ارشيف من : 2005-2008

المقطتف اليومي للصحافة اللبنانية 5 كانون الثاني/ يناير 2006

المقطتف اليومي للصحافة اللبنانية 5 كانون الثاني/ يناير 2006

الأمين‏

دخلت المعارضة مرحلة جديدة من المواجهة الحادة مع فريق السلطة. والمناقشات التي تجري منذ انتهاء عطلة العيد تركزت على سبل وضع برنامج عمل وتحرك يهدف الى تضييق الخناق على فريق السلطة. والتعامل مع أي مبادرة توفيقية وفق آلية لا تتيح منح السلطة مزيداً من الوقت، وخصوصاً أن فريق المعارضة بات على اقتناع بأن القوى العربية التي تتولى الوساطات هي في واقع الحال تتبنى وجهة نظر السلطة التي تنتمي معها الى نفس معسكر “الاعتدال” المدعوم من الولايات المتحدة وفرنسا. وهو الموقف الذي يمهد عملياً للتعامل بطريقة مختلفة مع أي تحرك عربي مقبل، وسط معلومات عن توجه فريق 14 آذار بطلب الى الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى للعودة سريعاً الى بيروت. ويبدو أن الاهتمام ينصب الآن على سبل تسهيل حصول اجتماع باريس ــــــ3، ما جعل موعد الـ25 من الشهر الجاري، وهو الموعد المقرر لاجتماع باريس ــــــ3 هدفاً بحد ذاته عند فريقي السلطة والمعارضة.‏

ووفق معلومات المعنيين بالأمر فإن البحث يأخذ بعين الاعتبار حقيقة ان فريق السلطة يريد أمراً واحداً هو كسب الوقت، وان استراتيجية تعطيل المبادرات التي يعتمدها هذا الفريق لها من يدعمها في الخارج. وثمة حديث قوي عن دور يضطلع به السفير السعودي السابق في واشنطن ورئيس مجلس الأمن القومي السعودي حالياً بندر بن سلطان، وأنه هو من يتولى عملياً قيادة الجبهة التي تعتبر فريق المعارضة في لبنان “امتداداً للعدو الاستراتيجي الجديد وهو إيران ومعه سوريا”. وان ما يقوم به السفيران الاميركي والفرنسي في بيروت جيفري فيلتمان وبرنار ايمييه يندرج في اطار البحث عن وسائل دفاع تستخدمها السلطة في مواجهة فريق المعارضة. بما في ذلك محاولة إحياء “التحالف الرباعي” إذا لزم الامر، وهو التفسير الذي اعطي للحفاوة المستجدة من قبل مصر والسعودية ازاء حزب الله. علماً بأن زيارة وفد حزب الله الى السعودية أثارت حفيظة “ بقايا المحافظين الجدد” في الرياض وبيروت ما أنتج اولاً المقابلة الشهيرة لوليد جنبلاط في قناة “العربية” (الناطق المرئي والمسموع لجبهة الاعتدال الاميركية ــــــ العربية) التي أراد من خلالها نقل المواجهة الى مستوى آخر، بإعطاء جرعة إضافية لملف المحكمة الدولية عبر اتهام حزب الله بالتورط في الاغتيالات. وقد جاءت مقابلة جنبلاط مباشرة على الهواء في المحطة المموّلة من السعودية التي تديرها مجموعة بندر بن سلطان وملحقاته من المخابرات الاميركية والأردنية، وبعدما سبق أن دعا الى قتل بشار الأسد قبل أيام، في خطوة تأخذ بعداً متصلاً بموقف السعودية مما يجري. وهو الامر الذي لم يجد بعد حتى اللحظة تفسيراً منطقياً إلا في سياق المعارك القائمة في المنطقة العربية، فيما بدا انه انتماء مباشر من جنبلاط الى المحور الذي يفترض أن التخلص من سوريا ومن القوى الحليفة لها في لبنان خطوة لا بد منها لضمان استقرار النظام القائم في لبنان كما في بقية الدول.‏

وبناءً على حسابات بسيطة فإن النقاش المفترض حول الخطوات المقبلة من جانب المعارضة، يأخذ في الاعتبار عدم منح فريق السلطة ولا الراعي العربي والدولي اي فرصة لكسب المزيد من الوقت، والمباشرة بوضع تصور لخطوات تتخذ طابعاً صدامياً مع السلطة وفي كل الامكنة بما يتيح إعادة تنظيم جدول الاعمال، مع الترحيب بالاضافة التي قدّمها الرئيس فؤاد السنيورة الذي جعل الورقة الاقتصادية بنداً رئيسياً، وهو ما يفيد أصلاً في تحسين سلوك المعارضة غير السياسي. حيث بدا أن البند الاقتصادي ــــــ الاجتماعي حاضر عند قسم من المعارضة لا عند كل أطرافها، ولا سيما ان هناك الكثير من الكلام الذي يقال في هذا المجال، ويعيد فتح الدفاتر القديمة لفريق السلطة الذي يستمر في إدارة أسوأ سياسة اقتصادية ومالية ونقدية في لبنان منذ توقف الحرب الاهلية، وهو الفريق الذي كان له شركاء بعضهم في المعارضة الآن وبعضهم في سوريا ايضاً، وهو ما يتيح لقوى المعارضة أن تقدم مراجعة منطقية بقصد كشف المستور وتوضيح حقائق تراكم الدين العام ومسؤولية القطاع الخاص التابع لفريق السلطة، ولا سيما منه القطاع المصرفي الذي يعد الشريك الرئيسي في عملية جني ثمار السياسة النقدية.‏

ومع أن البعض يفترض أن من شأن ذلك توسيع دائرة خصوم المعارضة، إلا أن واقع الحال هو أن سلوك الهيئات الاقتصادية خلال الاسبوعين الماضيين كشف بقوة أن قواعدها في مكان وقيادتها في مكان آخر، هو المكان الاقرب الى فريق السلطة. وهم في هذه الناحية لا يهمهم من هو في السلطة ومن هو في المعارضة بقدر ما يهمهم أن هذه التركيبة التي تدير البلاد اقتصادياً ومالياً ونقدياً هي التي توفر لهم هذه العائدات التي لا تتناسب مع أرقام النمو المعلن عنها من قبل السلطة نفسها.‏

