ارشيف من : 2005-2008

فريق عاجز ولا يريد حلاً : على أية حرب تراهن السلطة مجدداً؟

فريق عاجز ولا يريد حلاً : على أية حرب تراهن السلطة مجدداً؟

نتائج تقلب موازين القوى الداخلية لمصلحته، ومصلحة حليفه الأميركي، وبما يؤدي إلى استتباب السلطة والقرار السياسي له لفترة طويلة من الزمن.‏

وهذا الرهان اقتضى منه القيام بمناورة سياسية متعددة الوسائل والتكتيكات، إلا أن هدفها النهائي كان تقطيع الوقت، وصولاً إلى الموعد المحدد للعدوان، كما كان مقرراً في الأجندة الأميركية ـ الاسرائيلية، أي بعد نهاية فصل الصيف، وبالتالي في مطلع أيلول/ سبتمبر أو تشرين الأول/ أكتوبر.‏

إلا أن السحر انقلب على الساحر، ورد كيد الكائدين إلى نحورهم، فلا العدوان ظفر، ولا انقلبت المعادلة في الداخل، بل على النقيض تماماً، اختلت هذه المعادلة لمصلحة فريق المعارضة الحالي، الذي وقف في وجه العدوان.‏

ما مبرر إعادة استحضار هذه الأمور؟‏

بالتأكيد، ليس لمجرد الذكرى، وخصوصاً أننا جميعاً ما زلنا حافظين لها عن ظهر قلب.‏

في الحقيقة، نعود لنذكر القارئ الكريم بهذه الأمور لنطرح سؤالاً يتصل بمجريات أمورنا اليوم، وهو: لماذا يصر فريق السلطة على تعنته، وعلى المكابرة، سواء في أخذه للأمور، كما هي بالفعل، في ما يتصل بحقيقة الإرادة الشعبية الغالبة في لبنان، أم في ما يتصل بالاستجابة للمساعي التي يبذلها كثيرون في الداخل والخارج الاقليمي؟ لماذا يصرّ هذا الفريق على سياسة دفع المأزق الداخلي باتجاه الخطوط الحمراء، وممارسة كل ما من شأنه أن يسمم الأجواء، ويستحضر مناخات الاقتتال الداخلي وسواه؟‏

لتقديم إجابة وافية وشافية عن هذه الأسئلة، دعونا نعرض لطبيعة المأزق السياسي، كما هو اليوم، وكما يعمل، باستمرار على تقديمه.‏

من نافل القول، إن الصراع في لبنان يتعدى العناوين السياسية الإشكالية المثارة اليوم إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير. إنه، وباختصار شديد، صراع على الخيار السياسي للبنان، وبالتالي، على هوية لبنان التي يجب أن يكون عليها، ليس بالمعنى الثقافي أو الحضاري فحسب، وإنما بالمعنى السياسي والاقتصادي والأمني أيضاً.‏

هذا في الخط العام، وأمّا في التفاصيل، فالخلاف يتمحور حول مسألتين رئيسيتين: المحكمة ذات الطابع الدولي، وحكومة الوحدة الوطنية المشروطة بحصول المعارضة على الثلث الضامن.‏

على ماذا يدور الخلاف حول المحكمة ذات الطابع الدولي؟‏

فريق السلطة يريدها محكمة دولية، وليس محكمة ذات طابع دولي، كما هو متفق عليه في جلسات الحوار، وكما هو مقر في مجلس الوزراء، وكما هو متداول في الرسائل مع الأمم المتحدة.‏

الفارق هنا ليس شكلياً، إنه فارق أساسي وجوهري:‏

المحكمة الدولية هي محكمة ينشئها مجلس الأمن، الأصل فيها هو مجلس الأمن، ولا يمكن إلا أن تصدر تحت الفصل السابع، وبهذا المعنى، فهي تشكل تعليقاً للبنان ككيان ودولة مستقلة، أي تعليقاً للدستور، وللمالية، وللأمن اللبناني، باعتبار أن هذه الثلاثة، هي العناوين السيادية الرئيسية.‏

صحيح أنه لم يتم إصدار نظام المحكمة تحت الفصل السابع حتى الآن، لكن ما فيها من بنود، يؤدي إلى نفس المقصد، ويكفي الإشارة هنا، إلى أن عدد القضاة اللبنانيين في هذه المحكمة هو الأقل، كما أن نظام المحكمة لا يتضمن القوانين المرعية اللبنانية. في حين أن المحكمة ذات الطابع الدولي جوهرها أن يكون عدد القضاة اللبنانيين هو الغالب، وأن يكون دور الأمم المتحدة هو مجرد دور مساعد.‏

هذا إضافة إلى أن فريق السلطة يريد المحكمة أداة اقتصاص وابتزاز سياسية في يد الولايات المتحدة، وفي يده، في مواجهة خصومه السياسيين في الداخل والخارج معاً.‏

إن مشكلة فريق السلطة أنه لا يريد إجراء أي مناقشة لبنود نظام المحكمة حتى لا ينتزع منها ما يؤدي إلى تحويلها إلى عصا غليظة في يد واشنطن.‏

