ارشيف من : 2005-2008
أبو بسام يتذكر بيروت قبل أن تمحوها الكوابيس
فبقي يواجه الحياة بصلابة.. الشاب.
"أبو بسام" أو أحمد دياب.. اسم كاد ينساه بعدما حلّ اللقب عليه منذ سنوات طويلة، شاب وكبر وشابت معه المدينة التي أحبها منذ وفد اليها من بلدته الجنوبية.
بين أمس ساحة البرج التي تعيش في ذاكرته بأسواقها ودكاكينها وباعتها وصراخ السائقين.. وبين اليوم حيث باتت تعرف بـ"داون تاون".. يقف أبو بسام مستعيداً زمناً مضى ولن يعود بعدما محت كوابيس "البزنس" أحلام هذه الساحات وكل ذكرياتها.
يشير أبو بسام بيده الى ساحة رياض الصلح، ويقول إنه في الخمسينات لم يطلق عليها هذا الاسم، ولم تكن بهذا الشكل, بل كان اسمها ساحة البرج في بيروت القديمة, وبوسطها المسجد العتيق, والتنقل على "الحنطور" وسيارة "الفورد أبو دعسة" وبناية فتال كانت هنا، مكان هذا المبنى الجديد "الاسكوا" وصيدلية حمادي والمطبعة القديمة.
بيروت كانت ساحة مليئة بعجقة الناس والبوسطات, وعربات الباعة, أما الآن فقد تغيرت كليا وأصبحت ناشفة، ولم تعد مثل أيام زمان.
مع كل هذه الصورة القاتمة التي حلّت أمام عيني أبي بسام.. الا انه وجد فسحة أمل من خلال الاعتصام المفتوح في ساحتي الشهداء ورياض الصلح.. مساحة دفعته لان يعود الى وسط بيروت متضامناً مع الشباب ومتذكرا "تلك الأيام"، عندما كانت ساحات بيروت موئلاً لجميع اللبنانيين وليست حكراً على طبقة معينة فقط.
أبو بسام يأتي راجلاً يوميا الى ساحة رياض الصلح، ويجول بين خيم المعتصمين، وعندما يتعب يجلس على كرسي تحت خيمة الاعتصام الكبيرة ويتحدث الى الشباب مذكرا إياهم بأيام الصبا.
هو من بلدة القنطرة الجنوبية، لجأ الى المدينة برفقة ذويه في أربعينيات القرن الماضي، وسكن في محلة عين المريسة.. ليكون قريباً من أماكن العمل حيث يمكن تأمين المعيشة، وأيضاً الحلم بمستقبل زاهر للعائلة هربا من البؤس وسياسة الإهمال للمناطق اللبنانية النائية، كان اللجوء الى المدينة ملاذا يفتح سبيلاً الى عيش أفضل مما هو وسط حقول تنتج وتبقى محاصيلها في الارض أو لا تجد ماءً يصلها.
شق طريقه بنفسه, ومكنه الله من بناء أسرة متواضعة لينتقل الى منطقة كركول الدروز على بعد مئات الامتار من وسط بيروت, لكن وعلى الرغم من بساطة العيش، الا انه كان سعيداً مع أسرته وأولاده الثلاثة حتى فقد أحدهم في الأحداث اللبنانية عام 1985 في بيروت.
ويذكر أبو بسام، أنه في ذلك الزمن كانوا مرتاحين اجتماعيا واقتصاديا، وكان يحصّل والده راتبا شهريا زهيداً، لكنه كان كافياً الى حدّ انه كان يدخر منه, أما الآن "فأنا أعمل في مطبعة طوال النهار ولا أقدر على ادخار ليرة واحدة، لا بل أنا مدين في كل آخر شهر".
ويعتبر أن الظروف المعيشية قاسية هذه الايام، والحكومة لا تهتم بكل شيء يتعلق بالناس, وأنا برغم كبر عمري ما زلت اعمل لساعات طويلة, وفي حال لم اعمل فإن رب العمل لا يدفع لي, لذا يجب أن اعمل لتأمين قوت عائلتي من عرق جبيني ودون منّة من أحد, وإني اعتدت على ذلك منذ نشأتي.
عن حكومة السنيورة يقول أبو بسام: "قاطعت حلوى السنيورة، أنا وزوجتي، لأنني لا أريد أن أتذكره ولا أن أراه".
ويتفاءل أبو بسام بأن الفرج آتٍ للمعارضة, ويتوجه الى الشباب المعتصمين بالقول: ان الله معكم بكل خطوة تقومون بها، وسوف تحققون مطالبكم، مرفوعي الرأس, مستغربا عدم تعاطي الحكومة بجدية مع هؤلاء الناس الذين ينامون هنا كل يوم برغم الشتاء والبرد في الخيم ولا آذان صاغية لمن هم في الحكم.
لماذا؟ أيريدون أن يذلوا الناس, الله سيذلّ أولئك القابعين في السراي.
محمد طالب
الانتقاد/ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018