ارشيف من : 2005-2008

الإمام السجاد: أسلوب آخر من الجهاد السياسي

الإمام السجاد: أسلوب آخر من الجهاد السياسي

لبلورة الاتجاه المناهض لها.‏

فقد أجمع المؤرخون على أن الإمام عليه السلام انكبّ على الشؤون الدينية ورواية الحديث والتعليم، بعيداً عن أي شكل من أشكال النضال السياسي، أو أيّ تحرك معارض للنظام الحاكم.‏

ويحلو للبعض منهم أن يرفد حججه على ذلك بالإشارة إلى الألقاب التي تُنسب اليه (ع) مثل السجاد وزين العابدين. كما يطلق البعض "المريض" لقباً له.‏

ويظن هؤلاء أنه لو أراد الإمام أن يقاوم نظام بني أمية لكان ينبغي أن يرفع راية المقاومة، أو أن يلتحق بثورة المختار الثقفي في الكوفة أو حركة عبد الله بن حنظلة (أحد صحابة أهل البيت "ع") في المدينة، أو أن يقودهما معلناً بذلك المقاومة المسلحة بكل وضوح.‏

ويتضح خطأ هذا الظنّ بالالتفات إلى هدف الأئمة (ع) وبالنظر إلى ظروف زمان الإمام السجاد (ع).‏

فإذا كان هدف الأئمة الأساسي والدائم هو إعلاء كلمة الله في الأرض، وإذا كان هذا الهدف لا يُدرك إلا بقيام حكومة إلهية، فإن الظروف التي عاشها الإمام السجاد لم تكن موائمة البتة لمثل هذا الأمر، إذ إنه بعد واقعة كربلاء سيطرت على العالم الإسلامي ـ وخاصة الحجاز والعراق ـ حالة من الرعب والخوف الشديد بين الشيعة وأتباع الأئمة. وهذا الرعب الذي ظهرت آثاره أكثر شيء في الكوفة والمدينة، بلغ ذروته بعد سنتين فقط إثر وقوع حادثة "الحرّة" في المدينة المنورة التي هرب منها من هرب وقُتل فيها من قُتل، وقد تجاوزوا عشرة آلاف قتيل، وفيهم بعض أصحاب أهل البيت الخيّرين كعبد الله بن حنظلة. وقد انعكست هذه السياسة الإرهابية القمعية على مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية لمختلف فئات المجتمع الإسلامي آنذاك، وكانت أشد ما تكون وطأة على محبي وأتباع أهل البيت (ع).‏

وقد عبّر الإمام الصادق (ع) عن حال الناس في ظل تلك السياسة بقوله: "ارتدّ الناس بعد الحسين (ع) إلاّ ثلاثة".‏

فلو أنه (ع) قام في تلك الظروف بأي تحركات علنية وسلبية، لما بقي للشيعة من باقية، ولما بقيت الأرضية لاستمرار ونموّ مدرسة أهل البيت ونظام الولاية والإمامة فيما بعد.‏

إن المواجهة العلنية الصريحة والتنديد المباشر بإجراءات السلطة الحاكمة وفضحها، كانت حينئذ بمثابة عملية استشهادية أخرى تلحق الإمام (ع) بأبيه وإخوته، ولا تكلّف خصومه أكثر من ضربة سيف واحدة لا يتردّد عن القيام بها واحد من جلاوزة السلطة يتقرب بها إلى الأمير، ومن دون أن يرفّ له جفن أو يحاكمه ضمير.. وبالتالي ينتهي الدور الرسالي الذي يسعى الإمام السجاد عليه السلام لتحقيقه من خلال كشف تلك الغيوم وتبديدها.‏

وتفادياً لذلك المصير الذي لا طائل تحته للإسلام والمسلمين، اضطر َالإمام السجاد لتمرير المرحلة بالعضّ على الجراح بنيّة القيام بعملية الكشف والتوعية المطلوبة من أجل إعادة الأمّة المضلَّلة والمغلوبة على أمرها إلى رشدها، فضلاً عن تحرير إرادتها.‏

فما كان منه إلا أن اتبع سبيل الموعظة والدعاء، فضلاً عن التعليم وتخريج العلماء والفقهاء وتربية المخلصين من أتباعه. ولكن كل ذلك تحت ستار كثيف من السرّيّة والتقية.‏

ولم يكن هذا السبيل أبداً بديلاً عن العمل السياسي أو خارجاً عنه، بل كان في الصميم منه. ويتبدّى ذلك بالتأمل في محتوى تلك المواعظ والأدعية والتعاليم، حيث كانت ـ فضلاً عما كان يصدر عنه (ع) من مواقف ـ تلتقي جميعها ضمن محاور ثلاثة تتحرّك باتجاه واحد هو التصدي للحكم القائم.. مع الإشارة إلى أن الإمام لم يضع في حسبانه إيجاد حكومة بديلة، إدراكاً منه لاستحالة ذلك في زمانه.‏

وهذه المحاور هي:‏

ــ تعريف الناس بالحقائق الإسلامية والأصول الدينية بصورتها الأصيلة. هذا الفكر الذي دُفن تحت تراب النسيان نتيجة حكم الظالمين طوال ذلك الزمان، وتعرّض للتحريف في عقول المسلمين، وكان لـ"الصحيفة السجادية" الدور الأساس في هذا المجال.‏

ــ تعريف الناس بحقانية أولئك الذين ينبغي أن يتسلموا زمام الحكم، وأن مقام الولاية والإمامة والحكومة حق ثابت لهم، وهم الخلفاء الحقيقيون للنبي (ص). وبتعبير آخر بيان مسألة الحكومة الإسلامية والحكم الإسلامي الحقيقي، وتوعية المجتمع الإسلامي على حقيقة مجريات ذلك الزمان الذي شهد حكم الظالمين والكفار والفاسقين، وإفهامه بأن حكومة عبد الملك وأمثالها ليست الحكومة التي يريدها الإسلام.‏

ــ تأسيس بعض الأجهزة والتشكيلات التي يمكن أن تكون منطلقاً أصلياً للتحركات السياسية المستقبلية. وهذه التنظيمات كانت موجودة منذ أيام أمير المؤمنين (ع)، غير أنها ضعفت وتلاشت إثر واقعة عاشوراء وواقعة "الحرّة" ومقتل المختار الثقفي.‏

ولا ريب في أنّ مواجهة الإمام السجاد عليه السلام للدولة في هذا الإطار، تُعدّ في قمّة أعماله السياسية، ومن أخطر أوجه النضال السياسي في حياته الكريمة.‏

اسماعيل زلغوط‏

الانتقاد/ العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23