وحتى أمس كانت هناك سلسلة من الاجتماعات الرئيسية التي عقدت بين أركان المعارضة ومباشرة إعداد خطة عمل تقوم على تأليف لجنة متابعة تمثل القوى الرئيسية في المعارضة وتتولى التنسيق اليومي بما يكفل إعداد خطة عمل تكون جاهزة قبل نهاية هذا الأسبوع لتُعرض على قادة المعارضة قبل المباشرة بوضع آلية ومهل زمنية لتنفيذها مع اتجاه الى إسقاط جميع التحفظات التي كانت قائمة خلال المدة الاخيرة والتي اخذت بالاعتبار الحملات الاعلامية التي شنتها قوى السلطة على المعارضة وعلى قواها كافة.‏

وحسب متابعين فإن البحث يأخذ في عين الاعتبار جملة امور منها:‏

ـ إعادة تثبيت شعار المعارضة ورفع السقف بوضوح نحو معركة تأليف حكومة انتقالية تتولى الاشراف على إنتاج انتخابات نيابية مبكرة.‏

ـ إعداد ورقة للمعارضة مجتمعة تتابع الملف الاقتصادي والاجتماعي وتفرضه بنداً حاراً أمام السلطة الحالية وأمام أي سلطة سوف تقوم قريباً.‏

ـ إعداد تصور وموقف موحد وثابت في ما خص طريقة التعامل مع أي مبادرة محلية او خارجية لمعالجة الازمة.‏

ـ تثبيت العمل بمقترحات عملية للتحرك الشعبي والنقابي والطلابي الذي يقود الى شلّ مؤسسات الدولة كافة، والتركيز على جعل التحرك يصيب من الحكومة مقتلاً لا من الناس، ودون التوقف كثيراً عند الاعتبارات التي قامت في المرحلة الماضية والتي ركزت على تجنب المواجهات المباشرة.‏

بعد الاثنين المقبل نحن أمام كلام آخر بين المعارضة والسلطة.‏

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

«اتفاق الطائف»:صفائح تكتونية‏

كتب جوزف سماحة‏

صادر الدور السوري الحيّز الأكبر من الحقل السياسي في لبنان. «نجح» في ضبط التباين بين مشروعي «المقاومة» و«إعادة الإعمار»، وفي منع انفجار التناقض بين «الإحباط المسيحي» و«لبنان الجديد». أدّى الانكفاء العسكري السوري إلى «تحرير» هذه القوى. وما نشهده اليوم ناجم عن الاصطفاف الجديد لهذه الأطراف المركزية بعد مرورها، غداة الانسحاب، بغير محطة.‏

اللحظة الأولى هي 8 آذار. المقاومة وحلفاؤها يتظاهرون محدّدين لأنفسهم وجهة عامة في ما يخص الخيار الإقليمي لكن من دون القطع مع الآخرين.‏

اللحظة الثانية هي 14 آذار. إنه تحرك احتجاجي ضد الدور السوري وما يُنسب إليه من أفعال. لكن «ميزة» التحرّك هي أنه وضع في ساحة واحدة قوة معارضة أصيلة لهذا الدور وقوة طارئة على هذا الاعتراض. التقى «الإحباط المسيحي» الجبهةَ التي تشكل «إعادة الإعمار» عمودها الفقري. لم يطل «شهر العسل» كثيراً.‏

اللحظة الثالثة هي «التحالف الرباعي». نشأ «التحالف» من التقاء رغبتين. الأولى هي رغبة المقاومة في بناء منظومة دفاعية من حولها تحل محل التي سقطت، والثانية هي رغبة «إعادة الإعمار» في أن يحتفظ في عهد ما بعد الدور السوري بجانب مهم من جوانب الدور السوري: تهميش القوة المسيحية المركزية. لم يرض الجناح الإسلامي في «14 آذار» أي تقاسم جدي للسلطة مع الحلفاء المستجدين الذين يشكلون الجناح المسيحي في الحركة نفسها. كانت الرغبة، أولاً، في استبعاد «التيار الوطني» و«القوات»، إلا أن هناك من ضغط لفتح الباب وجعله موارباً لإدخال «القوات» ثم إقفال باب الانتساب.‏

كان «التحالف الرباعي»، بمعنى ما، استمراراً لسياسة سورية من دون سوريا. وكان يمكنه الاستمرار، وضبط تناقضاته، أو تأجيل انفجارها. إلا أن ذلك بات مستحيلاً، تحت ضغط الوضع الأمني والتدخل الأجنبي. وعندما أصبح التحالف مطالباً بأن يكون ضد سوريا كان لا بد له من الانهيار، فانهار راسماً مسافة متباعدة بين «المقاومة» و«إعادة الإعمار».‏

اللحظة الرابعة كانت «التفاهم الثنائي». إنه «تفاهم» يعبّر عن ازدياد التباين بين «المقاومة» و«إعادة الإعمار»، وهو «تفاهم» بين محبطي العهد السوري (التيار) ومحبطي العهد ما بعد السوري لا بل الانتي ـــ سوري (المقاومة و، هنا أيضاً، التيار). ويعبّر «التفاهم» عن ولادة لحظة تأسيسية ستتفاعل لاحقاً: انتهت مفاعيل المصادرة السورية للحيّز السياسي اللبناني فبات ممكناً للاختلاف بين «المقاومة» و«إعادة الإعمار» أن يتطوّر، كما بات تطور هذا الاختلاف عنصراً مهماً يلعب دور الرافعة لعودة مسيحيي الإحباط عن إحباطهم.‏

***‏

استكمل العدوان الإسرائيلي وطوّر اتجاهات كانت قد شرعت ترتسم قبله. ثمة ثلاث قوى سياسية (طائفية) مركزية تحررت من علاقات شبه قسرية فرضها الضغط السوري (المقاومة وإعادة الإعمار) وتحررت، أيضاً، بفعل الانكفاء السوري (التيار).‏

