ارشيف من : 2005-2008
جنبلاط، جعجع: دور ميليشياوي في سياق المشروع الأميركي
المباشر والمتمثل بحزب الله"، ولا ما قاله جعجع في لقاء خاص، والذي نال فيه من الرياض، واصفاً إياها بأنها مجرد تبعٍ لواشنطن، وأنه يبني علاقات مباشرة معها، ولا يقبل أن تكون الرياض وسيطاً بينه وبين واشنطن.
كلام جنبلاط مقصود وله دلالاته الخاصة. وكلام جعجع كذلك، وبالرغم من التباين الظاهري بينهما، إلا أن خيطاً قوياً يربط بينهما في الباطن.
ما هي دلالات كلام جنبلاط؟ وما هي أبعاد مواقف جعجع؟ وما الجامع بينهما؟
دلالات كلام جنبلاط:
لا يختلف إثنان في أن المقصود حصراً من طلب جنبلاط للمساعدات هو الجانب العسكري، باعتبار أن العون السياسي يفيض عن حاجة فريق السلطة اجمالاً، وعن حاجة جنبلاط تحديداً، ويدرج جنبلاط بصراحة فجّة هذاالمطلب في سياق تلبية وظيفة محددة هي التصدي لسلاح المقاومة، هذه الوظيفة هي اميركية ـ اسرائيلية بامتياز، وهي بمثابة استكمال للوظيفة السياسية التي سبق وأدّاها جنبلاط ببراعة، والتي تمثلت بإثارة الانقسام السياسي الداخلي حول المقاومة، كتمهيد ضروري لتحويلها من مشكلة للكيان الاسرائيلي إلى مشكلة داخلية، ومحاولات جنبلاط الحثيثة لتوجيه ضربات معنوية لصورة المقاومة ودورها ورموزها، وهذه الوظيفة، كما بدا لاحقاً، كانت بمثابة تمهيد ضروري للأجواء والمناخات الداخلية لعدوان تموز الاميركي ـ الاسرائيلي الذي كان يحضّر له وراء الواليس.
بكلمة واحدة، جنبلاط يحاول تجذير موقعه ودوره في سياق المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي، باعتباره الدور الوحيد الذي يتيح له لعب دور سياسي، ويوفر له الحماية الاميركية ـ الاسرائيلية. ما يعني أن جنبلاط قطع نهائياً مع أي خيار وطني أو قومي، وأن انقلابه الاستراتيجي هو انقلاب واعٍ ونهائي، وهو بالتالي، يربط مصيره بمصير المشروع الاميركي الذي ما زال يراهن عليه، ويحتمل له أن يحقق شيئاً ما، مستنداً في ذلك الى كلام سبق وسمعه من سيده الجديد بوش، ومفاده أنه لن يسمح لحزب الله أن ينتصر في لبنان.
ان جنبلاط ينعى عملياً وضمناً الدولة اللبنانية من خلال دفعه بقوة لنمط الميليشيات إلى السطح، واذا كان من وظيفة لسلطة الأمر الواقع الحالية المقبوض عليها من فريق 14 شباط، فهي خدمة هذا المنطق، وأن تشكل الستارة لعمله.
لا يمكن عزل سعي جنبلاط المحموم لتعويم دوره الميليشياوي، عن حالة العجز واليأس السياسيين، التي يعاني منها فريق السلطة. فجنبلاط الذي كان المحرض والمخطط والمحرك ليوم القنص الدموي، وفي محاولة واضحة، لمحاصرة المعارضة بخطوط حمراء دموية، ان جنبلاط هذا يريد أن يرفع من قواعد الخطوط الحمراء عبر إرسال رسالة إلى فريق المعارضة تؤكد المدى الذي يمكن أن يذهب اليه، دفاعاً عن مصالحه الخاصة.
فما يستشعر به جنبلاط في دواخله أن أي تسوية محتملة، ومهما كانت طبيعتها، سيكون هو أحد أطرافها الخاسرين، ولذا، فهو يريد أن يرفع من درجة خطره ليس فقط على المعارضة، بل وحتى على حلفائه الذين قد يكونون أكثر قرباً واقتناعاً منه بضرورة القيام بتسوية ما، وذلك في سبيل رفع سعره، وتقليص خسائره.
