ارشيف من : 2005-2008

البقاع الشمالي: خيار المصالحة يُجهض الفتنة ومحرضيها

البقاع الشمالي: خيار المصالحة يُجهض الفتنة ومحرضيها

أن البقاع عصيّ على كل الفتن الرامية لشقّ الصفوف بين أبناء البيت الواحد والمنطقة الواحدة والوطن الواحد خلال الحرب الأهلية المشؤومة التي عصفت بلبنان عشرين عاماً.‏

وتابعت المنطقة عيشها بسلام يحوك أهلها علاقات وثيقة بينهم، تجارة وزراعة وجيرة ومصاهرة، حتى غدت المذاهب والطوائف كفعل تعصبي آخر ما يمرّ في الأذهان.‏

وخلافاً لكل هذا الودّ غير المبالغ فيه تحاول الفتنة التسلل إلى هذه المنطقة لتضرب كل أواصر العيش المشترك بين أبنائها.‏

فأهالي بعلبك ـ الهرمل والبقاع الشمالي الذين انشغلوا بتأمين لقمة عيشهم منذ قيام لبنان، تساووا في الحرمان والإهمال الذي شملهم جميعاً، فلم يخصص مذهباً دون آخر، إنما هو قاسم مشترك بينهم جميعهم، حيث تغيب الدولة خدماتياً وإنمائياً.. وحتى الزراعة التي يعمل فيها أهل المنطقة، يحارَبون بعدم تنميتها، حتى باتت عبئاً على المزارعين.‏

الفتنة البغيضة التي لا يريدها أبناء هذه المنطقة تحاول أن تضرب فيها منذ حادثة مقتل الشاب مهدي علي أمهز إثر الخطابات الاستفزازية التحريضية لرموز من 14 شباط، كان يفترض بها أن تكون على مستوى حماية دماء وأبناء الوطن الواحد.‏

لكن أهل المنطقة الذين عضّوا على جراحهم منذ مقتل الشاب مهدي علي أمهز إثر الخطابات الاستفزازية والتحريضية التي ألقيت في مهرجان لقوى 14 شباط في بلدة عرسال، يأملون "أن تكون الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ 14 شباط/ فبراير الماضي عابرة، وأن ينجح العقلاء في وأد الفتنة، وأن يتقدم خيار التقارب والمصالحة ـ الذي هو خيار أبناء المنطقة ـ على شبح الفتنة.‏

ربما تكون الصدمة من تلك الأحداث التي شهدتها منطقة البقاع الشمالي هي التي أحدثت مشهد الوجوم على وجوه أبنائها، إلا أن جميع من التقيناهم في المنطقة من أهاليها المتنوعين في مشاربهم الدينية، وإن اختلفت آراؤهم السياسية، يجمعون على أنهم أهل المحبة والعيش معاً في السراء والضراء، وأن التعصّب ما دخل داراً إلا أفسدها، وإذا كان الخلاف سياسياً فهذا حق ديمقراطي نمارسه بعيداً عن أي تشنج مذهبي أو طائفي، فنحن أهل وبيننا أواصر قربى وجيرة، ولا يمكن ان يستغني بعضنا عن بعض.‏

المسؤول الاجتماعي لحزب الله في البقاع (ابن البقاع الشمالي) الشيخ مهدي مصطفى، اعتبر في حديث لـ"الانتقاد" أن "ما حصل كان نتيجة استفزازات وانفعالات بسبب الظروف السياسية والخطابات النارية لبعض رموز الفريق الحاكم، سواء في الحادث السابق أو في هذا الحادث.. وما حصل الجمعة الفائت كان خطيراً بدلالاته، سواء علم من قام به أو لم يعلم، ولولا وعي أهل المنطقة والفعاليات السياسية والاجتماعية لكانت الأمور اتجهت الى أماكن أخرى".‏

واعتبر أن نزول مسلحين من جهة جرود رأس بعلبك ليقوموا باعتداءات ضد المواطنين تصرفا مغايرا لصورة البقاع الشمالي، فطيلة الحرب الأهلية وبرغم قساوتها، لم يحصل مثل هذا الأمر". وأعلن مصطفى عن استغرابه لأن "يحصل ما يحصل في زمن الوعي والحوار.. وأن يخرج نماذج من العمل المسلح والاعتداءات العلنية، فهنا تكمن الخطورة".‏

