ارشيف من : 2005-2008

توسط النافذين في اختيار الموظفين…أسباب ونتائج

توسط النافذين في اختيار الموظفين…أسباب ونتائج

السياسية..‏

مما لا شك فيه أن الكفاءة العلمية والخبرة العملية والمهارة في مجتمعاتنا لم تعد مقياساً كافياً يعتمد عليه في التوظيف، أو في القبول في الجامعات وغير ذلك… لقد أضيف اليها مقياس جديد يكاد يلغيها، إنه اعتماد "الواسطة" أو ما يسمى بالتزكية تجاوزاً للوصول إلى أي عمل وإلى أي دراسة، فإذا "بالواسطة" داء يسري في جسم الوظائف الحكومية أو الخاصة كالدم، لتغدو إحدى الأوراق الثبوتية التي يتوجب إبرازها قبل الشهادات العلمية والخبرة، عند التقدم إلى أي عمل مهما كان هامشياً، وقد تؤدي الواسطة دوراً إيجابياً في وصول الكفؤ إلى مكانه الطبيعي، ولكن هذا يتم في حالات نادرة جداً.‏

فالمعرفة الشخصية قد تعيق النظرة الموضوعية والعلاقة القريبة بما يداخلها من عوامل عاطفية وانفعالية خاصة تنعكس سلباً على تطوير العمل وإنجاحه، وتكبر الهوة بين ما يتطلبه العمل وما يعطى له، كلما ازداد دور العوامل الشخصية في اختيار الموظف.‏

خلفيات التوظيف بالواسطة‏

قد تشكل العاطفة خلفية لسلسلة من الأسباب النفسية الكامنة حيناً، والواعية أخرى للتوظيف بالواسطة، فالعلاقات الأسرية وما يحيط بها من قدسية، في مجتمعاتنا الشرقية، قد تجر المسؤول لتوظيف أقربائه، عرفاناً منه لهم بجميل أسدوه اليه، أو تحسساً بمسؤوليته الشخصية تجاه العائلة ككل، فهو كفرد مسؤول عن رفع مستواها الاجتماعي بين العائلات، لأنه جزء منها ويشكل رقيها جزءاً لا يتجزأ من تطوره الشخصي، ومما يدفع إلى التوسط للأقارب، بغض النظر عن كفاءتهم، عدم تمتع المسؤول بإحساس كافٍ بالمسؤولية، وعدم الولاء للجهة التي يعمل فيها، أو جهله بطبيعة متطلبات العمل وخصوصياته، أو عدم ملاحقته قانونياً على سوء استخدامه لمسؤوليته، أو لأن مركزه الوظيفي قد تحقق عن طريق "الواسطة"، عدا عن العصبية العائلية التي تعطي الأفضلية للقريب القليل الكفاءة على الغريب مهما كانت كفاءته.. فالتوسط للأقارب يعزز قوة المسؤول في المؤسسة مرة، وفي العائلة مرة أخرى، في حين قد لا يؤدي إدخال الغرباء إلى أي كسب معنوي خاص بالمسؤول، وخاصة ان كفاءة الغريب التي أهلته لدخول المؤسسة تهدد المسؤول بعدم الطاعة، وتضغط عليه وظيفياً، وهذا ما يتجنبه المسؤول عديم الكفاءة أو التقليدي عادة..‏

هذا في الإطار العائلي أما في الإطار الاجتماعي فالعلاقات الاجتماعية تجر البعض طوعاً أو كرهاً إلى ذلك كرد لجميل سابق، أو توطيد لعلاقة قائمة، أو مبادرة إلى بدء علاقة جديدة تضمن للمسؤول بعض المصالح الخاصة، أو حرصاً على الآخرين وحباً بهم، أو حياءً من أعزاء يحترمهم ويحبهم، والنتيجة دعم الوضع الاجتماعي في أوساط الأصدقاء والأقارب، والحصول على الاعتراف والتقدير داخل الجماعة.‏

ولا تقتصر الواسطة في مجتمعنا على الأقارب والأصدقاء، بل تتعداهم إلى أفراد الطائفة الواحدة، وأصحاب المنهج السياسي المشترك، حيث يسعى المسؤول إلى تعزيز موقع طائفته أو حزبه على حساب المؤسسة التي يعمل فيها، ما يؤدي إلى تعزيز الانتماءات الطائفية والحزبية، لأن انتماء الفرد إلى حزب معين أو إلى طائفة محددة يشكل أهم مقومات إثبات الذات، بل أبسط متطلبات تأمين العيش الكريم في مجتمعاتنا.‏

آثار التوظيف بالواسطة‏

ان التوظيف اعتماداً على توسط شخص أو جهة نافذة، يولد العديد من السلبيات التي تتضخم وتتفاقم في غياب الخطة العملية الهادفة إلى محو أسبابها:‏

