ارشيف من : 2005-2008

ماذا وراء اجتماع الدول الإسلامية الثماني في باكستان؟

ماذا وراء اجتماع الدول الإسلامية الثماني في باكستان؟

بين اجتماع الدول الإسلامية الذي عُقد في إسلام آباد واجتماع الدول الخمس زائد ألمانيا في لندن، لناحية الضغط على إيران في قضية برنامجها النووي، من غير أن يغفل الفروق البديهية بين الاجتماعين من حيث الوزن الاستراتيجي والمفارقة الدينية والمذهبية. فهو لا يعتبر اجتماع إسلام آباد مقدمة لإنشاء حلف بقدر ما هو اجتماع لدول لديها مصلحة مشتركة في موضوع واحد.. مضيفا انه يمكن تعريف سياسات الدول المشاركة في الاجتماع بأربعة اتجاهات هي:‏

1 ـ الدول التي لا تريد برنامجا نوويا في إيران، حتى لو كان سلميا، وهي لا تعارض قيام أميركا بشن حرب ضد إيران وإن لم تعلن ذلك، وهي الدول العربية.‏

2 ـ باكستان التي تحذر من إيران نووية، ما سيؤثر في موقعها الاستراتيجي، لكون إيران نووية أقوى حتما من باكستان النووية، نظرا للوزنين السياسي والاقتصادي، ولكنها لا تريد حربا ضد إيران بسبب تخوف نظامها من رد فعل الشيعة عندها، فضلا عن إمكانية تعاون طهران مع الإسلاميين السنّة الداخلين في صراع عسكري مع نظام مشرف.‏

3 ـ تركيا التي تستعمل لغة دبلوماسية أكثر اعتدالا، اذ رفضت تحويل الاجتماع إلى نواة حلف، وذلك بسبب وجود مصالح مشتركة بينها وبين إيران، فضلا عن حاجتها لتعاون إيران في الموضوع الكردي العراقي الذي يقلقها.‏

4 ـ إندونيسيا وماليزيا، وشبه حضور الدولتين بالديكور، المراد من خلاله إضفاء صبغة إسلامية مذهبية.‏

الباحث لخّص أهداف الاجتماع بكونها رسالة الى أميركا، أن هناك أنظمة في المنطقة يمكن لك الاعتماد عليها، وهي مستعدة للتعاون في الموضوع الإيراني.. ولكن يجب تسليفها شيئا ما في فلسطين تبرّر به سياستها أمام شعوبها.‏

هذا الكلام يقودنا الى دراسة جديدة كتبها باتريك كلَوسون Patrick Clawson الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول احتمالات فتح الحوار الأميركي الإيراني بخصوص المعضلة العراقية، اذ يورد في جزء منها أفكارا في تشجيع العرب للتعاون مع أميركا في العراق قائلا:‏

"أعتقد أنه إذا رأت الدول العربية الولايات المتحدة تبذل جهودا مخلصة، فربما تقدم مزيدا من الدعم لتحقيق الاستقرار في العراق! لقد كرّر الزعماء العرب مرارا: (أنتم بحاجة لفعل شيء على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني لكي يكون باستطاعتنا مواجهة ضغط الرأي العام، وكي نساعدكم في المقابل في المسألة العراقية)".. لكن سؤالي هو: ماذا تستطيع أن تفعل تلك الدول بشكل عملي في العراق؟ لا أعتقد أنها تستطيع فعل الكثير، أعتقد أن البعض قد يأمل في أنها ما دامت جميعها دولا سنية فسيكون باستطاعتها إقناع السنة في العراق بالدخول في مفاوضات مع الشيعة، لكن المشكلة كما أراها تتمثل في أن الدول العربية الرئيسية قلقة من النفوذ الإيراني في المنطقة، إنهم يتخوفون من وجود الحكومة العراقية داخل نطاق أو نفوذ النظام الإيراني، لذلك ليس بالضرورة أن يكون ما يريدونه هو نوعا من التسوية.. إنهم يرغبون في مقاومة النفوذ (الإيراني)".. انتهى كلام الباحث الأميركي.‏

هذا الحراك السياسي الكبير يوازيه تحرك أمني واستخباري لافت، حيث التقت وزيرة الخارجية الأميركية غونداليسا رايس مع رؤساء أجهزة استخبارات دول عربية هي ذاتها الدول التي حضرت اجتماع إسلام آباد. وبموازاة هذا الاجتماع المعلن ذكرت مصادر صحافية في عرب فلسطين الـ48، أن مبعوثين أمنيين رفيعي المستوى من دول إقليمية ودولية تعمل ضد إيران وترفض حصولها على قدرات نووية، عقدوا مؤخرا اجتماعا في "اسرائيل" بحضور رئيس جهاز المهمات الخاصة الإسرائيلي وقيادات استخبارية وأمنية اسرائيلية، لمناقشة تفاصيل خطة تستهدف ضرب الاستقرار الداخلي في إيران.‏

في المشهد المقابل تبدي إيران صلابة كبيرة، وتقوم بتثبيت ثلاثة آلاف جهاز طرد لتخصيب اليورانيوم في معمل "ناتانز"، مع استعداد للتفاوض من دون التخلي عن حقها النووي، حيث تبدو أميركا المستنزفة في العراق لا تعرف الكثير عن القدرات والاستعدادات الإيرانية لأي مواجهة، قلقة من مجابهة إيران عسكريا، وهي تسعى لإشعال فتنة مذهبية في العالم الإسلامي تحقق لها ما عجزت عنه بقوّتها الذاتية.. إضافة إلى تحريك موضوع مجلس الأمن الدولي، في سعي لفرض عقوبات على إيران يمكن من خلالها إضعاف الاقتصاد الإيراني.‏

بيد أن أميركا المتعثرة تواجه معارضة قوية من روسيا والصين، حيث ترفض كلا الدولتين مبدأ العقوبات القاسية وتحبّذ سياسة التفاوض بدلا عن استعراض العضلات الأميركي الذي يشاهد العالم نتائجه الكارثية، حسب ما صرّح به ذات مرة الرئيس الروسي فلاديميير بوتين.‏

إذن أميركا تبحث عن حل يخلصها من تخبطها وهي تهدد، أما إيران فثابتة على مواقفها، ولا تبدو مستعدة للتنازل عن حقها في الحصول على التقنية النووية، وهي تتحضر للأسوأ حسب ما تورده تقارير الصحافة الأوروبية، التي بدأت تتحدث عن استعدادات إيرانية لكل الاحتمالات، حيث لن ينفع أي حل لا يأحذ مطالب ومصالح إيران بعين الاعتبار، ولن يستطيع الحلفاء الضعاف أن يحققوا لأميركا القوية ما عجزت هي عن تحقيقه.. هذه هي الحقيقة واضحة وضوح الشمس في عيني بوش وهو يشاهد احتضار مشروعه.‏

الانتقاد/ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس 2007‏

2007-03-02