ارشيف من : 2005-2008
الأمان ممنوع أميركياً تحت طائلة الملاحقة الدولية:لبنان بين تسلّح ميليشيات السلطة واستباحة المخابرات الغريبة
والتقاتل والفتنة، على غرار ما أتحفكم هنري كيسنجر قبل نشوب الحرب الأهلية في العام 1975 وصدقت توقّعاته المدروسة بعناية فائقة.
هذا ليس خطاباً تشجيعياً على الإطلاق للرضوخ لهذه المعادلة العجيبة والقاتلة، ولكنّه عنوان هذه المرحلة القاتمة من تاريخ لبنان.
ففجأة، وفي ظلّ انسداد أفق الحلّ السياسي للأزمة اللبنانية بسبب تعنّت القوى "الشباطية" وعلى رأسها "الكاوبوي" وليد جنبلاط وخرّيج السجن سمير جعجع، في القبول بما تطرحه المعارضة من معالجات عاقلة وحكيمة مدعومة بمبادرات عربية لجامعة الدول العربية والمملكة العربية السعودية أجهضها هذا الثنائي كرمى عيون الأميركيين، أطلّ مسلسل التفجيرات الخفيفة والعثور على قذائف وقنابل وعبّوات وشحنات ناسفة، وأسلحة وذخائر في غير منطقة لبنانية، وكأنّما الأميركي يريد أن يقول إنّ الأمن والسلام في لبنان والشرق الأوسط، ممنوعان، ويحظّر التداول بهما تحت طائلة الملاحقة الدولية.
ففي أقلّ من أسبوع انتشرت موجة العثور المفاجئ، والحمد لله، على كمّيات مختلفة ومتنوّعة من القنابل الصالحة للاستعمال كما يقول الخبراء العسكريون الذين يهرعون إلى مكانها لتفكيكها أو تفتيشها أو تعطيلها، ورفعها بعيداً عن المواطنين، بعدما كان الأمر في الماضي يقتصر على التقاط عبوات وأسلحة من مخلّفات الحرب، وغير معدّة لـ"الاستهلاك" لانقضاء مفعولها.
كانت هذه الصورة، سابقاً، محدودة ومناسباتية ومحصورة، بينما صارت اليوم موسّعة ومنتشرة ومخيفة، لأنّها أرفقت بعرض غير مشوّق وحلقات مطوّلة من التفجيرات والاغتيالات.
وكلّما اقترب اللبنانيون المحبّون لوطنهم من تنفّس الصعداء، ظهر من يريد إدخالهم بالقوّة في عنق الزجاجة وأتون النار والدمار، مستغلاً تردّي الوضع الأمني المتأتّي في الدرجة الأولى، من الانكشاف الخطير للساحة الداخلية بحيث صارت ملعباً فسيحاً لمخابرات غير دولة أجنبية وعربية وفي مقدّمتها "الموساد" الصهيوني، و"السي.أي.إيه" الأميركي.
وهذا ما يستدلّ عليه من جملة أمور متعدّدة، منها أنّ بعض العبوّات كانت تحمل كتابات عبرية، وأنّ بعض المتفجرات التي ألقي "القبض عليها" ليست محلّية الصنع، بل هي من النوع الفتّاك والممتاز ومتطوّرة جدّاً، وتفكيك شبكات تجسّس أوروبية وإسرائيلية، وإحضار عناصر أمنية غربية إلى مواقع حصلت فيها عمليات اغتيالات وتفجيرات بداعي المساعدة، وتحت حجّة أنّهم متطوّرون كثيراً، ما أثار الريبة من تصرّفاتهم، وبلغ التشاؤم أقصى درجاته وبلغ الخوف ذراه من أن يكون هؤلاء قد قاموا بإزالة معالم الجريمة المقترفة لأنّه لم تصدر أيّة نتيجة عن عملهم.
وهذه اللوحة التفجيرية للوضع اللبناني ليست بنت ساعتها كما يقال، بل هي وليدة تراكمات سنتين على الأقلّ، وتحديداً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانفلات الأمن وعدم قدرة القوى الأمنية على ضبط الوضع وتوقيف أيّ شخص له علاقة ما، بهذا التخريب المتعمّد على الرغم من أنّ بعض الاغتيالات حصلت في وضح النهار وبطريقة المواجهة كما في اغتيال الوزير والنائب بيار الجميل، ولو لم يكن المجرمون يدركون بأنّ الوصول إليهم صعب ومستحيل و"خطّ أحمر"، ويعرفون بأنّ طريق العودة إلى مكان التخفي سهل، لما نفّذوا جريمتهم بأعصاب باردة وبأسلوب "مافياوي".
