ارشيف من : 2005-2008
قراءات أميركية خاطئة..احتجاز عمار الحكيم وغضب الشارع العراقي على واشنطن
العزيز الحكيم من السفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاد ان تفعلها واشنطن حتى لا تتكرر حادثة احتجاز نجله السيد عمار الحكيم، الأمين العام لمؤسسة شهيد المحراب والشخصية القيادية البارزة في المجلس الأعلى والمقرب جدا من أوساط المرجعيات الدينية في مدينة النجف الأشرف.
والأمور الثلاثة هي: تشكيل لجنة تحقيق للوقوف بدقة على حقيقة ما جرى وتفسير ما جرى، وضرورة اتخاذ إجراءات كفيلة تضمن أن لا تتكرر مثل هذه الحوادث السيئة التي تقوم بها القوات الأميركية.
بعبارة أخرى طالب الحكيم بإعادة النظر بقواعد التفويض الممنوح للولايات المتحدة الأميركية في العراق.
وفي الحقيقة فإن التفويض الممنوح حدده قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 1546، بشكل جعل السلطة الأكبر بيد الحكومة العراقية، ووضع سياقات عمل وتحرك قوات الاحتلال في اطار سلطة الحكومة، بحيث ان الأخيرة هي التي بإمكانها أن تطلب تمديد ولاية تلك القوات او عدم تمديدها.
وإذا كان البعض يرى ان مظاهر ومناخات الاستياء من ممارسات القوات الأميركية في العراق واضحة وجلية منذ وقت طويل، وغالبا ما يعبر عنها من قبل هذا الطرف أو ذاك بصور وأساليب وأشكال مختلفة، فإن حادثة احتجاز السيد عمار الحكيم بعد عودته من ايران بطريقة يمكن القول عنها انها مهينة ولا تتناسب مع سياقات التعامل الصحيح والمفترض مع الشخصيات المهمة في العراق، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وفتحت الأبواب واسعة للتعبير عن مدى السخط والاستياء والغضب الرسمي والشعبي العراقي مما تقوم به الولايات المتحدة في العراق.
ومهما يكن الأمر، فإن القبول بالتفسيرات والمبررات الاميركية بشأن حادثة الاحتجاز التي دامت بحسب السيد عمار الحكيم نفسه إحدى عشرة ساعة، وشهدت تجاوزات عديدة ومعاملة فظة، كاد يكون معدوما وغائبا بالمرة، وبيان المجلس الأعلى حول توضيحات المنسق الإعلامي للمركز الدولي المشترك في قوات الاحتلال عن ملابسات الاحتجاز عكس رفضا كاملا للتفسيرات والمبررات المطروحة، وأراد ان يقول بعدم صحة ما سمّاها ادعاءات المنسق الإعلامي المذكور جملة وتفصيلا.
وبالفعل فإن الحجة الأساسية للاحتجاز بدت واهية للغاية، وهي انتهاء صلاحية جواز سفر الحكيم، اذ ان ذلك على فرض صحته، فهو يمثل قضية ادارية وليست قضية أمنية او عسكرية او سياسية، والمسؤول عنها الجهات الحكومية المعنية بإجراءات دخول وخروج المسافرين وتدقيق وثائقهم.
الى جانب ذلك فإن السيارة التي كانت تقل الحكيم والسيارات الاخرى المرافقة له هي من النوع الذي يستخدمه عموم المسؤولين العراقيين، وهي مشخّصة للقوات الاميركية.. والطريق الذي سلكه الموكب هو الطريق الرئيسي العام المتعارف عليه الذي يوصل الى العاصمة بغداد ومدن منطقة الفرات الأوسط، كالنجف وكربلاء والحلة والديوانية.
ولعل القراءات الاكثر واقعية وقبولا تتمحور حول فكرة ان الولايات المتحدة الاميركية تعمدت القيام بمثل هذه الخطوة لإيصال رسائل الى أكثر من طرف عراقي وغير عراقي.