تحرر هذه القوى دفع بها دفعاً نحو احتلال الحقل السياسي اللبناني الذي كان مصادراً. إلا أن اللافت في ذلك أن هذه القوى كلها هي، بمعنى ما، وافدة على السياسة: ثمة قادمون إلى السياسة من المقاومة، وقادمون إلى السياسة من الاقتصاد، وقادمون إلى السياسة من المنفى. صحيح أن حضورهم السياسي كان ملموساً في المرحلة السابقة غير أنه حضور بقي على الهامش نتيجة الوصاية السورية بكل جوانبها.‏

«حركة الصفائح التكتونية» تعبير تقني يقصد التعريف بالانزياحات الجيولوجية التي تسبّب الزلازل. والزلزال اللبناني الراهن ناتج من دخول هذه الصفائح الحقل السياسي واصطدام بعضها ببعض، وبحثها عن صيغة لوجودها، وعن شكل لعلاقاتها.‏

يقال إن «المقاومة» انسحبت من الجنوب لتغرق في «أزقة بيروت». ليس في بيروت «أزقة» بهذا المعنى. إن في بيروت سلطة. و«المقاومة» تريد حصة في هذه السلطة. وهذا حقها. وهي تعلن استعدادها للسير في خطين متوازيين: صيغة جديدة لنفسها مقابل صيغة جديدة للدولة وتوازناتها.‏

والوافدون من «الإحباط» يريدون المشاركة. وهذا حقهم. وهم يرون أن هذه هي الترجمة المتوقعة لانتهاء عهد وبداية آخر.‏

أما الوافدون من «إعادة الإعمار» فيتصرفون كمن يريد كل شيء: المحكمة الدولية بلا نقاش، 1701 بقراءة متشددة، باريس ـــ 3 ببرنامج مطعون فيه ومشروط بقدر من الاستئثار بالسلطة. ولقد أضاف بعضهم، إلى ذلك، بعداً داخلياً للمحكمة الدولية يمكنه أن يكون صاعق تفجير. يريد هؤلاء إقصاء من قاوم سوريا ومن قاوم إسرائيل. يرون أن في وسعهم ممارسة الهيمنة على لبنان كله باستبعاد طائفة كبرى واستتباع طائفة أخرى كبرى. ولا يتنبّهون إلى أنهم بدل معالجة «إحباط» سابق ساهموا جزئياً فيه يفتعلون إحباطاً جديداً هو من صنع أيديهم وتلبية لإملاءات خارجية. إذا قرأنا الصراعات الدائرة حالياً بين هذه الأطراف نلاحظ، بسهولة، أنها تدور على عناوين ما سمّيناه «الحقل السياسي اللبناني الذي صادر الدور السوري الحيّز الأكبر منه»: الموقع الإقليمي، السياسة الخارجية، التوازنات الداخلية، الصلاحيات، التعيينات، المؤسسات الأمنية وغيرها، التوجّه الاقتصادي الإجمالي...‏

إن ما كان احتكاراً أصبح مشاعاً. سقط السياج من حول «الحقل السياسي» فاقتحمته قوى تتمتع بميزتين، الأولى أنها قوى مركزية جداً في الحياة العامة اللبنانية، الثانية أنها قوى تدخل إلى هذا الحقل للمرة الأولى في تاريخها محاولة تحديد موقعها في المتن بعد أن عاشت، لسنوات، على الهامش.‏

لقد عاشت على هامش «الطائف السياسي» مشغولة بـ«المقاومة» أو«إعادة الإعمار»، أو «رفض الإحباط». ونلاحظ أن القوى السياسية اللبنانية التي تعاطت بشكل أو بآخر مع «الطائف السياسي» تقف، في هذه المواجهة، في موقع المساند لهذا الطرف أو ذاك (حركة «أمل» مع «حزب الله»، «المردة» مع «التيار الوطني الحر»، وليد جنبلاط مع سعد الحريري...).‏

نخلص إلى القول بأن الأزمة الراهنة، ما دامت ناتجة من «حركة صفائح تكتونية»، ليست من النوع الذي يعرف حلاً سريعاً وسهلاً، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أن القوى المعنية هي، بمعنى ما، قوى وافدة على الحقل السياسي.‏

ما هو مؤكد هو أن المشهد في لحظة الختام لن يكون المشهد في لحظة البداية. وما هو غير مؤكد هو درجة هذا الزلزال على مقياس ريختر. وما هو غير مؤكد، أيضاً، هو هل يمكن لما أنتجه «اتفاق الطائف»، نصاً وممارسة، أن يشكّل الوعاء الصالح لاستيعاب هذا الحراك الاستثنائي.‏

