ارشيف من : 2005-2008
زيارة جنبلاط إلى واشنطن: تحريض متبادل .. لأهداف تقسيمية
وكانت الضربة القاضية له في وحول العراق، وبات على الإدارة الاميركية السير بشكل واضح بمشروعها الحقيقي وهو اثارة الفتنة المذهبية في العالم الاسلامي وصولاً إلى إحكام السيطرة على المنطقة عبر "تفتيت المفتت وتقسيم المقسم" من العراق إلى السعودية إلى سوريا فلبنان وفلسطين وغيرها من البلدان العربية والإسلامية. هذه الاستراتيجية الاميركية المكشوفة بات العمل عليها جارياً على قدم وساق، وهو ما سعت إلى تزخيمه وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس عبر جولاتها المكوكية في المنطقة ورعايتها لنشوء محور من الأنظمة العربية الموالية لها، ويأتي في هذا السياق ما يجري العمل عليه على الساحة اللبنانية لتقسيم لبنان إلى أكثر من دويلة مذهبية خدمة للمشروعين الاميركي والصهيوني في المنطقة.
وسط هذا المشهد تضع مصادر متابعة زيارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى واشنطن واستقباله على أربعة مستويات من قبل الرئيس الاميركي جورج بوش وما دونه من المسؤولين في الادارة الاميركية المعنيين بالسياسات الاميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
وترى هذه المصادر أن ما يجري في واشنطن مع جنبلاط هو وضع اللمسات الأخيرة على حدود دويلته والدور المطلوب لها، وليس في سياق آخر له علاقة بمجرد الاستفادة من مواقفه التصعيدية ضد حزب الله وسوريا وايران. فحلم الدويلة الجنبلاطية قديم، وهو التقى مع المشروع الاميركي الاسرائيلي في مرحلته الأخيرة بعد فشل السياسات والأساليب السابقة في إخضاع لبنان والمنطقة.
وتشير المصادر إلى أن الوضع الأقلوي الذي يمثله النهج الجنبلاطي وضمور دوره السياسي في ظل أي وضع طبيعي تعيشه البلاد على الصعيد الوطني يدفعه إلى التطرف في مواقفه وانسياقه إلى الوصايات الخارجية والاستدارة باتجاه "تأجير" نفسه للقوة الاقليمية أو الدولية التي تهيمن على المنطقة، أو يكون دورها فاعلاً في لبنان، سواء أكانت "اسرائيل" في بداية الثمانينات، أو سوريا بعد الانكفاء الصهيوني عن بيروت والجبل الى أواخر التسعينات، أو الولايات المتحدة وبعد العام ألفين وحتى الآن.
وتذكر المصادر أن جنبلاط كان سورياً أكثر من السوريين عندما ضمنت له "الادارة السورية للبنان" حجماً منفوخاً عبر قوانين الانتخابات التي فصلت على قياسه في العامين 92 و96، وليكون له بنتيجتها كتلة نيابية كبيرة من ثمانية عشر نائباً يتجاوز فيها عدد النواب المسيحيين عدد جميع النواب الدروز في لبنان. وعندما رأى جنبلاط أن الأمور تبدّلت وهناك سياسة سورية جديدة مع الرئيس السوري بشار الأسد لإصلاح التعاطي مع الساحة اللبنانية، وتصحيح الأخطاء السابقة، شعر جنبلاط بالخطر على وضعه، ولجأ الى مهاجمة سوريا والمطالبة بانسحابها من لبنان، والحديث عن الوصاية، والاستدارة نحو الخيار الاميركي الصهيوني مع تحول الولايات المتحدة الى عامل دولي واقليمي بعد احتلالها العراق، ومن هنا كان التحول الجنبلاطي لحفظ وضعه المنفوخ والسعي لتحقيق حلمه بالدويلة التي كان يعد لها منذ الحرب الأهلية وفق معطيات عديدة منها:
ارتكاب المجازر بحق المسيحيين وتهجيرهم من الجبل وعدم السماح لهم بالعودة برغم المليارات التي نهبت عبر وزارة المهجرين، والتي كانت نتيجتها عودة ستة عشر بالمئة فقط من المهجرين لأن جنبلاط لا يريد أساساً عودة هؤلاء الى بلداتهم وقراهم ليبقى مهيمناً على جبل لبنان الجنوبي.
ومن الوقائع التي تروى في سياق سعي جنبلاط نحو الدويلة منذ زمن طويل "دعوته مطلع التسعينات الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد السيد عباس الموسوي أن يطلب من الشيعة شراء منازل من الضاحية الجنوبية لبيروت حتى شتورة بحجة وصل المناطق الشيعية بعضها ببعض، وكان هدفه الحقيقي إقامة حزام شيعي رقيق على طريق الشام لتسييج دويلته المذهبية بحزام سكاني شيعي يفصلها عن الطرف الآخر المسيحي، ليضاف الى حزام سني فلسطيني من ناحية شرق صيدا، لأن ما كان يفكر فيه هو عدم عودة المسيحيين الى الجبل.