فهي أرادت ان تبعث برسالة الى طهران مفادها ان حلفاءها وأصدقاءها معرضون لكل شيء، وأنه ينبغي عليها ان تبدي بعض المرونة وتقدم تنازلات في تعاطيها مع الولايات المتحدة، سواء بشأن العراق او في ما يتعلق بقضايا أخرى. كما أرادت واشنطن أن تبعث برسالة الى الأطراف والشخصيات السياسية القريبة من ايران او التي ينظر اليها على هذا الأساس، مفادها ان لديها القدرة على ضبط الحركة باتجاه طهران على كل المستويات، وأنه على تلك الأطراف والشخصيات ان تقلص وتحد من تلك الحركة طواعية.
وأرادت واشنطن أيضا ان توجه رسالة الى الأطراف التي تتهمها بأنها قدمت لإيران مكاسب وامتيازات في العراق على طبق من ذهب، وأتاحت لها الحضور بقوة في الميدان العراقي، والأطراف التي تقول بذلك هي في واقع الأمر بعض الدول العربية وبعض الجهات السياسية والدينية العراقية التي تتوجس وتتطير كثيرا من أي هيمنة من فريق ما على مقادير الأمور في العراق، ومفاد هذه الرسالة ان وشنطن تتعامل بحزم مع طهران وتحرص على منعها من الحصول على مواطئ قدم مهمة في العراق.
ولعل الساسة والعسكريين الكبار في الولايات المتحدة يسوقون جملة دلائل تؤكد توجههم هذا، مثل شن هجمات وحملات على مقرات تابعة لجهات ايرانية في العراق، واعتقال شخصيات ايرانية زائرة للعراق، ووضع اليد على كميات من الأسلحة التي يقال إنها مصنعة حديثا في ايران.
وحتى بالنسبة الى المجلس الأعلى ومنظمة بدر التي ما زال الأميركيون وغيرهم يعتبرونها الجناح العسكري للمجلس، فإن الحملات الإعلامية عليهما في بعض وسائل الإعلام الغربية والتهديدات المبطنة والاستفزازات، وآخرها حادثة الاحتجاز، يعدها الأميركيون جزءاً من الاستحقاقات السياسية للمرحلة القادمة، او بعبارة أخرى مفصلا من مفاصل استراتيجية الرئيس جورج بوش الجديدة في العراق.
ولكن هل يا ترى نجحت واشنطن من خلال عملية الاحتجاز وبالطريقة التي جرت بها، في إيصال رسائلها وإفهام الأطراف المعنية بفحواها ومحتواها؟
ما تولد من ردود أفعال ومواقف شعبية ورسمية واسعة وحادة أشار بصورة أولية الى ان واشنطن لم تنجح في تحقيق ما كانت تسعى اليه.. وأكثر من ذلك فقد صدمتها الرسائل الجوابية التي لم تتوقع ان تكون بهذه السرعة والحدّة.
ولا شك في ان التقاطعات في توضيح ملابسات الاحتجاز عكست قدرا غير قليل من الارتباك جراء طبيعة رد الفعل غير المتوقع، وقول مراكز القرار في واشنطن انها لم تكن على علم بخلفيات وظروف وأسباب الاحتجاز، يعبر في جانب منه عن تهرب وتنصل مما حصل، او محاولة لتمييع آثاره بامتصاص جزء من ردود الفعل بالادعاء ان الجنود كانوا يفترضون أنهم يؤدون واجباتهم الطبيعية.
أغلب الظن انه بعد الذي حصل في الشارع العراقي وفي الأروقة والمحافل السياسية، وما شهدته وسائل الإعلام العراقية، يجد راسمو السياسات الأميركية في العراق أنفسهم أمام حاجة ملحة لإعادة تقييم للممارسات وتشخيص للأخطاء لتفاديها بأقل قدر من الخسائر والاستحقاقات.
الانتقاد/ العدد 1204 ـ 2 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018