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

الجمهورية B ـ صفر‏

كتب زياد الرحباني‏

في الشيعة (1):‏

سيصبح استمرار الشيعة في الجمهورية العتيدة، على خِصالها المَطلبية الكربلائية الحُسينية، ستُصبحُ انتفاضاتهم الدَوريّة للإنصافِ لا الإجحاف، للتحرر والعدل أو ما يُعادِلها، سَتَغدو أعراضهم المستفحلة في الغبن المزمن والحرمان المتأَصِّل المُعَتَّق، عَقَبَةً أساسيةً جسيمةً في التعاطي مع الطوائف الأخرى. سيكون الوجود الشيعي بنموّه المخيف، شرعاً لا يجوز. وسَيَنْبَري أئِّمَتهم للدعوة المُلِحَة الاستثنائية إلى التسليم بالحسنى. سيكون على الشيعة أن يقرروا إن هم سيتزايدون أم سَيفطَمونَ النَسل! فالوطن الصغير المُخضَرّ، هلعاً، لم يَعُد يحتمل. أي لم يَعُد يحتمل الشيعة، عفواً. فكيف بالمزيد منهم، على حسناتهم وعلى جهادهم المقدس المشكور المرفوض. سيكون على الشيعة أن يُوَحِّدوا الله. أمَّا بنعمة ربهم فَيُحَدثون. سوف يُضطرون لإعلان ولائهم اليومي لـ«لبنان أولاً» أمَّا سوريا فثانياً. وسيوافقون على التهميش والقهر وخاصة الاستضعاف، سيعترفون بالاستعباد كأحد المظاهر الطبيعية للمجتمعات المتعددة حيث تخاف الأقليات. وأن تعدادهم يُحَتِّم عليهم، العوز والفقر المُدقع فهذه «سُنَّة الحياة»، كما هي سُنَّة رئاستي الجمهورية عليهم والحكومة. سَيُطلبُ إليهم أن يُشهروا إسلامهم مرةً ثانية أمام المجلس الدستوري ويَتَشَكّوا لديه إن شاؤوا. سيكونون حكماً وأصلاً، السواد الأعظم، الأكثرية دوماً، لكن مُستغَلَّةً بحسب أصول الصراع البديهي في المجتمعات المنتجة. سيدركون بوعيهم المتنامي الطليعي، أنَّه لا مَفَرَّ على المدى البعيد، من إبادتهم إن أرادت الطوائف الأخرى أن تستكين. لكن العقد الاجتماعي بينها جمعاء ومسوّدة التعايش الجديد، تحظر التفرقة العنصرية و«معاداة السامية الحسينية»، والتسليم بوجودهم مبدئياً لا إبادتهم. سيشكلون القاعدة في كل مكان، فهم أربابها. القاعدة في الجيش، وفي المجتمع، فهم العسكريون والرتباء، الأنفار والجنود، بالتالي سينفذون ثم يعترضون وهم لن يعترضوا، فقرارات القيادة المارونية، على كل المستويات في الجيش، ستكون وطنية ضد السُنِّة في الحكم، وهذا ما يُثلِج عموماً قلوب الشيعة الطيبين، ويُخَفِّف، حتى ولو على التلفزيون، من حقوقهم المهدورة. سيستوعبون أنَّ الإمام علي (رضي الله عنه) لم يَعنِ بهِدايَتِهِ والحديث، اللبنانيين منهم بالتخصيص، وبالتالي فَلَن يُوَلَّى عليهم كما يَكونون. أو أنه سيولّى عليهم «مهما» يكونون، و«مِش تَحتَ» أمرِهم لله، وإنهم إليه لراجعون.‏

سيجمع الشيعة في أنينهم، الأبرياء والنساء والطفالى، العجزة والمعوزين، سيكونون الدفاع المدني و«الأهالي». سيكونون «مؤسسة عامل» والكورس والحضور، الشهداء والمُشَيِّعين، سيكونون النعش الذي يُدَقُّ فيه الإسفين، سنكون نحن الرغيف وهم الطحين.‏

دستورياً، ستترك للشيعة رئاسة المجلس النيابي المُعَيَّن لا المُنتَخَب. وذلك، بشخص قائدها الأسطوري الأستاذ نبيه بري، فلا رئيس إلّا هو. فهو الضمانة المقدسة الوحيدة لغيرهم من المسلمين وإخوانهم المسيحيين. سيحتفظون بجبل عامل كأساس ويكون لهم نفوذ محدود على ساحة النبطية وسُوقها لِلّحوم والخضار ، كما على الجزء الجنوبي من شاطئ صور المواجه دوماً لإسرائيل. أمَّا صيدا والإقليم فبِرَبِّكَ لا تُحَدِّث.‏

ملاحظة: عزيزي القارئ، حتى للمقالة هذه عن الشيعة، تابعٌ. فهذا تأكيدٌ آخر على أنَّ تعدادهم أصبح مشكلة تمثيلية جذرية. فما العمل؟‏

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

بري: قصفوا مبادرتي فور علمهم بزيارة وفد «حزب الله» الى الرياض‏

كتب ابراهيم عوض‏

شبّه ارتكاب الحكومة للمخالفات الدستورية بالدجاجة التي علقت قدماها في الوحل‏

« لم أشعر في حياتي بالاشمئزاز كما أشعر اليوم». قالها الرئيس نبيه بري وهو يستهل الحديث عن مبادرته التي أجهضت قبل أن تولد وجرى القصف عليها حتى قبل الكشف عن مضمونها. أما السبب فيشرحه رئيس المجلس لـ«الاخبار» بأسلوبه المشوّق وبحركات يديه المعبرة: «ما ان عرفت جماعة 14 آذار بحصول اجتماع بين العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ووفد من «حزب الله» حتى قامت الدنيا عندهم ولم تقعد فأعلنت حال الاستنفار ووزعت المهمات، وهبّ النائب وليد جنبلاط مطلقاً تصريحاته النارية التي لم أسلم منها هذه المرة، وهو الذي تجنب ذلك طوال هذه المدة ومنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وطلع علينا عضو كتلته النائب أكرم شهيب ليغمز من قناة إطلاعي السفير الأميركي على أجواء المبادرة، محاولاً الإيحاء كأنني «عميل أميركي». إنه زمن العجائب فعلاً».‏

«ما أشبه الليلة بالبارحة». استعاد بري المثل الشائع ليذكّر بأنه في العام الماضي كان ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة على جبل عرفة يؤديان فريضة الحج حين تبلّغا نبأ وصول الرئيس بشار الأسد الى الرياض واتفاقه مع الملك عبد الله على نقاط محددة لحل الأزمة اللبنانية، وما حصل يومها أن الفريق إياه (14 آذار) استشاط غضباً، فهاجم المبادرة السعودية ـ السورية بعنف حتى قضى عليها، ثم عاد النائب سعد الحريري بعد فترة وجيزة واعتذر من المملكة في مقابلة تلفزيونية أجريت معه». وتساءل بري هنا «إذا كانت الأكثرية ترفض وساطة المملكة العربية السعودية وما تعنيه هذه الدولة للبنانيين وهي الحريصة على جمع شملهم وعدم التفريق في ما بينهم، فإلى اين نلجأ بعد ذلك؟ وأجاب: «لم يبق أمامنا سوى جزر القمر.. وأنا أنصح بذلك».‏

ولفت رئيس البرلمان بأن كلامه السابق أسمعه للسفير السعودي عبد العزيز خوجة لدى استقباله له ظهر أمس، منوهاً بالدور الذي يقوم به الأخير، مؤكداً أنه لم يطلب شيئاً من المملكة في إطار المساعي التي يبذلها للخروج من الوضع الراهن، إلا وكان ردها إيجابياً ومشجعاً.‏