وتشير المصادر الى انه في المدى الزمني القريب فإن أحد أهداف العدوان الصهيوني على لبنان كان احداث تغيير ديمغرافي من خلال تهجير الشيعة واقامة دويلات مذهبية احداها الدولة الجنبلاطية التي ستكون حزاماً يحمي الكيان الصهيوني، وهو مشروع ما زال العمل جارياً على محاولة اتمامه، وقد برزت معالمه مؤخراً عبر العديد من المعطيات السياسية والميدانية.
ومن هذه المعطيات دفع الولايات المتحدة الوضع في لبنان الى الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، وادخال البلد في حرب أهلية تكون نتائجها تقسيم لبنان وتحويله الى دويلات مذهبية، وكان لجنبلاط دور كبير في هذا المجال عبر إذكاء الفتنة بين السنة والشيعة، عبر زعمه بمسؤولية لحزب الله في الاغتيالات التي حصلت، ومن ثم الدور الميليشياوي الذي مارسه الحزب الاشتراكي يوم الخميس الأسود الى جانب حلفائه في فريق 14 شباط من خلال القنص في محيط الجامعة العربية ووطى المصيطبة، وسقوط عدد من الشهداء والجرحى من المعارضة بفعل هذا القنص، اضافة الى اقفال طريق الساحل بين بيروت والجنوب.
ومن المعطيات الدالة على مشروع الدويلة بحسب الأوساط المتابعة اثارة جنبلاط موضوع شراء أراضٍ في منطقة جزين من قبل بعض رجال الأعمال، ما يشير الى أن الحدود المرسومة للدويلة الجنبلاطية يتجاوز النطاق الجغرافي لجبل لبنان الى قضائي حاصبيا وراشيا في الجنوب والبقاع وربما أبعد من ذلك، وصولاً الى الجولان السوري المحتل. وهنا تلفت المصادر المتابعة الى المناورات التي اجرتها كتيبة "حيريف" في الجيش الاسرائيلي مؤخراً، وهي كتيبة مشاة ذات لون مذهبي معين، واللافت قيامها بمناورات وتدريب على مهاجمة قرية مشابهة لإحدى القرى الجنوبية من قرى الـ48. وتسأل المصادر ما مغزى هذه التدريبات، وهل سيكون لهذه الكتيبة دور ما في حماية الدويلة الجنبلاطية التي ستكون بدورها حزاماً حامياً للكيان الصهيوني في البعد الجغرافي والسياسي المرسوم لها؟!
وفي هذا الجانب تلفت المصادر المتابعة الى أن المواقف الجنبلاطية النارية ضد سوريا تأتي ضمن سياق المخطط الاميركي التقسيمي الذي يشمل لبنان وسوريا الى عدة دويلات، والتي يرسم فيها الاميركي حدوداً للدويلة الجنبلاطية تتعدى حدود لبنان الى سوريا في حال نجحت خطة اسقاط النظام في سوريا، وتحويل هذا البلد الى دويلات طائفية، فهذا هو هدف الحملة الجنبلاطية على سوريا، وليس خوفه على وضعه الأمني ومزاعمه أنه مهدد من قبل هذا النظام.
هذا السيناريو المرسوم للدويلة الجنبلاطية تعززه المناورات العسكرية التي أجراها الحزب الاشتراكي في منطقة الباروك، والتي سبقها اعتراف جنبلاطي ضمني بالتسلح في المقابلة على المحطة اللبنانية للإرسال. وجاء التتويج عبر الزيارة التي قام بها جنبلاط الى واشنطن التي استقبله خلالها الرئيس الاميركي وكبار مسؤولي الادارة الاميركية المعنيين برسم وتنفيذ الخطط الاميركية في الشرق الأوسط، والتي يأتي في أساسها تفتيت الدول وتقسيمها خدمة للمشروع الاميركي الصهيوني الذي باتت ورقته الوحيدة هي الفتن والتقسيم ليضمن بقاء سيطرته على المنطقة.
ومن هنا لا يعود مستغرباً أن يطلق جنبلاط من واشنطن مواقف وتصريحات يطلب فيها الدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة في مواجهة حزب الله وسوريا. فهو أصبح أداة أميركية و"حصان طراودة" لها في لبنان لضرب وحدته وتقسيمه الى دويلات في سياق مخطط حصار المقاومة وضرب المناعة الوطنية. لكن في مواجهة هذه المؤامرات والمخططات تقف ارادة لبنانية صلبة تعبر عنها قوى المعارضة التي تعمل على حماية وحدة لبنان ورفض الهيمنة الاميركية الصهيونية عليه.
هلال السلمان
الانتقاد/لبنانيات ـ العدد 1204 ـ 2 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018