"المعلومات" رسوم تشبيهية
والغريب أنّ الأجهزة الأمنية والقضائية لم تمسك بأيّ خيط ولو رفيع يقود إلى معرفة مزعزعي الوضع الأمني عن سابق تصوّر وتصميم، فكيف لها أنْ تعرف الهوّية الحقيقية للمحرّضين والمساهمين والمشاركين والمتدخلين؟ واكتفت بتوزيع رسوم تشبيهية لأشخاص يشتبه بهم حتّى أنّها نشرت ثلاثة رسوم مختلفة لمشتبه بهم في محاولة اغتيال نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع الوطني إلياس المر منذ وقوعها في 12 تموز/ يوليو من العام 2005 وحتّى اليوم من دون أنْ توضّح ما إذا كان الثلاثة ضالعين في هذه الجريمة، أم أنّها حصلت على معلومات جديدة استدعت "إبداع" رسم جديد.
واستسهال المجرمين للعب بالنار وبدماء المواطنين وتكاثر التفجيرات في منطقة المتن الشمالي، دفع بالوزير إلياس المرّ إلى التحرّك سريعاً والمطالبة بإعادة الحياة إلى الأجهزة الأمنية القابضة على البلاد والعباد والنظر في تركيبتها وتكوينها، وخصوصاً أنّ ما كان يشكو منه الممسكون بمقاليد السلطة من "الشباطيين" من نظام أمني، أحدثوه هم أنفسهم بإنشاء نظام أمني جديد يتزعّمه "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي.
وتقول مصادر سياسية إنّه جرى تكبير هذا الفرع وزيادة عديده وعناصره حتى صار "جيشاً" داخل قوى الأمن، ولكن من دون فائدة، بينما جرى في الوقت نفسه تصغير وتقزيم وتحجيم أجهزة أمنية أخرى كانت أكثر فاعلية، ومنها على سبيل المثال مكتب مكافحة الإرهاب التابع لقسم المباحث الجنائية الخاصة في الشرطة القضائية في قوى الأمن الداخلي، والذي يتواصل لبنان عبره مع "الإنتربول" فلا يتجاوز عدد ضبّاطه وعناصره الأربعين، ولم يعد له رئيس مباشر بعدما جرى استبعاد رئيسه الشيعي ليديره مساعده المسيحي وهو أقل منه برتبتين.
وتضيف هذه المصادر أنّ دون خطوة المر مطبّات سياسية تعيق ما طالب به، إذ أنّ "الشباطيين" ولا سيّما تيّار "المستقبل"، يرفضون التنازل عن "حلمهم" بتحويل فرع المعلومات المحسوب سياسياً عليهم إلى "شعبة" بمقياس مديرية، وتخفيض عديده وإرجاعه إلى ما كان عليه في السابق. وتشير المصادر نفسها إلى أنّه لم يعد ينقص هذا الفرع سوى إصدار رخص حمل السلاح ولو كان القانون يخوّله لفعلها، ولكنّ الأمر محصور بوزارة الدفاع الوطني.
طوني عبيد
والمفاجئ أيضاً، أنّ أحاديث وتصاريح ومواعظ وخطابات بعض السياسيين ورجال الدين ترافقت مع تكبير بيكار العثور على متفجّرات، ودقت ناقوس الخطر من احتمالات تفجّر الوضع، فتحدّث البطريرك الماروني بطرس صفير في عظة الأحد الماضي، عن "تسابق إلى التسلّح كأنّنا عدنا ما فوق العشرين سنة إلى الوراء"، واتهم الوزير السابق وئام وهّاب "الحزب التقدّمي الإشتراكي" بالتدرّب وإجراء رمايات بالذخيرة الحيّة في بلدة الباروك في قضاء الشوف.
وكانت معلومات أمنية قد تحدّثت عن أنّ عناصر من ميليشيا وليد جنبلاط ذهبت للتدرّب عسكرياً في الأردن، وبينهم مسؤول أمني تستهويه لعبة كرة القدم ويشغل مركزاً قيادياً في نادٍ رياضي، كما أنّه جرى ضبط أسلحة من منزل مسؤول في ميليشيا "الإشتراكي" في بيروت كان لاعباً ومدرّباً رياضياً، والغريب أنّ التدخّلات حالت دون توقيفه على الرغم من أنّ السلاح المصادر جرم مشهود ويعاقب عليه القانون.