وتوقف الرئيس بري عند قول الرئيس السنيورة في معرض تعليقه على اقتراحه تأليف حكومة أقطاب عشرية بأنه يصعب العثور على وزير واحد محايد، فكيف نأتي بأربعة وزراء محايدين، فرأى أن كلام السنيورة «يدل على عدم تمييزه بين المحايد والمستقل، مشيراً الى أن ما عناه في مبادرته هو الوزير المستقل لا المحايد حيث هناك المئات ممن يتحلون بهذه الصفة وفي مقدمهم الرئيس سليم الحص على سبيل المثال».‏

وحول ما يتردد عن إمكان عقد جلسة لمجلس النواب بدعوة من نائب رئيس المجلس فريد مكاري تحدث بري بشيء من الحدة فقال: «عليهم أن يقلعوا عن هذه الهرطقات ويكفوا عن ارتكاب المخالفات الدستورية»، كاشفاً ان مكاري اتصل به مهنئاً بعيد الأضحى والعام الجديد، فأجابه شاكراً متمنياً عليه التخفيف من تصريحاته الدستورية. وذكر في هذا الصدد ان نائب رئيس المجلس السابق إيلي الفرزلي رفض طلبه بترؤس إحدى جلسات مجلس النواب أثناء وجوده خارج لبنان لإقرار بعض مشاريع القوانين التي كان يطالبه بها الرئيس الراحل رفيق الحريري، وقد برر الفرزلي رفضه يومها بأنه «لا يريد مشكلة مع الإخوان الشيعة». ولم تفت رئيس المجلس الإشارة الى ان موضوع ترؤس نائب رئيس مجلس النواب للجلسات شبيه بمسألة ترؤس نائب رئيس مجلس الوزراء لجلسات الحكومة أيضاً وما أثار الحفيظة هنا يثيرها هناك أيضاً.‏

وأخذ بري على الحكومة مضيها في مخالفة الدستور وشبّه حركتها بهذا الخصوص بالدجاجة التي علقت قدماها في الوحل، فراحت ترفع قدماً لتخرج منه فإذ بها تعلق من جديد عند رفع القدم الأخرى وهكذا دواليك».‏

ولدى معاودة سؤاله عن احتمال لجوء الحكومة الى عقد جلسة نيابية برئاسة مكاري، رد على الفور: «عندها تغرق في الوحل تماماً».‏

وأورد رئيس المجلس عينات من هذه المخالفات أبرزها تقدم نواب الأكثرية بعريضة لإقرار مشروع المحكمة الدولية فيما المشروع لم يطأ باب المجلس «حتى التبس الأمر على كل من الرئيس الحص ومفتي الجمهورية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني وقد أوضحت الأمر للأول، وشرح موفدي النائب علي بزي المسألة للثاني فأبدى دهشته واستغرابه لتصرف الحكومة».‏

ويرى بري أن قضية استقالة وزير الداخلية حسن السبع من أغرب و«أطرف» المخالفات الدستورية التي ارتكبتها الحكومة، وخصوصاً أن استقالته لم يبتّ بها وجرى تكليف وزير الشباب والرياضة الدكتور احمد فتفت ليحل محله بالوكالة، وبقي على هذه الحال لأكثر من ثمانية أشهر، فيما الوزير السبع موجود في لبنان يمضي فترة تأمل قبل أن يعود عن استقالته ويلتحق بالركب.‏

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

بالانتقال الى صحيفة الديار:‏

عندما تختلط «الوسوسة الطائفية» بالتسويق الخاطئ للمحكمة الدولية‏

يضطر رئيس وزراء تركيا ان يدق جرس الانذار بدءاً من لبنان المستهدف بالفتنة‏

كتب محمد باقر شري‏

ـ لقاء اردوغان مع رئيس الجمهورية وبعض اطياف الاعتصام «زكى» صدقية النوايا التركية‏

ـ فشلت لعبة الامم في تحريض تركيا على ايران وبالعكس، والمحصلة جبهة عريضة ضد الطاعون ‏الطائفي..‏‏

ـ الاستمرار في تجاهل القضاء اللبناني في عملية بناء «المحكمة ذات الطابع الدولي» يسهم في ‏اجهاضها..‏‏

ـ عندما يفضل الرئيس الحص «المحكمة الدولية» على اللبنانية فمن منطلق افتراض عدم تسييسها!‏‏

ـ الذين تجاوزوا القضاء اللبناني بدعوى فساده كانوا في طليعة من حاولوا افساده..‏‏

ـ عمر التدخل في القضاء يعود الى ما قبل «الدور الاخوي السوري» بعشرات السنين!‏‏

اصبح مجيء ضيف الى لبنان يراعي الاصول، ويدخل البيوت من ابوابها، يعتبر استثناء في حين ‏يفترض ان يكون من ابسط القواعد البديهية. وعلى هذا فان مراعاة رئيس وزراء تركيا لهذه ‏الاصول يعتبر ذنباً يرتكبه في نظر الذين درجوا على ضرب عرض الحائط بهذه الاصول! وقد يقبلون ‏على مضض تمسكه بالاصول، اذا رأوا في لقاءاته ما يفيد طروحاتهم وخاصة اذا «توسط» لايجاد ‏مخرج لهم من المأزق الذي اوقعوا انفسهم والبلاد فيه، بالنسبة للطريقة التي سوّقوا بها ‏‏«المحكمة ذات الطابع الدولي» والتي وصل فيها استهتارهم بالقضاء في بلدهم درجة تغيير او ‏تحوير اسم المحكمة: فقد قفزوا فيها من التسمية التي أُنشئت تحت عنوانها، وهي «المحكمة ذات ‏الطابع الدولي» الى اعتبارها «المحكمة الدولية». والفارق بين التسميتين شاسع، لان المحكمة ‏ذات الطابع الدولي هي لبنانية وبقرار لبناني مع شراكة دولية، وان كانت الشراكة ‏الدولية الطائفية فيها تتم باذن لبناني وبتدبير وطلب لبنانيين. اما «المحكمة الدولية» ‏فهي محكمة اجنبية دولية تشمل مهامها كل الدول، ومن بينها لبنان، على نحو مساوٍ للدول ‏الأخرى.. ولمّا كانت قد اقرت اساساً بسبب حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فقد حلا ‏للبعض تسميتها «بالمحكمة الدولية الخاصة».. وهذا العنوان يكاد يناقض نفسه: فالدولي لا ‏يكون خاصاً والخاص لا يكون دولياً، الا اذا اعتبرت خاصة لأنها استحدثت بمناسبة اغتيال الرئيس ‏الحريري، وذلك تقديراً لتاريخية الشخص الذي اقترن تاريخ انشائها باسمه..‏‏

