ارشيف من : 2005-2008

استهداف سياسي بغلاف "الإصلاح" : الضمان والدولة.. كباش الديون

استهداف سياسي بغلاف "الإصلاح" : الضمان والدولة.. كباش الديون

ينتظر "الحلاّل" لكي يحرر له جزءاً من هذه الديون ليسد "رمق" صناديقه الفارغة، خاصة في فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية، وهما يعتبران الفرعين الأكثر حساسية بالنسبة الى السواد الأعظم من اللبنانيين، هذا فضلا عن إيفاء الديون المتراكمة على الصندوق لمصلحة المستشفيات الخاصة، التي تُقدر بـ(440) مليار ليرة.‏

تلك هي خلاصة المشكلة القائمة بين صندوق الضمان والدولة ممثلة بوزارة المال، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، أوقف الصندوق العمل في التقديمات فترة شهرين بدءاً من 20 كانون الأول من العام 2006 إلى أواخر شهر شباط الماضي بسبب العجز الذي تراكم على هذين الفرعين واستخدامه أموال نهاية الخدمة التي قُدرت بـ(310) مليارات، وذلك قبل أن يعاود فتحهما أمام المضمونين بعدما "رضخت" وزارة المال ودفعت (280) مليار ليرة لمصلحة الفرعين المذكورين آنفا استحقاقاً لديون سُحبت من صندوق نهاية الخدمة.‏

من الواضح أن صرخة المستشفيات الخاصة إزاء ديونها المترتبة على الضمان هي التي دفعت السلطة السياسية إلى "فرملة" تجاهلها للشأن الاجتماعي والإنساني، خصوصاً أن نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون أعرب صراحة في حديثه لـ"الانتقاد" أنه لا يمكن الاستمرار في ظل هذا الوضع المزري، لا سيما أن هناك نتائج خطيرة قد تترتب على هذا الوضع المستجد، ليس أولها عدم إمكانية دفع رواتب لـ(25) ألف موظف في القطاع الاستشفائي، فضلا عن امتناع مستوردي الأدوية عن تسليم أدوية للمستشفيات، الأمر الذي ينعكس أولا وأخيرا على المضمونين أصحاب المصلحة الأولى في الاستشفاء.‏

وإذا كان هناك من يربط دفع المستحقات المالية الواجبة على الدولة لصندوق الضمان بعملية إصلاح الصندوق، يصبح السؤال الملحّ والضروري هو: من يعرقل هذه العملية؟ ولمصلحة من؟‏

وفي حين يلفت هارون إلى أن أسباب الأزمة تعود إلى"المناخ السياسي العام الذي تعيشه البلاد وانعكاسها على كل المرافق العامة والخاصة وفي مقدمها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي"، فإن مصدراً مطلعاً على واقع أزمة الضمان يرى أن "التجاذب القائم بين الدولة والصندوق هو أبعد بكثير من مسألة الإصلاحات التي يجري التداول فيها". ويشير إلى أن "هناك قراءتين تتحكمان بوجهة نظر السلطة السياسية: الأولى تقول إن الضمان عائق كبير أمام التطور الاقتصادي، وتبرر ذلك بكون الأخير يلزم الشركات وأصحاب العمال بدفع الاشتراكات لمضمونيهم، وأصحاب هذه القراءة هم من أمثال الرئيس فؤاد السنيورة والنائب غازي يوسف (رئيس المجلس الأعلى للخصخصة سابقاً) مستشار النائب سعد الحريري. والقراءة الثانية تخالف هذا الرأي جملة وتفصيلاً".‏

والأخطر في ما أورده المصدر عينه هو أن الصراع القائم بين الصندوق والسلطة السياسية في جزء منه له أبعاد طائفية وسياسية، ويقول في هذا الإطار: "هناك جهات سياسية لم تتحمل أن يكون في سدّة الضمان مدير من طائفة محددة، وهي تحاول جاهدة وضع يدها عليه في إطار سياسة الاستئثار التي تلجأ إليها السلطة الحاكمة راهنا في البلاد، لا سيما أن في رصيد الأخير أموالاً ضخمة، خاصة في فرع نهاية الخدمة، وتُقدر بـ(4000) مليار ليرة".‏

من هنا ـ الكلام للمصدر ـ "نشهد هجمة مركزة على الصندوق بهدف التشويش عليه".. أما الاعتبار الطائفي الأخطر ـ على حد قول المصدر ـ فيتمثل بمحاولة "تطييف" التقديمات".‏

حسين عواد‏

ـــــــــــــــــــــ‏

مدير عام الضمان لـ"الانتقاد": الحلول موقتة والمطلوب إعادة التوازن المالي‏

للوقوف على حقيقة الوضع السائد راهنا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التقت "الانتقاد" مدير عام الضمان الدكتور محمد كركي وناقشته في آخر ما آلت إليه أوضاع الضمان والحلول التي توصلت إليها الإدارة مع وزارة المال، وهنا نص الحوار:‏

* هل عدنا إلى مشكلة إبريق الزيت في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟‏

