ارشيف من : 2005-2008

روسيا والولايات المتحدة: عودة إلى لغة الصواريخ

روسيا والولايات المتحدة: عودة إلى لغة الصواريخ

وافقت على سلسلة من إجراءات التخلي عن أسلحتها الاستراتيجية في اتفاقية نزع الأسلحة النووية المتوسطة التي وُقعت في واشنطن عام 1987، وأنهت الجدل حول ما كان يُعرف بالصواريخ الأوروبية، وذلك عبر تدمير جميع الصواريخ التي يتراوح مداها بين 500 و 5000 كم. وتلتها اتفاقيات "ستارت 1" و"ستارت 2" التي قلّصت حق كل من روسيا والولايات المتحدة بامتلاك أكثر من 3500 رأس نووي.. ثم جددت في العام 1995 اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي التي لم توقع عليها كل من "إسرائيل" والهند وباكستان. كما وقعت في الفترة نفسها اتفاقيات أخرى في مجال نزع أو تقليص الأسلحة الكيمائية والبكتريولوجية وحتى التقليدية.‏

وفي الوقت نفسه جرى تفكيك حلف وارسو، بينما جاء تعزيز حلف الناتو ليشير الى "لا معنى" كل هذه الإجراءات التي تفترض توجه العالم بعد حقبة الحرب الباردة نحو السلام الدائم. وحتى عندما تبين أن الولايات المتحدة قد وجدت عدواً في شخص العالم الإسلامي، راودت يلتسين وبوتين من بعده فكرة الانضمام إلى الحلف الغربي ووُقعت عشرات الاتفاقيات والشراكات التي تعطي الانطباع بأن روسيا ماضية قدماً نحو الاندماج في الغرب تحقيقاً ربما لحلم بطرس الأكبر.‏

ولكن الولايات المتحدة تعاملت مع روسيا بذهنية مختلفة تماماً: تهميش وإبعاد وإذلال، بهدف جعلها وفقاً لما يقوله أحد المحللين الأميركيين: "كالكلب الصغير المستعد لتلبية أي إشارة توجه إليه".‏

ومن هنا جاء توسع الأطلسي في بلدان أوروبا الشرقية والوسطى والبلطيق، ومشروعات توسعه وصولاً إلى أوكرانيا وجورجيا لاستكمال الحصار العسكري المضروب على روسيا.‏

كل ذلك، إضافة إلى تفكيك يوغوسلافيا، كانت روسيا بوتين ترد عليه بالصبر تارة وبالتململ والاستنكار تارة أخرى، من دون أن تقابل من واشنطن بغير المزيد من التجاهل والإذلال.‏

صحيح أن روسيا بداية التسعينيات كانت ضعيفة ومنهكة وأن الأميركيين كانوا يتعاملون معها عبر إدراكهم هذا الواقع، لكن روسيا اليوم رقم أساسي في مجالات الطاقة والاحتياطي بالأموال الصعبة، وحققت تقدما مهماً على مستوى التنمية وحلحلة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وسياسات بوتين "القومية" تحظى بتأييد سبعين في المئة من الشعب الروسي.‏

الروس يعتبرون أن عزم الأميركيين على نشر شبكات صواريخ مضادة للصواريخ في بولندا وتشيكيا هو إجراء استفزازي يهدف إلى إرباك روسيا عبر إجبارها على الإنفاق العسكري بدلاً من الإنفاق في المجالات المدنية وتأمين المزيد من الاستقرار الاجتماعي.‏

ومع هذا، وبعد أن وصف بوتين الولايات المتحدة في ميونيخ بأنها "دولة همجية تجاوزت حدودها الوطنية في كل مجال"، جاء الجنرالات الروس بعد ميونيخ ليقولوا للأميركيين ما معناه: قد أنصف القارّة من رامها، في استعراض طويل لقدرات روسيا على اختراق شبكات الصواريخ وضرب القواعد الأميركية في أوروبا.. ما يعني أن اتفاقيات الحد من التسلح قد أصبحت أو تكاد تصبح في خبر كان، وأن روسيا قد عادت إلى الميدان بقضها وقضيضها، في وقت تبدو فيه أميركا المهزومة في العراق أشبه ما يمكن بالاتحاد السوفياتي المنهار بفعل هزيمته في أفغانستان.‏

أما ترقية وزير الدفاع الروسي سيرغي إيفانوف، القومي المتشدد، إلى منصب النائب الأول للرئيس، إلى جانب ديمتري ميدفيداي الليبرالي، فتعطي فكرة عن توجه روسي نحو التشدد في انتخابات الرئاسة التي ستجري في ربيع العام القادم.‏

ع.ح.‏

الانتقاد/ العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23