ورأى الشيخ مصطفى أن "ما يحمي المنطقة وأهلها هو وعي الأطراف السياسية والفعاليات الاجتماعية فيها، حيث كان يُتواصل مباشرة مع فعاليات بلدة عرسال للتخفيف من سلبيات ما حصل، وقد استطعنا بجهود الخيّرين حصر المشكل بما حدث في البداية".‏

ويعتبر مصطفى "أن نظرتنا الى عرسال أو اللبوة أو رأس بعلبك وكل قرى وبلدات المنطقة نظرة واحدة، هي نظرة الحرمان من حقوقها والاستهتار بها، ورصيد هذه المنطقة هو المحبة بين الناس والعلاقات اليومية بينهم كما العلاقات النَسَبية".. مؤكداً أن هذه المنطقة "مهما حاول البعض أن يصبغها بصباغ ليست فيه، هي بما تحتضن ستبقى منطقة تدفع باتجاه الخير ونبذ التفرقة، ولا نستطيع أن نعيش إلا بمحبة". مضيفاً: "الأمور الآن تتجه نحو الحلحلة والهدوء، وذلك بمساعي الخيّرين وفعاليات المنطقة".‏

وأمل أن يكون ما حصل فرصة للاعتبار وعدم الوقوع في الأخطاء غير المدروسة، التي قد تؤدي بالمنطقة الى ما لا تُحمد عقباه".‏

سكرية‏

بدوره النائب إسماعيل سكرية اعتبر أن الأحداث المتكررة في منطقة البقاع الشمالي هي انعكاس للمناخ السياسي المتوتر في البلد بشكل عام، والمتأثر بخطابات التحريض المذهبي بشكل خاص.. حيث وضع قادة 14 شباط البلد أمام خيارين: إما الرضوخ لمشروعهم المتحرك على إيقاع السياسة الأميركية، وإما الحرب الأهلية.‏

وأضاف: "يتوضح يوماً بعد يوم دور بعض الأجهزة الأمنية المستحدثة في التخطيط والتدبير، اضافة الى استحضار بعض عناوين الحرب الأهلية ولكن بمهمة مناقضة لدورها العروبي في تلك الأيام.. كل ذلك ومع بعض ردود الفعل العفوية من الناس التي تزيد الأمور تعقيداً، يضع منطقة البقاع الشمالي بحكم تركيبته الطائفية والمذهبية المتنوعة، على فوّهة بركان اذا ما انفجر ـ لا قدّر الله ـ فسوف يكون منطلق التفجير في كل لبنان".‏

وأضاف سكرية: "ان التحرك للملمة الخلاف وعقد لقاء شعبي وسياسي عام كان يسير بقوة، ما سبب انزعاج البعض، فافتعلوا حادثة الفاكهة أمام منزلي بهدف خربطة الأمور".‏

وأكد سكرية ثقته بأن عقلاء المنطقة وقياداتها يعرفون تاريخها وقيم العيش المشترك، واعتناق ثقافة المقاومة وممارستها فعلاً وشهادة".‏

ودعا الى مزيد من التحرك السياسي باتجاه التهدئة والمصالحة، كما دعا الى "مزيد من تشدد القوى المولجة بحفظ الأمن، وعلى رأسها الجيش اللبناني الذي يقوم بدوره مشكوراً".‏

وقال سكرية: "إن معاناة المنطقة في الحرمان والفقر والمرض يجب أن تجتمع وتكون لها الأولوية في الاحتجاجات، وإن أولئك المحرضين من بعيد لا يخسرون شيئاً في استعمال بعض المتحمسين وقوداً في مشاريعهم الجهنمية". وختم بالدعوة الى وأد ملامح ومظاهر الفتنة التي فيها الجنون والانتحار، ولعن الله من يحركها لأنه الى جهنم وبئس المصير.‏

عصام البستاني‏

الانتقاد/ العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23