ارشيف من : 2005-2008
"نحنا أهل"
الشماليون إلى العاصمة أو إلى زحلة أو إلى حمص أقرب المدن السورية من جهة الشمال، هذه المدينة العربية العريقة التي فتحها خالد بن الوليد والتي فتحت قلبها قبل بيوتها لوفود النازحين اللبنانيين القادمين اليها هرباً من جحيم الطائرات الصهيونية في حرب تموز.
العبارة الآنفة التي كتبها طلاب في الثانوية المذكورة، بدت لي كأنها حقل دلالي يموج برؤى وحدوية لم يتمكن زعماء كبار أو صغار في هذا البلد من فك رموزها وإشاراتها وأبسط دلالاتها: "نحنا أهل".. بدت من وراء تلك الشابّة التي توزع الورود على المارين كأنها صدر أم يتسع للأبناء المشاغبين الذين أنستهم غرائزهم فقرهم وجوعهم ووقوفهم المرير أمام أبواب المستشفيات لتأمين الأموال اللازمة لإجراء عملية جراحية ضرورية.. لم يكن بإمكان هؤلاء الشباب وهم في ميعة الصبا، إلا أن يرددوا عبارة سمعوها من ذويهم في المناسبات الاجتماعية على سبيل المجاملات، في وجه هذا الجنون الذي يعصف بالمنطقة الأكثر فقراً في لبنان.. العبارة ـ الرؤية تهزّ الإنسان من الأعماق، بدت لي كأنها الممر الإجباري للخروج من النفق المظلم والأكثر سوداوية في تاريخ منطقة مهملة تتعايش فيها دوائر الحرمان والتخلف المغلقة، وإذ بالبعض ممن انتظرنا منهم أن يتقدموا "ويشيلوا معنا كتف"، يحاولون إدخال دائرة مغلقة جديدة هي دائرة الطائفيات البغيضة والهوبات القاتلة.
ما قدمه الطلاب هو نموذج إنساني لتجربة تعايش فريدة ظلّت عصيّة على الفتنة حتى في أكثر لحظات الحرب الأهلية سوداوية".. ما قدموه في حاجز المحبة يشكل لوحة شديدة الإخلاص في الانتماء، وإن كانت شديدة الدراما في الوقت ذاته.. إنه يؤرخ لهذه المنطقة الساخنة والملتهبة بشكل يعكس نضال الإنسان في تلك البقعة العزيزة من الوطن، التي شهدت ملحمة الإنسان في كفاحه المرير ضد الفقر والحرمان..
حسن نعيم
الانتقاد/ نقطة حبر ـ العدد1203 ـ23 شباط/فبراير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018