على أنّ القنبلة التحذيرية التي رماها الوزير السابق سليمان فرنجية في حضن "الشباطيين" حول ضلوع رئيس شعبة التدخّل والحماية في جهاز أمن ميليشيا "القوّات اللبنانية" أنطونيوس إلياس إلياس المعروف بـ"طوني عبيد" أو بـ"أنطونيوس إلياس عبيد" في جريمة اغتيال الوزير الجميل، قضّت مضاجع اللبنانيين الذين يعلمون بأنّ عبيد المذكور مطلوب للقضاء بغير خلاصة حكم وفار من وجه العدالة، واستغربوا كيف أنّه استطاع الدخول مجدّداً إلى لبنان وبغفلة عن القوى الأمنية الملزمة بتوقيفه، وهل وصل بحراً إلى جونيه ودخل بأمان وسلام، أم دخل عبر مطار بيروت الدولي بأوراق رسمية أم مزوّرة، ومن سهّل له مهمّة الوصول؟
واستاءت "القوّات اللبنانية" من كلام فرنجية وأسرعت إلى الردّ عليه لتنفيه من دون أن تتمكّن من محو صورة عبيد من أذهان اللبنانيين، وهو الذي اشتهر بالقتل وحُكم عليه في جرائم متعدّدة. فأصدرت محكمة جنايات بيروت في 20 أيار/ مايو من العام 1996 حكمها عليه وعلى" قوّاتيين" آخرين في جريمة قتل نائب رئيس الأركان في "القوات اللبنانية" الدكتور إلياس الزايك في 19 كانون الثاني/ يناير من العام 1990 في محلة الأشرفية، وأنزلت به عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وجرّدته من حقوقه المدنية وصادرت أمواله وألزمته بأن يدفع مع رفاقه مبلغ 55 مليون ليرة تعويضاً لورثة الزايك. وهذا الحكم لا يسقط بتاتاً إلا بعد مثول عبيد أمام محكمة جنايات بيروت ومحاكمته في هذه القضية.
كما أنّ المجلس العدلي حكم في 24 حزيران/ يونيو من العام 1995، على عبيد (من بلدة شحتول في العام 1966) بالأشغال الشاقة المؤبّدة في جريمة قتل داني شمعون وزوجته وطفليه في 21 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1990، وحكم عليه المجلس العدلي أيضاً بالعقوبة نفسها في 9 أيار/ مايو من العام 1997، في جريمة محاولة اغتيال الوزير ميشال المر في 20 آذار/ مارس من العام 1991 بتفجير سيارة مفخخة خلال مرور موكبه في محلة إنطلياس. وحكم المجلس العدلي على عبيد أيضاً وأيضاً في 25 حزيران/ يونيو من العام 1999، بالأشغال الشاقة مدّة عشرين سنة في جريمة اغتيال الرئيس رشيد كرامي في العام 1987.
وموضوع التسلّح ليس جديداً فقد بشّر به الوزير الرياضي أحمد فتفت عندما كان وزيراً للداخلية بالوكالة في إحدى مقابلاته، وكأنّه كان يحرّض اللبنانيين على اقتناء السلاح وحمله، كما أنّه صار مطلباً جنبلاطياً للفتك بالمقاومة استكمالاً للمشروع الصهيوني الأميركي، ولذلك فإنّه لم يتردّد في تسوّل السلاح من الاميركيين خلال لقائه بهم، فضلاً عن أنّ المال متوافر لدى من يستطيع أن يمون عليهم، والمال يشتري السلاح كما يقال.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً وخوفاً لدى اللبنانيين هل هناك تسلّح وكيف يمكن ضبطه؟ والجواب بيد حكومة فؤاد السنيورة التي تصادر سلاح المقاومة الشرعي والموجّه لحماية لبنان من الاعتداءات الصهيونية، وتغضّ الطرف عن سلاح ميليشيات حلفائها في السلطة، هذا السلاح القادر على تحويل لبنان إلى خربة بعكس ما كان يشتهي رفيق الحريري، فماذا ستفعل قبل فوات الأوان؟
علي الموسوي
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1204 ـ 2 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018