الإصرار هنا، في الحقيقة، اميركي، والهدف هو ابتزاز خصومها في لبنان وفي المنطقة.‏

ما تريده المعارضة هو تحييد المحكمة من الأغراض السياسية، وإذا كانت تريد تعطيل أمر ما فيها، فهو الألغام التي تحوّلها إلى ورقة تجاذب وانقسام، ما يسهل، بالتالي، تحويلها إلى قاسم مشترك وطني.‏

وفي هذا السياق، شن فريق السلطة حرباً ضروساً ضد المعارضة ودمشق تحديداً، بذريعة أنهما لا يريدان المحكمة الدولية من أصل، لكن ما أوقع في يد هذا الفريق، على الأقل مؤخراً، هو موقف كل من المعارضة ودمشق معاً، اللذين جاءا مؤكدين لتعاطيهما الجدي والمطمئن بالنسبة للمحكمة الدولية.‏

وبالرغم من ذلك، فإن فريق السلطة بقي مصراً على تعنته رافضاً تلقف هذه المواقف والتقدم خطوة إلى الأمام على طريق فتح النقاش حول نظام المحكمة لإقرار ما يجب إقراره، وإخراجها من كونها مسألة محل إثارة للخلاف والانقسام السياسي في الداخل، وعائقاً أمام ترتيب العلاقات مع دمشق، وفي نفس الوقت يدرك هذا الفريق أن لا امكان لإمرار نظام المحكمة كما تريده واشنطن وخارج الآليات الدستورية المعمول بها، ما يعني أنه يصرّ على ابقائه فتيل أزمة مستمرة حتى إشعارٍ آخر.‏

أما مسألة حكومة الوحدة الوطنية فحديث آخر، لأنه حديث يتصل بالانتظام الاجتماعي ـ السياسي للبنان، وبأحد مقومات الاستقرار الأساسية فيه، أعني بذلك مسألة المشاركة والتشارك الفعليين في صياغة وإقرار القرارات المصيرية وذات الطابع الوطني العام. الثلث الضامن الذي تصر عليه المعارضة، هو الضامن والضمان لهكذا استقرار، وهو الضامن والضمان حتى لا يذهب فريق السلطة الحالي بعيداً في وضع لبنان تحت الوصاية الأميركية.‏

بكلمة أخرى، لقد بات شرط الثلث الضامن شرطاً لاسترجاع السيادة، وشرطاً ليكون القرار الحكومي قراراً لبنانياً مئة في المئة. لكن مشكلة هذا الفريق أيضاً أنه لا يريد مشاركة، ولا سيادة، ولا قراراً وطنياً، فهو منذ البداية رهن وجوده في السلطة بدور وظيفي اسمه الحركي الاندماج في المشروع الاميركي في لبنان والمنطقة، وبالتالي ضم لبنان إلى مجموعة الدول التي تتكرم عليها واشنطن بأوصاف ونعوت تنسجم مع الدور المطلوب منها في كل مرحلة. وآخر ابداعاتها في هذا المجال هو نعت الدول الخادمة لمصالحها بالدول المعتدلة، وتلك المناوئة لها بالدول المتطرفة.‏

إلى ما تقدم، فإن المشكلة مع فريق السلطة أيضاً ليست واحدة، لأنه في الحقيقة ليس فريقاً واحداً: فهناك من لا يريد حلاً من أصله كجعجع وجنبلاط، لأن لديهما مشاريعهما الخاصة، وشروطهما الخاصة التي تصل إلى حدود تغيير أنظمة وتدمير دولٍ في المنطقة، والتي تلامس حدود التقسيم في الداخل ولو تحت مسميات من نوع فيدرالية وكونفدرالية.. الخ.‏

وهناك من تجد هواه ومخاوفه موزعة بين الرياض وواشنطن، وهو، وان رغب بحل فلا يستطيع السير به، وهناك، كالسنيورة، الذي بعدما بات رجل واشنطن الأول، ووكيلها المعتمد، له حساباته الخاصة المتصلة في كيفية البقاء على كرسي رئاسة الحكومة..‏

باختصار أيضاً نحن مع فريق لا يريد حلاً، في الوقت الذي يدرك أنه بات ضعيفاً وعاجزاً، فلا هو قادر على فرض رؤاه، ولا هو قادر على أن يحكم، في الوقت الذي تتنامى فيه قوة المعارضة، وأصبح الرأي العام اللبناني أكثر إدراكاً ووعياً بخطورة نماذج قيادات فريق السلطة، والى أين يريدون أخذ البلد.‏

من هنا، لا أحد يستطيع التفاؤل بإمكان حل قريب من جهة، ومن جهة أخرى، فإن السؤال الذي يلح على رؤوس الناس هو التالي: على ماذا يراهن فريق السلطة، إذا كان لا يريد حلاً، ولا يستطيع فرض حل الآن؟‏

إنه يراهن مجدداً على حروب جديدة، وإنما هذه المرة على حرب اميركية على ايران، أو حرب اسرائيلية على سوريا، تسمح بإعادة خلط الأوراق والتوازنات في المنطقة ولبنان، فهذا الفريق لم يعتبر من دروس حرب تموز/ يوليو، ويصرّ على رهن لبنان لتطورات الأوضاع في المنطقة، وعلى مزيد من الرهانات المخفقة، إن "مُجرّب المجرب يكون عقله مخرّب"، هذا هو حال فريق السلطة.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/العدد1203 ـ 23 شباط/فبراير2007‏

2007-02-23