ارشيف من : 2005-2008

المنطقة بين الصراع الحقيقي والصراعات المفتعلة

المنطقة بين الصراع الحقيقي والصراعات المفتعلة

يمكن العثور أخيراً على حلول للمشكلات المتفجرة ـ بنسب مختلفة ـ في فلسطين والعراق ولبنان وبلدان أخرى في المنطقة؟ تلك هي بوجه عام الأسئلة التي تجول في أذهان المحللين أمام التطورات الراهنة التي يشهدها هذا القسم من العالم.‏

وعندما يجيب المحللون عن هذه الأسئلة، يستخدمون ترسانة من المعادلات التي طبخ أكثرها في معامل البروباغندا الأميركية الإسرائيلية، في مقدمتها معادلة المواجهة بين معسكر الخير والاعتدال ممثلاً بأميركا و"إسرائيل" وحلفائهما، ومعسكر الشرّ ممثلاً بالأنظمة الدكتاتورية أو الشمولية أو المتطرفة أو غير المسؤولة، وفقاً لآخر ما تفتّق عنه ذهن كوندوليسا رايس ومستشاريها. تأتي إلى جانبها أو خلفها معادلة الانقلاب "الإيجابي" في المفاهيم والمواقف التي يتم بموجبها على سبيل المثال لا الحصر، تحول "إسرائيل" في أذهان بعض العرب من كيان توسعي وعدواني إلى آخر الصفات المتعارفة منذ العام 48 وما قبله، إلى كيان ديمقراطي تخلى عن نزعاته التوسعية والعدوانية وبات من الممكن التعامل معه بلغة الحوار، أو حتى التحالف معه لضرب هذا النظام الموسوم بالدكتاتورية، أو تلك المنظمة الموسومة بالإرهاب.. أو تحول زعيم كصدام حسين دعمته معظم الأنظمة الدولية والعربية في حربه على إيران، ثم شنت عليه حربين متتاليتين قبل أن تحوله ـ بعد أن أصبح سجيناً بلا حيلة ـ إلى رمز للقومية وضحية لا لصواريخ "توما هوك" وقوات التحالف التي قتلت أكثر من ثلاثة ملايين عراقي منذ العام 1991، بل لقوى كانت غائبة تماماً عن المسرح أثناء التخطيط لضربه في واشنطن وتل أبيب والعديد من العواصم العربية. كما تأتي في السياق نفسه معادلة تحويل المال المسيّس إلى فاعل أساسي في خدمة المشاريع الهاجمة على المنطقة.‏

ففي يوم واحد، الاثنين الماضي (26/2/2007)، وهب الاتحاد الأوروبي نصف مليار يورو الى بلد عربي كبير لمساعدته في إصلاح نفسه على طريقة صندوق النقد الدولي، أي في دفعه نحو المزيد من مفاقمة أزماته.. وتعرض بلد إسلامي كبير لتهديد أميركي بوقف المساعدات عنه إذا لم يقم بدور أكبر في مكافحة الإرهاب.. وكلا الأمرين ينتمي إلى السياق نفسه الذي تستخدم فيه المساعدات المالية الغربية والعربية كوسائل لإغراء الفلسطينيين واللبنانيين بالتخلي عن قضيتهم المصيرية، لقاء "راتب" لشهر أو شهرين أو لقاء أمل باختلاس حصة وافرة من هذه المساعدات. وبين كل هذا وذاك جحافل من التفاصيل الذاهبة كل مذهب في هذه المعمعة المتلاطمة من الآراء والمواقف والمؤامرات المفتوحة على الفتن المريعة في أجواء تلفها الظلمة الدامسة أكثر بكثير مما تضيئها أشعة النهار. ما الذي يحدث بالفعل؟‏