وليست التسمية هي«المشكل»: بل الاشكال هو في وجود رغبة ضمنية عند بعض الذين رهنوا ‏حياتهم ومستقبلهم ومستقبل البلاد كلها بانشاء هذه المحكمة. وهم احرار في ان يفعلوا ذلك، ‏وقد يؤيدهم الكثيرون بوجوب تعليق اهمية كبرى على قيام هذه المحكمة التي حظيت في لبنان على ‏الأقل من جانب كل الاطياف اللبنانية بتأييد مبدأ قيامها، ولكن التصرف من منطلق القفز ‏ليس فقط فوق القضاء اللبناني الذي يعتبر دوره في هذه المحكمة ثانوياً والحاقياً بالقضاء ‏الاجنبي والدولي. بل من منطلق الايحاء بأن القضاء اللبناني هو من نوع «لزوم ما لا يلزم» ‏بالقياس مع القضاء الاجنبي والدولي.‏‏

وكنا نشاطرهم الرأي على هذا الصعيد كما شاطرهم رئيس وزراء سابق معروف بالنزاهة ‏والحرص على العدالة، هو الرئيس الدكتور سليم الحص، فهو ينطلق من نقطة الاعتقاد بأن ‏القضاء اللبناني - استنادا الى سوابق كثيرة يتأثر بالضغوط والترغيب والترهيب، في اصدار ‏الاحكام - والرئيس الحص على حق في ذلك من منظور مجرد للقضاء الدولي، ومن حيث المبدأ، وما ‏هو مفترض في هذا القضاء الدولي، وخاصة عندما يستعرض في ذهنه وقائع الاحكام التي اصدرتها ‏محكمة العدل الدولية، التي كانت ولا تزال تصدر احكاماً نزيهة، رغم الضغوط من جانب الدول ‏الكبرى وخاصة الولايات المتحدة، في القضايا المعروضة عليها وفي طليعتها الفصل في الخلافات ‏الحدودية بين قطر والبحرين او بين اليمن واريتريا او في عدم مشروعية الجدار العنصري الذي ‏انشأه الصهاينة في الضفة الغربية، والذي عارضته محكمة لاهاي بالاجماع ما عدا القاضي ‏الاميركي الذي اتخذ موقفه على الارجح من واقع انحياز الولايات المتحدة المطلق لاسرائيل، ومعنى ‏ذلك ان محكمة العدل الدولية بالذات، لا بد ان يتأثر بعض قضاتها بسياسات خارجة عن نطاق ‏القضاء. فكيف اذا كان اصل قيام «المحكمة ذات الطابع ا لدولي» خاضعا لارادة سياسية ‏تفرضها الولايات المتحدة و«حلفاؤها» في مجلس الأمن. وقد يكون وضع ثقلها الى جانب انشاء ‏المحكمة مطابقاً لما هو مطلوب لبنانياً بجعل موضوع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ‏موضوعا ملحاً، بحيث لو تدخلت الولايات المتحدة لاقراره، بأنه يلبي - عن قصد او غير قصد - ‏مشاعر اللبنانيين بوجوب «البحث عن الحقيقة» على اعلى المستويات. وصحيح انه لم تنشأ محكمة ‏خاصة ذات طابع دولي من اجل اغتيال شخص او مجموعة اشخاص مهما عظم شأنهم بمن فيهم اغتيال ‏رؤساء دول عظمى: مثل ابراهام لنكولن وجون كنيدي، واكينو العائد من اميركا الى بلاده ‏زعيم المعارضة الفليبينية، او حتى انديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو وابنها راجيف وغيرهم ‏نستثنى من هؤلاء ابراهام لنكولن الذي لم يكن في عهد مجلس امن دولي يستحدث له محكمة، ثم ان ‏القاتل كان معروفاً. وانديرا غاندي التي كان القاتل من حراسها وحيث يوجد في الهند قضاء ‏يأبى الهنود ككل الشعوب التي توجد لديها دولة تحترم نفسها وقضاء موضع احترام يمكن الوثوق ‏باحكامه. اما في بلدنا لبنان، فان القضاء هان على نفسه فهان على الناس، وصحيح ان ‏هنالك من يتحدث عن المحاباة واصدار الاحكام المنافية للعدالة في فترة ما يسمونها «الوصاية ‏الاخوية». ولكن القضاء اللبناني كان يتعرض للامتهان من الزعامات التقليدية والمستحدثة ‏ومن ذوي النفوذ المالي والسياسي منذ فجر الاستقلال، وطوال الفترة التي سبقت «الدور الاخوي» ‏السوري في لبنان بحوالى نصف قرن. وهذا لا يعني ان القضاء اللبناني لم يكن يزخر طوال ‏تاريخنا الاستقلالي بقضاة شرّفوا القضاء بنزاهتهم وصلابتهم ولو استقام السياسيون وذوو ‏النفوذ وامتنعوا عن ان استخدام اساليب الترغيب و الترهيب، في محاولة افساد القضاء الذي ‏يضم قضاة هم من البشر، وهم مثل باقي الكائنات البشرية لديهم نقاط ضعف امام المغريات ‏او التهديدت، وبعضهم رغم انه حملة شهادات القانون، فانهم لا يكونون مؤهلين خلقيا لممارسة ‏مهماتهم على النحو الذي تتطلبه مقضتيات العدالة، لكن كل هذا لا يبرر اعتبار كل القضاء ‏اللبناني فاسداً، كما لا يبرر الاعتقاد بأن كل القضاء الاجنبي نزيهاً ومستقيماً. والذين ‏يعيشون في ارقي البلاد التي تتغنى بالقضاء العادل وحصانته في وجه الضغوط والمغريات، يرون ‏بأمّ العين، احكاماً تلتف على النصوص القانونية وتحوّل الحق باطلاً والباطل حقاً. ولا مجال ‏لايراد الامثلة، وكيف ان لبنانيين يذهبون الى «دولة عظمي» يخضع فيها المواطن لحكم القانون ‏والمساواة في المعاملة، يستنيم فيه القضاء للوشايات وخاصة في الفترات الاستثناذية وكم من ‏لبناني او عربي ظلم واحتجز او أبعد، لمجرد وشايات تذكّر بمحاكم التفتيش التي عاشتها ‏اوروبا في قرون غابرة، فيما كانت هذه التجاوزات على الحريات وحقوق الانسان تحدث في ‏بدايات القرن الحادي والعشرين وفي بلد «زعيمة العالم الحر» التي تبيح لنفسها ممارسة اعمال ‏الابادة في بلاد ادّعت انها ذهبت لنقلها من الحكم الفردي الديكتاتوري الى «رحاب ‏الديموقراطية» وصيانة حقوق الانسان!‏‏