أولاً: تعطل هذه الطريقة، تطبيق القاعدة الذهبية في تطوير المجتمع، فهي تسمح لغير المؤهل علمياً أو عملياً بالقيام بدور غير كفؤ له، أو هي في أحسن الأحوال تعطل وصول الكفؤ إلى موقعه المناسب، وهذا ما يحرم العمل من صاحبه، فيقلل من الانتاجية ويفتقر العمل إلى الابداع والأصالة.‏

ثانياً: تمنح الأفراد القريبين من أصحاب النفوذ جرأة ارتياد أماكن العمل دون مؤهلات، ما يقوي لديهم روح التكاسل ويمنعهم من الجد والعمل. في المقابل تحبط أصحاب المؤهلات الذين يجدون أنفسهم أمام شركاء غير أكفاء وصلوا بأسهل الطرق وأخفها حيث غدت قاعدة النجاح هي امتلاك سند معنوي لا يملكون هم أسباب الوصول اليه، فيتقاعسون عن بذل الجهد، وقد يعمدون إلى نشر المفاهيم والمبادئ السلبية التي هزمتهم، وقد يربون عليها أطفالهم، كمفهوم أن الشهادة لا تطعم خبزاً، وأن القوي بقواه، وما شابه من قواعد الوصولية.‏

ثالثاً: تفرز هذه الطريقة المجتمع إلى أقوياء وضعفاء، لا على أساس ما تملكه كل فئة من أسباب القوة والضعف، بل على أساس ما تملكه كل فئة من نفوذ، يفتح أمامها آفاق الحياة… فإذا ببعض المؤسسات تكون حكراً على عائلات معينة أو على طرف سياسي أو انتماء طائفي معين، ما يحرم كل من لا ينضوون تحت لواء العائلة أو الطائفة او الحزب من فرصة الدخول في هذا العمل أو ذاك مهما كانت مؤهلاته متوافقة مع متطلبات العمل.‏

رابعاً… يقوي اللجوء إلى "الواسطة" الإحساس بالذل عند الأفراد لحاجتهم الدائمة إلى أصحاب السلطة والنفوذ، ما يمرنهم على تقبل الهوان، ويكرس إحساسهم بالضعة مقابل انتفاخ مرضي لشخصية المتوسطين وقدرة أكبر على التحكم بالأفراد واستخدامهم لمصالحهم الشخصية.‏

بين الوقاية والعلاج‏

لا بد من علاج ناجع، لافرازات "الواسطة" بعد وصول عديمي الكفاءة إلى مواقع غيرهم، ويبدأ باستئصال كل من يلحظ عدم كفايته العلمية أو العملية في تأدية واجبه، وهذا ما تعترضه صعوبات اجرائية قد تنتهي لتفشي هذه الظاهرة، إلا أنه لا مفر من ذلك فإن الوقاية أهم من العلاج، بل هي الحل الأول والأساس.‏

فاختيار المسؤول الكفؤ بعد دراسة كافية لطبيعة عمله ومسؤولياته يشكل العمود الأول الذي تطور به مشاعر المسؤولية والرسالية في تأدية العمل، ما يجعل الانتصار على الدوافع الشخصية والعواطف أمراً يسيراً، وبابتعاد المسؤولين عن التوسط، يبتعد الأفراد عن اللجوء إلى هذه الطريقة الملتوية للوصول، ويعمد كل فرد إلى رفع كفاءاته الشخصية إلى أعلى مستوى ممكن يكفل له النجاح والارتقاء في السلم الاجتماعي بجهده الشخصي، ويزداد لدى جميع الأفراد مستوى الثقة الحقيقية بالنفس، والثقة بظروف الحياة وشروطها، غالمقياس هو العمل والجهد دون سواه..‏

إلا أن كل ما سبق يبقى معالجة في أجواء العمل وإفرازات "الواسطة" بعد حصولها، وأي كلام عن وقاية قبل وقوعها، يستلزم التأكيد على ضرورة إحياء مبادئ الأخلاق في نظرة الفرد وتعاطيه مع محيطه، واستبعاد قيم الوصولية والمراهنة والخداع والمراءاة وغير ذلك، مما يشتهر في المجتمع انها علامات على خبرة الإنسان الاجتماعية ومعرفته للحياة بأعمق مستوى! فالأسرة والمدرسة والجامعة، كلها مؤسسات مطالبه باحتضان طموح الأفراد لتوظيفها وتطويرها بترسيخ النزاهة والتنافس إلى تحصيل العلوم وإسداء الخيرات للمجتمع وتعميق الثقة بالنفس وإسقاط مفهوم التقدير الاجتماعي على أساس المركز أو الشهادة أو المال، وجعله مرتبطاً بمستوى الإبداع والانتاج.‏

منى بليبل‏

الانتقاد/ العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23