ان جنبلاط الذي رهن نفسه ومصيره السياسي عند المحافظين الجدد، وأرباب نظرية "الفوضى البناءة"، يريد أن يكون صاحب الدور الأبرز في خلق هذه الفوضى باعتبارها قد تشكل المخاض الذي يمكن أن يقطع الطريق على أي تسوية ممكنة، والذي من شأنه أن يفتح الطريق نحو ولادة جديدة للكانتونات والإمارات الطائفية، والذي من شأنه أيضاً إرباك الجميع ولا سيما الامتداد الحيوي للمقاومة في حال تفكير الكيان الاسرائيلي بشن عدوان جديد، لاستكمال عدوان تموز، وفي سياق رد الاعتبار.
بكلمة أخرى، ان نمو حركة التسلح، وعلى نحوٍ محموم، والتوجه مجدداً نحو إحياء العصر الميليشياوي، هو لإيجاد بيئة مضطربة حول المقاومة.
أبعاد موقف جعجع:
بعكس موقف جعجع وخلفيته الايديولوجية التي ما زال يحافظ عليها: نظرة دونية لكل ما هو عربي، والغرب هو المرجعية الحضارية والثقافية والسياسية، هنا الكيانية اللبنانية في مفهوم جعجع ليست الا ترميزاً لهذه الهوية الملحقة والنابعة والمفصولة عن أي صلة بالمحيط الحضاري والثقافي العربي.
الانفصال عن المحيط من لازمه الانفصال داخلياً عمن يقول بالانتماء اليه، الترجمة السياسية إما تقسيماً نهائياً وفجاً، وإما تقسيماً مموهاً، فدراليات وإمارات يرسم حدودها بالدم والخوف.
ـ لا شك، أن المعني مباشرة بهذا الموقف هو المحيط السني في لبنان عموماً، وتيار المستقبل تحديداً، فهذا الموقف يحاول أن يرسم مسافة واضحة وبعيدة عن هذا المحيط، وعن تيار المستقبل: الأول بالايديولوجيا، والثاني بالسياسة، والهدف تقديم صورة سيادية لنفسه، تحاول أن تقطع مع صورة التابع، سواء للحريرية السياسية بمداها السني، أم للمعلم العروبي للمدى السني عموماً.
من هنا، يتبدى واضحاً، ان علاقة جعجع مع تيار الحريري ليست الا علاقة تكتيكية، تحاول استخدام هذا التيار لمرحلة يلتقط فيها أنفاسه، ويعيد بناء قدراته، ويخوض به معاركه الأولية، التي تشكل فائدة مشتركة للاثنين، أما النظرة الاستراتيجية لجعجع فما زالت هي هي: رفض العروبة، اعتماد نظرة كيانية شوفينية تلتقي مع الرؤية الكيانية للعدو الاسرائيلي الى نفسه.
ان جعجع، وعلى غرار حليفه ونظيره جنبلاط، يريد إرسال رسالة واضحة الى واشنطن، بأنها يمكنها الاعتماد عليه، وما عليها إلا أن تعامله معاملة التابع الأصيل، لا أن تعتمد فقط على من تعتمد عليهم الآن.
ارسال رسالة انزعاج عالية النبرة والحدة الى الرياض التي وجهت صفعة قوية لكل محاولات فريق شباط عموماً، وجعجع تحديداً، الهادفة الى ضرب موقع رئاسة الجمهورية، والتي كان آخرها العودة مجدداً الى معزوفة تقديم ملف استحقاق رئاسة الجمهورية، اضافة الى السهام اللاأخلاقية التي وجهها جعحع الى لحود خلال مناسبة 14 شباط.
خلاصة القول هنا،أن كلاً من جنبلاط وجعجع هما اليوم في موقع وظيفي أميركي واحد: ضرب أي تسوية، العمل بجد على توتير الأجواء عبر ضخ مناخات الحرب الأهلية، المساهمة في دفع الأمور نحو الفوضى الشاملة في سياق خدمة المشروع الاميركي في المنطقة، أو محاصرة ظهر المقاومة.
هذان لا هم لهما سوى أخذ لبنان نحو المحرقة، وهذا برسم كل الحريصين على مصير هذا الوطن وعزته وكرامته ووحدته.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد1204 ـ 2آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018