ارشيف من : 2005-2008

استخدمت تقنية الـ"جي.بي.أس" الفعّالة لتصوير مقرّات حزب الله : توقيف شبكة تجسّس لمصلحة دولة أوروبية يديرها مفتّش في الأمن العام

استخدمت تقنية الـ"جي.بي.أس" الفعّالة لتصوير مقرّات حزب الله : توقيف شبكة تجسّس لمصلحة دولة أوروبية يديرها مفتّش في الأمن العام

تقنية متطوّرة وفعّالة تدخل للمرّة الأولى، إلى حقل الاستعمال والتجربة في لبنان.‏

وترك أمر توقيف هذه الشبكة ارتياحاً كبيراً لدى جميع الشعب اللبناني، لما لها من أثر إيجابي على الوضع الداخلي المتشنّج أساساً، وتعطي انطباعاً بأنّ هناك من لا يزال يسهر على أمن البلد ولا "يخترع" توقيفات يتضح لاحقاً بأنّه لا أساس لها من الصحّة، ويمكن الجزم بأنّ إماطة اللثام عن هذه الشبكة هو إنجاز نوعي للمديرية العامة للأمن العام ومديرها اللواء وفيق جزيني.‏

ويدير هذه الشبكة مفتّش في المديرية العامة للأمن العام لمصلحة استخبارات دولة أوروبية، وهو سعى مراراً إلى تجنيد زملاء له في السلك وتوسيع دائرة نشاطاته لتشمل أشخاصا مدنيين، وذلك بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات والاستفادة منها مادياً، وهو يدرك في قرارة نفسه بأنّه يلعب بالنار، وبأنّه لن يكون بمنأى عن العقاب لأنّ عمله يصب في خانة الخيانة ومخالفة التعليمات العسكرية التي تحظّر مثل هذه الأفعال، ما يستدعي مضاعفة القصاص الواجب إنزاله به.‏

ويأتي كشف هذه الشبكة في هذه الأوقات الدقيقة والحرجة التي يمرّ بها لبنان، وفي ظلّ الانكشاف الفاضح والواضح لساحته الداخلية أمام الاستخبارات الأجنبية والصهيونية والعربية، والذي ترجم تفجيرات واغتيالات متنقّلة في غير مكان، ما يلقي أعباءً مضاعفة على الأجهزة الأمنية اللبنانية والقوى الوطنية الحيّة فيها لوقف هذه النشاطات والممارسات الخارجة عن المألوف.‏

على أنّ الخطير في الأمر هو أنّ استخبارات الدولة الأوروبية المطلّة على البحر الأبيض المتوسط والمشاركة في قوّات "اليونيفيل"، غير معنيّة بالملفّ اللبناني بشكل موسّع لكي تتحمّل مسؤولية المجازفة برصيدها، وتنشئ شبكة تجسّس وضمن جهاز عسكري ومهمّ في لبنان، وهو ما لم تفعله من قبل حيث لم تسجّل أسبقيات لها في هذا المجال.‏

وهذا ما يزيد من احتمالات أن يكون المفتّش في الأمن العام قد أوهم بأنّ ارتباطه سيكون مع مخابرات هذه الدولة بينما مجريات عمله لا تستبعد أن يقف جهاز "الموساد" الإسرائيلي خلفه باعتبار أنّ هناك صراعاً قوياً بينه وبين المقاومة التي وجّهت له العديد من الضربات الموجعة في السنوات الماضية عبر تفكيك غير شبكة تخريبية زرعها في بيروت والجنوب والبقاع.‏

وقد تعمد الاستخبارات الصهيونية إلى التخفّي تحت تسميات وعناوين مخابرات بلدان أوروبية مختلفة بغية إبقاء تحرّكاتها في نطاق السرّية التامة، لأنّ صورتها الواقعية تثير النفور والجفاء أكثر من ذكر أيّة مخابرات أجنبية أخرى، وإنْ كان بعض ضعاف النفوس لا يفرّقون أحياناً كثيرة بين التعامل مع هذه المخابرات أو تلك، طالما أنّ الأموال والإغراءات متوافرة ومن الصنف الممتاز.‏

