايات المتحدة على قمته، نراه أكثر تصميماً على أن يلوي ذراع التاريخ بتوجهاته التي تتراوح بين نوازع التدمير التي تدفعه هذه المرة إلى تقمص نيرون الذي لم يجد مدخلاً إلى التاريخ غير إحراق عاصمته روما، ونوازع الألوهية التي تدفعه إلى تقمص يوليوس قيصر وتسببت بقتله شر قتلة بسيوف مناصريه ومحازبيه.
على المستوى الأول لا يبدو أن الرئيس بوش قد التفت إلى قول هاري ريد، رئيس الأكثرية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، الذي قال إن الحرب في العراق هي أسوأ خطأ ارتُكب في السياسة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة، وأردف قائلاً: "نحن في حفرة عميقة جداً، ويجب أن نجد وسيلة للخروج".. ولا إلى أقوال مسؤولين آخرين في الحزب الديمقراطي وحتى في الحزب الجمهوري، ممن يطالبون بالخروج التدريجي السريع من العراق قبل فوات الأوان.. فما يبدو هو أنه لا يزال مصراً بين أشباح الهزيمة التي باتت تطارده بضربات أشد إيلاماً من السابق في العراق وأفغانستان، على تحقيق النصر الذي طالما وعد به الأميركيين والعالم. فقد اعتمد استراتيجيته الجديدة في العراق وبدأ بإرسال أعداد من الجنود الإضافيين بهدف السيطرة على الوضع في الأنبار وبغداد، وبالتوازي مع ذلك تعرض الجيش الأميركي هناك لضربات نوعية تمثلت بإسقاط عدد من طائراته بنيران أرضية، مع انتقال العدوى نفسها إلى أفغانستان مع مقتل وجرح العشرات من الجنود الأميركيين في كل مرّة.
وفي الوقت نفسه اتجه ببصره نحو أفريقيا فقرر إنشاء قيادة إقليمية جديدة في القارّة، بعد أن تبين أن فشله الحالي في الصومال سيعيد في ظل المقاومة المتصاعدة التي يبديها رجال المحاكم الإسلامية، فصول الفشل الأميركي السابق في أوائل التسعينيات.
كل هذا دون أن يخرج منطقة الخليج من دائرة اهتمامه، حيث يرسل المزيد من التعزيزات وحاملات الطائرات والقوى الصاروخية في إطار التصعيد ضد إيران، مع ما يثيره ذلك من قشعريرة في صفوف الأميركيين ممن لا يفهمون كيف يمكن للجهة المهزومة في العراق وأفغانستان والصومال أن تفتح حرباً مع إيران من دون مسوغات مقنعة ومن دون غطاء دولي! خصوصا مع العلم بأن إيران أكثر قدرة بكثير من العراق وأفغانستان على توجيه الضربات المؤلمة ذات التداعيات السياسية والاقتصادية الشديدة الخطورة، حيث إن نفط الخليج الذي سيكون أول المتضررين في تلك الحرب إذا ما وقعت، يمكنه وحده أن يؤدي إلى دمار الاقتصاد والمجتمع الأميركيين، بشكل تمكن مقارنته بإحراق روما من قبل صاحبها نيرون.
على المستوى الثاني القيصري هذه المرة، يبدو بوش وإن كان قد أقال بعض معاونيه المفضوحين من أمثال بولتون ورامسفيلد، أشد تمسكاً بطموحاته الامبراطورية في فرض سلطته على أميركا من دون مراعاة حتى لورقة التوت الديمقراطية.. فمنذ تأسيس الولايات المتحدة حرص الدستور الأميركي على إقامة نوع من التوازن بين سلطات الكونغرس والرئيس بهدف كبح الطموحات الامبراطورية عند هذا الأخير. فبدلاً من التراجع عن سياساته بعد أن فقد بوش السيطرة على الكونغرس في الانتخابات النصفية الأخيرة، أصبح أكثر تصلباً وتصميماً على ممارسة صلاحياته الدستورية، فملأ الوظائف العليا الشاغرة بعناصر من المحافظين الجدد، من دون عرض الموضوع على الكونغرس الذي يشاطره تلك الصلاحيات.
وفي الوقت الذي يعلن فيه بوش صراحة أنه غير معني بقرارات الكونغرس، يقول المحللون إن هذا الأخير قد يتحول إلى مجرد ديكور شبيه بالبرلمانات الفاقدة لوظيفتها في البلدان ذات الديمقراطية الشكلية، التي تنفرد السلطة التنفيذية فيها بامتلاك القرار، ما يعني أن بوش سيتحول إلى امبراطور حقيقي يحكم البلد الذي يطرح نفسه كمعلم أول للديمقراطية في العالم. وبالطبع فإن الديمقراطية باتت آخر هموم الرئيس الأميركي، بمجرد أن قال إنه غير معني بالكونغرس المنتخب من قبل أكثرية الأميركيين.
هل ستسمح أميركا لجورج بوش باغتصاب ديمقراطيتها، أم أنها ستعامله بالطريقة التي عومل بها يوليوس قيصر من قبل روما؟
سؤال قد تأتي الإجابة عنه بين لحظة وأخرى.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018