ـ من الواضح أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يعاني من خلل في التوازن المالي، وهذا الخلل ليس بجديد، وهو عائد بالدرجة الأولى إلى تخفيض اشتراكات الضمان في العام 2001، ما أثّر بشكل كبير في هذا التوازن. والجدير ذكره انه في أواخر العام 2000 وقبل تخفيض الاشتراكات، كان لدينا (420) مليار ليرة في فرع المرض والأمومة، و(220) مليار ليرة في فرع التعويضات العائلية، وللأسف جرى تخفيض هذه الاشتراكات بطريقة غير معقولة، وقيل يومها للضمان إنه لا يُفترض أن يكون لديك وفر، وعليك تخفيض الاشتراكات، وإنه عندما يجري امتصاص هذا الوفر تعود لزيادة الاشتراكات! غير أن معالجة الأمر لم تتم كما جرى التوافق عليه، بحيث ظهر العجز بشكل واضح في الأعوام الثلاثة: 2001 و2002 و2003.. وبما أنه كان لدينا وفر استطعنا حينها أن نمتص هذا العجز، ولكن مع مطلع 2004 بدأ العجز يتراكم، وإزاء هذا الواقع استُخدمت أموال نهاية الخدمة لسد العجز في فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية، حيث تبين مع نهاية العام 2006 أن صندوق الضمان أمّن لهذين الفرعين مبلغ (310) مليارات ليرة من أموال نهاية الخدمة البالغة 4 آلاف مليار ليرة.‏

وحيال هذا الوضع المستجد طلبنا من الدولة ـ ريثما يعاد النظر بكيفية تأمين التوازن المالي في الضمان وزيادة الاشتراكات، أو النظر في التقديمات ـ أن تدفع جزءاً من الديون المترتبة عليها استحقاقاً للديون التي سحبت من صندوق نهاية الخدمة لمصلحة فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية.. علماً بأن لنا في ذمة الدولة ديوناً تقدر بـ(800) مليار ليرة، وفي ذمة المؤسسات العامة حوالى (400) مليار.. لكن كما ذكرت، فإن لبّ المشكلة هو في وجود خلل في التوازن المالي وعدم إمكانية معالجته وفقا لنص المادّة الـ(66) من قانون الضمان الاجتماعي، الذي نص على وجوب رفع الاشتراكات أو لجوء الدولة لتقديم مساعدات استثنائية أو إعطاء سلفة لدى حصول خلل في التوازن المالي واستخدام أموال فرع لتمويل فرع آخر.. وبما ان الأمر لم يجرِ وفق هذه الاقتراحات الثلاثة، فإنه يفترض على الدولة سد هذا العجز من الديون المترتبة عليها ليتسنى للصندوق معاودة فتح الصناديق والمباشرة بدفع التقديمات.‏

* .. وما الذي أمكن فعله حتى الساعة؟‏

ـ لقد عقدت اجتماعات عدة بهذا الخصوص، كان آخرها اجتماع نهار السبت الماضي الذي ضم وزير العمل بالوكالة ووزير المالية ورئيس الحكومة، إضافة إلى ممثلي الدولة الستة في مجلس إدارة الصندوق والمدير العام للصندوق، وجرى التوافق على أن تعطى سندات بقيمة (230) مليار ليرة يضاف إليها مبلغ (50) مليار ليرة سُددت بداية العام الحالي، بحيث يصبح إجمالي المبلغ (280) مليار ليرة.. غير أن المشكلة تبقى في باقي الأموال المقدرة بـ(30) مليار ليرة، وراهناً نبحث عن كيفية تأمينها، إضافة إلى تذليل نقطة أساسية، هي أن هذه السندات ستعطى بلا فوائد، وتجري مداولات داخل الضمان حول كيفية تخطي هاتين العقبتين.‏

* هل سنستمر باللجوء إلى مثل هذه "المسكّنات" أم أنه يفترض أن تكون هناك معالجة جذرية؟‏