أبعد بكثير من الاشتباك بين حماس وفتح، ومن الثلث الضامن أو المعطل، ومن الجولان وشطّ العرب والصحراء الغربية والجنجاويد.. قبل أكثر من عشرين عاماً قالت مارغريت تاتشر إن العدو بعد انهيار الشيوعية هو الإسلام، دون تمييز بين تطرف واعتدال. وبعدها لم يوفر أمثال جورج بوش وبرلسكوني فرصة دون استحضار فكرة الحرب الصليبية. الرسوم الكاريكاتورية وغيرها من الإساءات الموجهة إلى رموز الإسلام الكبرى هي غيض من فيض الحملات المركزة على الإسلام من أبواب العلوم الاجتماعية والثقافة والعادات والتقاليد التي تجتاح الساحة عبر وسائل الإعلام في العالم العربي ـ الإسلامي نفسه. الإرهاب الذي يسعى جورج بوش إلى اجتثاثه بضرب جذوره في عمق العقيدة الإسلامية والقرآن ومناهج التعليم.. واجتثاث الإرهاب يقتضي تنظيم حملة واسعة ومركزة تشارك فيها أنظمة عربية وإسلامية عديدة، لتنظيف هذه العقيدة مما يوصف بأنه حض على الكراهية والقتل وعدم الاعتراف بالآخر، لكي لا يبقى من الإسلام غير جانبه الفولكلوري والفني، كرقصات الدراويش والعربسات في الخطوط والأشكال، والحجاب الصالح لاحتلال موقع في عروض الأزياء.‏

وحتى ذبح الخراف في الأضحى أو قيام التجار ـ وهم ليسوا بالضرورة من المسلمين ـ بنقل الأضاحي من نيوزيلندا إلى الحجاز في ظروف تنتقدها جمعيات الرفق بالحيوان، يستخدم وسيلة للتشنيع على الإسلام. وكيف يمكن إدراج الحفريات الإسرائيلية حول المسجد الأقصى في منطق غير منطق العداء للإسلام بما هو إسلام، دون تمييز بين تطرف واعتدال؟ وكيف يمكننا أن نفهم التشنيع الدائم على بلد كالسعودية لأسباب من نوع النساء وقيادة السيارات، وعلى بلدان الخليج الأخرى من خلال الصورة التي تروّجها هوليود عن العربي الفظ والجاهل الذي يعوم في بحر من الدولارات، إذا لم يكن المسلم والعربي مستهدفين بما هما كذلك، بصرف النظر عن التطرف والاعتدال؟‏

لكي نفهم ما يحدث، يمكننا ـ إذا ما عسر علينا فهم ما تعنيه تدخلات تشيني ورايس وفيلتمان في محاولة رسم سياسات المنطقة بالشكل المتناسب مع ضرورات ابتلاعها ـ يمكننا أن نعود بالذاكرة إلى تلك اللحظات التي شهدت نهاية الخلافة الإسلامية الأخيرة.. ضابط في الاستخبارات البريطانية تمكن من استعمال ما سُمي بـ"الثورة العربية الكبرى" كرافعة أساسية من روافع الإجهاز على الخلافة العثمانية التي لم تتلقَ يومها غير دعم عربي وحيد من شيعة العراق. كانت خرائط "سايكس بيكو" معدة سلفاً لكي يمكن الجنرال اللنبي أن يدخل القدس ودمشق بعد الطلائع العربية، ليقف منتصراً على قبر صلاح الدين الأيوبي ويقول له قولته الشهيرة حول انتهاء الحروب الصليبية. الحرب العالمية الأولى لم تكن ـ لأن ألمانيا المهزومة عادت أقوى مما كانت قبل الحرب ـ حرباً جدية بمقدار ما كانت مسرحية لدفع المعادلة الدولية نحو وعد بلفور. والحرب العالمية الثانية لم تكن ـ نظرا لما فعلته الأصابع اليهودية في تفجيرها ـ حرباً بين الديمقراطية والفاشية، بقدر ما كانت دخاناً كثيفاً لفّ العالم للتغطية على اغتصاب فلسطين، في وقت لم يكن فيه شيء مما يسمى الآن بالتطرف والاعتدال.. وكل الأحداث التي جرت في المنطقة منذ حرب السويس وصولاً إلى احتلال العراق، هي استكمال منطقي لتاريخ يعيد نفسه منذ أثينا وروما وتدمر وقرطاجة حتى اليوم، مروراً ببيزنطية وغرناطة.. تاريخ طويل لم يتمكن فيه الغرب من حسم الصراع لمصلحته لأسباب قد ندرك بعضها ويخفى أكثرها على تحليلات المحللين.‏