وما الفرق بين وزير أمن لبناني بالاصالة او الوكالة يعلن مثلا وقبل دخوله الى جلسة لمجلس ‏الوزراء، بأن «قواه الامنية» ضبطت شاحنات على الحدود تحمل السلاح ثم يتبين له داخل مجلس ‏الوزراء، بأن ما أفادت به قواه الامنية او ما احب هو ان يفهمه من مصادره الامنية، كان ‏مجرد وشاية كاذبة، ثم لا يشعر بالخجل مما فعل، ويتكرر الامر معه عدة مرات في وقائع اخرى لا ‏مجال لسردها. فلا يُحاسب ولا يتعرض للوم او العتب، بل ينال الاشادة من التنظيم او الحكومة ‏التي هو عضو فيها. فهل اذا تكررت مثل هذه الاخطاء في هذا الموقع الحساس او في غيره من ‏المواقع الرسمية الحكومية، سننادي «باستيراد» وزراء من خارج لبنان، ام نبحث عن وزراء ‏اكفاء انكفأوا على أنفسهم، ولا يتسابقون مثل سواهم لنيل المناصب او التعلق ‏‏«بالبوسطات» الرسمية للوصول اليها، او لم نشاهد ان المناقلات القضائيةنفسها التي تطال ‏الجسم المدني الاكثر حساسية في اي دولة، تخضع للارادات السياسية، دون ان تراعى فيها ‏الكفاءة او السمعة اوالنزاهة في كثير من الاحيان؟‏

وعلى هذا فان قضية «المحكمة ذات الطابع الدولي» يجب ان تفتح الملف السياسي للذين يتولون ‏رعاية موضوع «المحكمة الدولية» او مواصلة البحث عن الحقيقة، لأن من يبحث عن الحقيقة، يجب ‏ان يبدأ هو بقول الحقيقة وممارسة النزاهة الحقيقية، ويحكم على الأمور حكماً منطقياً عادلاً ‏وان يتميز سجله بالنزاهة، فلا يفسد الذمم ولا يشتري الضمائر، ولا يعتبر القضاء في بلده ‏‏«منطقة» من مناطق نفوذه الرسمي ومزرعة من مزارع سياساته. ثم يهين القضاء اللبناني عبر ‏تجاهله واعتبار القضاء في بلده فاسداً، بينما يكون هو ممن سكت على فساده، او شارك - لا ‏سمح الله - في افساده!‏‏

ولقد اصبح مقياس الوطنية عند البعض، ان يكون الانسان «لا وطنيا» اي ان يكون «دوليا» ‏او كوزموبوليتياً، ففي زمن العجائب صار قياس الوطنية ان تكون دولياً. واذا لم يكن ‏دولياً، فانه يكون مشكوكاً في وطنيته. واصبحت المحكمة مثل البضاعة: فاذا كانت البضاعة ‏‏«وطنية» فمعنى ذلك انها من الدرجة الثانية او الثالثة، واذا اردت ان تشتري قماشاً جيداً ‏او تريد تسويقه، يجب ان تقول للزبائن انه من «شغل البلاد» والبلاد هنا تعني البلاد ‏الاجنبية وليس البلاد التي نحن منها او نعيش فيها. وفي الموضوع القضائي الذي يتطلب معرفة ‏البيئة التي يجري فيها «البحث عن الحقيقة» في جريمة مروعة نكراء، ولان «اهل مكة ادرى ‏بشعابها» وان اي مسؤول امني في لبنان يعرف عن لبنان اكثر من اي محقق فذ قادم «لمعرفة ‏الحقيقة» من بلد آخر بعيد. وكلّما تمت الاستعانة بكفاءات «مباحثية» او تحريات قضائية من ‏‏«بلد الجريمة» او من اماكن قريبة منها، كلما كان الوصول الى الحقيقة اقرب منالاً نعم.. ‏يمكن الاستعانة «بالخبرات الاجنبية» من حيث اعتماد قواعد في التحريات متقدمة، لا تكون ‏معروفة عند الذين يتولون التحريات المحلية. ولكن خبراء التحريات الاجانب لا بد لهم من ‏اعتماد المواصفات والتشخيصات المحلية، والا فان قواعدهم تذهب في الفراغ، وهذا ما يفسر ‏سبب الزيارات المكوكية المحاطة بالضجيج خلال تولي ميليس التحقيق في مسألة اغتيال «الرئيس ‏الشهيد» والزيارات التي يكتنفها الكتمان خلال تولي براميرتس هذه المهمة. ولو لم توضع بين ‏يديه «الحيثيات المحلية» من القضاء اللبناني والمؤسسات الامنية اللبنانية، لكان يخيط خيط ‏عشواء!‏‏