ـ ليست هي المرة الأولى التي نلجأ فيها إلى مثل هذه الخطوات، وبالتالي لسنا مسرورين أن يتوقف الصندوق عن تقديماته مطلع كل عام، وهو ما حصل في العامين الماضيين وهذا العام، الأمر الذي ينعكس سلباً على مصداقية الضمان.. ولكن من ناحية أخرى علينا أن نقر بأنه لا يمكن أن نسير بسياسة الصرف دوماً من صندوق نهاية الخدمة، لأجل ذلك تجدنا مضطرين لإيقاف تقديمات الصندوق بعض الوقت بهدف تصويب الأمور. لذا نعتبر أن معالجة المشكلة تكمن في إعادة النظر بطريقة تمويل الضمان الاجتماعي وبالتقديمات وبالاشتراكات، لأن السياسة المعمول بها لا يمكن أن تؤمن التوازن المالي، إذ ان هناك مستوى كبيراً من التقديمات يقابله مستوى أقل من الاشتراكات.. ولأجل ذلك هناك عمل جادّ لإيجاد خطة لإصلاح الضمان. طبعاً هناك أمور باشرنا فيها وهي مكننة الضمان، حيت جرى تلزيم هذا المشروع في مطلع 2007، وخلال أربع أشهر ستصل الدفعة الأولى من التجهيزات والمعدات. وعليه نقول ان موضوع الإصلاح هو عملية مستمرة ودائمة، ولكن لا يمنع أن نكون سباقين في وضع خطة لإصلاح الضمان الصحي والتعويضات العائلية وتفعيل كل ما يتعلق بالجباية والرقابة، إضافة الى كل ما يتعلق بالأمور الإدارية والموارد البشرية.. وكنا وعدنا رئيس الحكومة بوضع ورقة بين يديه تتضمن كل الخطط المعمولة بها مع آليات التنفيذ والمهل الزمنية المطلوبة.. وعلينا أن نتفهم أن حل مشكلة الضمان ليس بالأمر السهل، خاصة أن تقديراتنا تقول إنه إذا دفعت الدولة كامل واجباتها السنوية وهي (150) مليار ليرة فسيستمر العجز بحدود (180) مليار ليرة في فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية. من هنا نقول يجب إعادة النظر بطريقة تمويل الصندوق لكي لا تتكرر المشكلة في كل عام، وإلا يجب إعادة النظر في التقديمات! ولا أظن أن أحدا يسعى في هذا الصدد، لكون الجميع يسعى لزيادة التقديمات الاجتماعية، لا العكس.‏

* ما حقيقة أن وزارة المال ربطت دفع المستحقات المالية بعملية الإصلاح في الصندوق؟‏

ـ أولا ما نطلبه نحن هو دفع الديون المترتبة على الدولة في ذمّة الضمان، ونحن نعرف أن الدولة تدفع سنوياً بحدود 25% من قيمة الفاتورة الصحية، أي ما يوازي (110) مليار ليرة، في حين أن الصندوق يدفع نحو (440) مليار ليرة سنويا.. لكن ما يحصل هو أن وزير المال يريد أن يتأكد من ضبط الفواتير، ونحن ليس لدينا مشكلة، ولكن المهم الآن أن نسير في موضوع التقديمات، وبالتالي لا يمكن ربط دفع المستحقات المالية بعملية الإصلاح، لأن الأخيرة مستمرة وتحتاج وقتا. ونؤكد أن الأمور سائرة بالاتجاه الصحيح، وخلال هذا الأسبوع أو الأسبوع القادم ستُدفع التقديمات.‏

* هناك أكثر من خطة وُضعت لإصلاح الضمان، كيف سيُستفاد منها؟‏

ـ صحيح، هناك أكثر من خطة جرى التقدم بها، سواء من قبل الصندوق الوطني للضمان أو من خلال وزير العمل المستقيل طراد حمادة أو من قبل عدد من الخبراء، وبالتالي نحن سنستخلص مما تقدم أهم الأمور ونضعها في إطار برنامج عمل زمني نستطيع من خلاله تنفيذ ما هو مطلوب منا.‏

* ماذا عن مستحقات المستشفيات في ذمّة الضمان، والبالغة (400) مليار ليرة؟‏

ـ لا شك في أن للمستشفيات حقوقاً على الضمان، ولكن هذه طبيعة العمل بين الفريقين، وفي النهاية الصندوق يدفع سنوياً للمستشفيات حوالى (240) مليار ليرة. السنة الماضية دفعنا (280) مليارا، وعندما يدفع الصندوق هذه الكمية من الأموال فمعنى ذلك أنه يدفع بوتيرة سريعة. للأسف منذ مطلع هذه السنة إلى الآن لم يدفع الصندوق المستحقات للضمان، وبالتالي نحن نتفهم صرخة المستشفيات، لكن نطمئنهم الى أن حقوقهم كما حقوق المضمونين ستصلهم، ونحن باشرنا بدفع المستحقات بالنسبة الى المضمونين الاختياريين.. ولكن هناك عتب بسيط على نقيب المستشفيات، هو أنه عندما يريد أن يتحدث عن الإصلاح عليه أن يساعدنا في إصلاح الأمور من دون مزايدة، لأن هناك الكثير من المشاريع عالقة في نقابة المستشفيات لم توافق عليها بعد، مثل عدم الموافقة حتى الآن على سياسة المبالغ المقطوعة، بحيث يصبح عن كل عمل استشفائي مبلغ محدد، وهكذا نسهل عملية ضبط الفواتير.‏

* هل يرغب أحد في لبنان بإعادة طرح خصخصة الضمان؟‏

الضمان لا يمكن أن يُخصخص أو أن يُعتبر شركة تأمين، لأن شركات التأمين هدفها الربح، بحيث ان الفرد عندما يتعرض لأمراض مستعصية فإما أن تُرفع قيمة اشتراكه بشكل كبير جداً، أو يُعمل على فصله، على اعتبار أن التأمين مبني على مبدأ الربح والانتقائية، فضلاً عن شروط قاسية.. وإذا كان هناك من أحد يعاود التفكير به فهو قصير النظر، وإن طُبق فهو آيل إلى الفشل.‏

الانتقاد/ العدد 1204 ـ 2 آذار/مارس 2007‏

2007-03-02