ما يمكن قوله بكل ثقة، هو أن الأحداث الكبرى التي شهدها الربع الأخير من القرن العشرين، خصوصاً انهيار المعسكر الشيوعي، قد خلق انطباعاً بإمكانية الحسم السهل والسريع وإيصال التاريخ إلى نهايته، تحديداً على أنقاض العالم الإسلامي، عبر سلاسل من الحروب العسكرية وغير العسكرية التي تطال جميع بلدان العالم الإسلامي. لكن الحروب الاستباقية التي شُنت على أفغانستان والعراق بالارتكاز إلى ضخامة الموازنات العسكرية والأسلحة الكلية القدرة، لم يكن بمقدورها أن تستبق التاريخ لمعرفة مخبآته. كان الرئيس بوش يتوهم أن جيوشه ستُستقبل بالرقص والغناء على الطريقة التي كان يُستقبل بها المستكشفون في جزر المحيط الهادئ، لكن أفغانستان والعراق انكشفتا عن أتون حقيقي تبخرت في حرارة حممه أحلام بوش وإدارته بالنصر الذي طالما تحدثوا عنه، وبمشروعهم للشرق الأوسط الجديد. وبدلاً من وضع حد للأوهام، هرب الرئيس بوش إلى الأمام متصوراً أن بإمكانه أن يستدرك في لبنان ما فاته في العراق وأفغانستان, فجاء عدوان تموز/ يوليو الماضي ليضيف إلى الهزيمة هزيمة أشد مرارة، ليس فقط بما أظهرته من عجز "إسرائيل" عن القضاء على حزب الله، بل خصوصاً بما كشفته من عنكبوتية الجيش الإسرائيلي المعتاد على الانتصارات المجلجلة. ولم يكن قفز بوش في الفراغ عندما فتح جبهة للحرب في الصومال بأفضل حالاً مما كابده على الجبهات الأخرى.. ألا تدفع كل هذه الهزائم إلى الجنون بشخص كان قبل خمس سنوات يتوهم أنه بات قاب قوسين أو أدنى من التربع على قمة العالم؟ أليس الجنون بعينه هو ما يدفع مهزوماً في العراق وأفغانستان والصومال إلى التحرش بقوة كإيران، يمكنها برغم التفاوت في القدرات، أن توجه للأميركيين وحلفائهم ضربات أكبر بما لا يقاس من تلك التي يتلقونها في تلك البلدان؟ من الأكيد أن الرئيس بوش ـ عاقلاً كان أو مجنوناً ـ يرغب في ضرب إيران، وضرب إيران هو ما تحرك به بكل "تعقل" أسلاف بوش الجمهوريون والديمقراطيون، منذ تفجر الثورة الإسلامية عبر طبس والمحاولات الانقلابية وآلاف التفجيرات وأعمال التخريب والاغتيال، وخصوصاً عبر حرب الخليج الأولى.. وضرب إيران هو ما تهدف إليه الاستراتيجيات الأميركية عبر احتلال أفغانستان (عند حدود إيران الشرقية)، ثم العراق (عند حدودها الغربية)، وعبر إحاطتها بالقواعد العسكرية في الخليج والقفقاس وآسيا الوسطى والمحيط الهندي، إضافة إلى الأسطول الخامس وحاملات الطائرات التي يُعجَّل بإرسالها إلى المنطقة.. وإضافة بالطبع إلى "إسرائيل" التي تطلب الحصول من البلدان العربية على تراخيص لممرات جوية لضرب إيران.‏

بعض المراقبين يضعون ذلك كله في خانة التهويل والضغط لخلق مناخات أفضل لإطلاق حوار مع إيران وسوريا، بعدما تبين أنهما القوّتان الأكثر فاعلية في تقرير مصير المنطقة. وبعضهم الآخر يأخذ تهديدات أميركا و"إسرائيل" مأخذ الجد، مع الاعتراف بأن المواجهة قد تأخذ بعداً خطيراً من شأنه تفجير المنطقة والعالم بأسره، نظراً إلى الخطر الأكيد الذي سيتهدد الشريان النفطي العالمي. وفي الحالتين يظل الرهان الأميركي ـ الإسرائيلي أساسياً على حصان الفتن المذهبية والعرقية والعشائرية والحزبية المهلكة للحرث والنسل، ما يستلزم من قبل حكومات المنطقة وشعوبها صحوة فعلية للخروج من الصغائر والمماحكات الضيقة، والتصدي للأخطار المصيرية الكبرى.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس 2007‏

2007-03-02