ولم تكن قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد خرجت من نطاقها القضائي الى نطاق سياسي ‏يكاد يضيع فيه طابع العدالة الذي يجب ان تراعى فيه التحقيقات، وبالتالي تراعى فيه ‏الحصانة الواجبة «للمحكمة ذات الطابع الدولي»، لما كان رئيس وزراء تركيا يشارك ‏اللبنانيين ويشارك افراد عائلة الحريري نفسها، هواجسهم حول مدى سلامة «المولود» القضائي ‏الدولي، الذي يجب الا يتم بعملية قيصرية او يتعرض للاجهاض، ولو حرص المحرّضون على استخدام ‏المحكمة الدولية لتصفية الحسابات السياسية او اكتساب المواقع السياسية عبرها، على تحصين ‏مسألة المحكمة بضمانات النزاهة والعدالة! لوجب عليهم ان يحرروها من اطروحاتهم السقيمة، ‏ولحافظوا على صورتها البهية كما يتمناها المخلصون لذكرى الرئيس الشهيد، في جو من الترفع، ‏فلا يأخذون في طريقهم البريء بجريرة المذنب، ولما خلطوا «الصالح بالطالح»... بحيث يعممون ‏اتهاماتهم - بالواسطة عبر من ينطق باسمهم - فتصل شظايا اتهاماتهم الى من كانوا يدّعون بالامس ‏انهم يجولون العالم دفاعاً عن المقاومة، والذين يرون ان «الرئيس الشهيد» كان يضع حق ‏لبنان في المقاومة فوق كل اعتبار. فاما ان تكون هذه الصورة للرئيس الشهيد هي صورته ‏الحقيقية، وبالتالي فان ما يفعلونه الآن هو «انقلاب عليه» سواء اعترفوا بذلك او نفوه، ‏وسواء تقصدوا ذلك ام لم يتقصّدوه، واما انه لم يكن على هذه الصورة من الاخلاص للمقاومة، ‏وان رحلاته التي قيل انه كان يقوم بها من اجل المقاومة، والرحلات التي يقول الشيخ سعد ‏نفسه، بأنه كان يقوم بها خلال العدوان الاخير على لبنان او ما قبل العدوان وما بعد ‏العدوان، لم تكن من اجل حفظ المقاومة وصيانتها، واما ان تكون رحلاتهم مواكبة لتصريحاتهم ‏وتصريحات رئيس الحكومة إذ يعتبرون وجود سلاح المقاومة منافياً لوجو «الدولة القوية» التي ‏يرفعون شعاراتها. وهم يمعنون فيها اضعافاً وتنكيلاً «وخصخصة» وتحويلها الى شركة استثمارية ‏للرساميل الطفيلية المحلية وللاحتكارات الاجنبية. فكيف يمكن ان تكون تلك الرحلات سواء كان ‏الساعون اليها يسكنون قمم الجبال او القصور في السهول والوديان وقريباً من شواطئ ‏البحار التي «تعّج» بالاساطير والتي يأتي مندوبو «معاريف وبديعوت اهرونوت» ليتفقدوا مدى ‏كفاءتها في محاصرة سلاح المقاومة، بحيث تصريحات الواحد منهم يجُبّ بعضها بعضها الآخر!‏‏

واخيراً لا آخراً لعل تكثيف مظاهرات مواطنينا الارمن العدائية لرئيس وزراء تركيا، لم يكن ‏عفوياً، اماكن تجمعهم ضده الى المطار، قد اختلط فيها «المستقبل» الانتخابي لقوى 14 آذار، ‏بالغضب الارمني على مظالم «اجداد» اردوغان في زمن اتاتورك الذي لا يزال الضيوف الرسميون ‏الاجانب الذين يزورون تركيا مجبرين على ان يزوروا ضريحه ويضعوا عليه الاكاليل. واردوغان ‏لا ذنب له فيما اقترفه الذين سبقوه الى منصبه منذ عشرات السنين. بل ان مجرد تعامله مع ‏الدولة اللبنانية استناداً للاصول المتبعة في كل بلد، ولقائه حتى لمن يمثل حزب الله والمقاومة ‏و«خلوته» مع الرئيس بري بعد لقائه الرسمي معه لمدة ساعة، وما دار فيها من مصارحات من ‏شأنها بناء الجسور مع هذه «الدولة الجارة» بقطع النظر عن ماضي حكامها في زمن العجائب ‏سواء ضد شعبهم التركي او ضد الدول التي كان قد وصل اليها حكم العثمانيين بما فيها لبنان ‏والعديد من البلدان العربية، كما ان علاقات حكامها الذين سبقوا وصول اردوغان الى ‏منصبه، بالعدو الاسرائيلي، وتشكيلهم معه ما يشبه التحالف ضد العرب والقضايا العربية ‏‏- فان مجرد محاولة اردوغان اتباع سياسة مستقلة ولو نسبياً عن السياسة الاميركية وعن ‏النفوذ الصهيوني الذي استمر في «انشاب مخالبه» في نسيج الدولة التركية، هو ضرب من ‏‏«البطولة». وصحيح ان التخلص من «تركة» هذا التحالف يحتاج الى خوض معارك طويلة ومضنية ‏ضد كل من الهيمنة الاميركية والنفوذ الصهيوني. بل يكفي اللبنانين بجميع اطيافهم بمن فيهم ‏المنصفون من الارمن، ان يكون اردوغان ضد الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسلمين والمسلمين ‏والمسيحيين، واستشعاره خطورة الفتن التي «يسوّق» لها البعض على وقع الفظائع في العراق، التي ‏تشكل هماً لدول المنطقة وخاصة الدول المجاورة للعراق: سوريا وتركيا وايران، حتى يكون ذلك ‏دافعاً لتشكيل جبهة عريضة ضد «الطاعون الطائفي» الذي تنفخ فيه «لعبة الامم» وتحمله ‏الينا«رياح السموم»! وكان معيباً ان يذهب «طائفيون» محسوبون على لبنان لكي يستنهضوا ‏اردوغان طائفياً لدعم مساعيهم الفتنوية في لبنان وضد ايران جارة تركيا. في حين ان ‏ارودغان كان احرص منهم على وحدة بلدهم الوطنية رافضاً طروحاتهم داعياً اياهم للتعقل ‏وعدم الاصغاء «للوسواس الخناس»!‏‏

المصدر: صحيفة الديار اللبنانية‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

2007-01-05