ونجحت الجهات الأمنية المعنية في المديرية العامة للأمن العام في توقيف المفتّش لديها محمد علي العتر (من مدينة طرابلس) الذي يخدم في مطار الرئيس رفيق الحريري الدولي في بيروت، وهو موقع مهمّ ويفتح الشهية للتجسّس وخصوصاً في هذه الأوقات الحرجة التي تمرّ بها البلاد على مختلف الصعد.‏

وقد عملت هذه الجهات الأمنية على مراقبة العتر بدقّة ومن دون لفت نظره، ومن دون إثارة انتباه من جنّده للقيام بهذه المهمّة، ولمست محاولاته لتجنيد زملاء له في السلك وأشخاص مدنيين تحت ذريعة العمل مع استخبارات هذه الدولة الأوروبية، وقيامه بتصوير مقرّات تابعة لحزب الله في أكثر من منطقة، فـأبلغت المدير العام اللواء وفيق جزيني الذي نقل لوزير الداخلية والبلديات حسن السبع المعلومات المتوافرة عن خطورة عمل العتر، فطلب متابعة رصد هذه الشبكة وكشف اللثام عن كلّ أفرادها، وكانت الباكورة الأولى توقيف العتر.‏

وكشفت التحقيقات الأولية أنّ هذه الشبكة كانت مكلّفة بمراقبة مراكز حزب الله ومؤسّساته، ومواقعه العسكرية، وتحديدها بدقة من خلال استخدام تقنية "الـ جي.بي.أس" المخصّصة لتصوير المواقع والأمكنة الجغرافية ونقلها عبر "الأقمار الاصطناعية" مباشرة تمهيداً لتثبيتها. وهذا ما يكشف عن استعماله للمرّة الأولى في تاريخ توقيف شبكات التجسّس الإسرائيلية والأوروبية في لبنان.‏

ودهمت قوّة أمنية منزل العتر حيث عثرت على "كنز" من الخرائط والصور والأفلام العائدة لمراكز حزب الله في الضاحية الجنوبية، والجنوب، والبقاع، وبيروت، فصادرتها، كما أنّها ضبطت "كاميرا ديجيتال" استخدمت في عمليات التصوير.‏

وبعد انتهاء التحقيقات الأولية مع العتر أحيل على مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الدائمة القاضي جان فهد الذي ادعى عليه بموجب "ورقة طلب" بجرائم تنظيم تقارير أمنية وإرسالها إلى استخبارات الدولة الأوروبية لقاء الحصول على منفعة مادية ومخالفة التعليمات العسكرية، ثمّ أحاله على قاضي التحقيق العسكري جورج رزق لإجراء التحقيقات الاستنطاقية اللازمة معه وإصدار مذكّرة توقيف وجاهية بحقّه.‏

ولا يزال المعنيون يجرون تحرّياتهم لمعرفة هوّيات بقيّة أفراد هذه الشبكة بغية توقيفهم، فضلاً عن معرفة حقيقة الجهة الاستخباراتية التي جنّدت العتر، وما إذا كانت تابعة لدولة أوروبية أم أنّها عائدة لجهاز "الموساد".‏

وسبق للأجهزة الأمنية اللبنانية أن اعتقلت الكثير من شبكات التجسّس الإسرائيلية ومجموعات مرتبطة باستخبارات دول أجنبية ومنها المخابرات الألمانية والمخابرات الأميركية، كانت تجهد لتحصيل معلومات عن حزب الله، وجرت محاكمة أعضائها أمام القضاء العسكري اللبناني.‏

وتعتبر شبكة العتر الأولى في عقد شبكات التجسّس التي يكشف عنها بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان في شهر تموز/ يوليو من العام 2006، والثانية في مدة تسعة أشهر بعد شبكة الثنائي اللبناني الموقوف محمود رافع والفلسطيني الفار من وجه العدالة حسين خطّاب التي نفذت من ضمن جرائمها الكثيرة، اغتيال المسؤول في حركة "الجهاد الإسلامي" في فلسطين محمود محمد المجذوب وشقيقه نضال في مدينة صيدا يوم الجمعة في 26 أيار/ مايو من العام 2006.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/لبنانيات ـ العدد 1204 ـ 2 آذار/مارس 2007‏

2007-03-02