ارشيف من : 2005-2008

بعد 13 عاماً:مجزرة الخليل.. لم تنته وتتكرر يومياً في كل ركن وزاوية

بعد 13 عاماً:مجزرة الخليل.. لم تنته وتتكرر يومياً في كل ركن وزاوية

مستمرة يومياً كما قال الشاب خالد يوسف الذي نجا من تلك المجزرة الدموية.‏

فكل يوم تتكرر بشتى أشكال القمع والإرهاب الذي نتعرض له من قوات الاحتلال من جهة، والمستوطنين من جهة اخرى، وكلاهما يسعى لمسح وجودنا من هذه الارض المباركة وحرماننا من تأدية الشعائر الدينية في الحرم الإبراهيمي الشريف.‏

فوسط صور المجزرة المروعة التي ارتكبها المتطرف الإسرائيلي باروخ غولدشتاين والتي ما زالت حية في ذاكرة كل فلسطيني وخاصة ضحايا المجزرة من أهالي الخليل، فإن الجميع في المدينة المحاصرة والمجزّأة الأوصال يعيشون دوما، كما يقول خالد، حالة الخوف والقلق من وقوع مجزرة جديدة جراء تهديدات وهجمات المستوطنين واعتداءاتهم التي لا تتوقف للضغط علينا ولمنعنا من الوصول للحرم الإبراهيمي الشريف, الذي ما زالت تفوح في جنباته روائح الدم ولحظات الموت الغادر التي حصدت الشيوخ والشبان والاطفال برصاص المجرم غولدشتاين.‏

ذكريات مؤلمة‏

وكانت مدينة الخليل عاشت يوما دمويا اسود كما يتذكر خالد في يوم الجمعة 25/2/1994 عندما اقتحم ذلك المستوطن المجرم الحرم الابراهيمي اثناء تأدية الصلاة. ويضيف خالد: "بينما كنا نقف بين يدي الله عز وجلّ انهمر الرصاص الحاقد ليوقع 30 شهيداً وعشرات الجرحى والمصابين"، ويتابع: "للحظة لم أكن أتوقع ان يتجرأ أحد على بيت الله، ولكن ذلك الصهيوني الحاقد الذي نشأ وترعرع في مدرسة الحقد والكراهية للاسلام والمسلمين ارتكب جريمته الغادرة بدم بارد, وكنت بين المصلين عندما وقعت أرضا مضرجا بالدم في ساحة الحرم المبارك التي غصت بالدماء، وبعد لحظات فقدت الوعي بعدما عشت وانا انزف مشاعر الموت، فلم أكن اتوقع اني سأعيش لان اصابتي كانت في البطن، ولكن ارادة الله عز وجل كانت اكبر وأعظم من اجرام المجرم غولدشتاين الذي ما زالت آثار رصاصته تمزق معدتي بعدما اورثتني المرض والالم الذي سيرافقني طوال العمر".‏

الخليل وظروف مأساوية‏

وفي زخم الذكرى الحزينة وألم المجزرة الموجع تعيش اليوم مدينة الخليل ظروفاً مأساوية لان قوات الاحتلال منذ المجزرة تواصل تنفيذ إجراءات تعسفية للتضييق على اهالي الخليل في كل مجالات الحياة ـ وذلك كما يقول عماد حمدان منسق لجنة اعمار الخليل ـ بهدف السيطرة على كل المناطق الفلسطينية وتفريغها من أصحابها، فعمليات المصادرة والاغلاق مستمرة بهدف تغيير الطابع الديمغرافي والسكاني للمدينة، وبشكل خاص في البلدة القديمة ومحيط الحرم الابراهيمي الشريف.‏

فمنذ المجزرة بدأت قوات الاحتلال بتطبيق سلسلة من الإجراءات والقوانين التعسفية وتحديدا في البلدة القديمة التي يستوطن فيها 400 مستوطن إسرائيلي لا يتورعون عن استخدام كل أشكال الإرهاب والقمع بحق الأهالي.‏

ويقول موسى جمال من لجنة التصدي للاستيطان ان الزحف الاستيطاني المدعوم من جيش الاحتلال ادى لمصادرة عدد كبير من المنازل والأراضي التي استولى عليها المستوطنون عنوة برغم ان اصحابها يمتلكون مستندات ووثائق تؤكد امتلاكهم لها منذ عشرات السنين، ولكن بقوة السلاح وعربدة المستوطنين فرضوا سياسة الأمر الواقع التي شردت عشرات العائلات واغلقت عشرات المحلات والمصانع والمنشآت.‏

وبينما يسرح ويمرح المستوطنون في المنطقة فإن عدة مناطق اصبحت مغلقة بشكل كامل امام الفلسطينيين اصحاب الحق الشرعي، ومنهم نجدت سالم الذي فقد ثلاثة منازل ومصنعاً صغيرا بعدما احرقه المستوطنون، وما زال محروما من العودة لمنزله الذي تقيم فيه عائلات المستوطنين.‏

وأفادت احصائية اصدرتها بلدية الخليل انه منذ المجزرة الوحشية وحتى اليوم فإن قوات الاحتلال دمرت كل مقومات الحياة والاقتصاد في المدينة, فالحواجز وعمليات الاغلاق وحملات المصادرة والحصار الداخلي ادت لاغلاق الشوارع والمناطق الحيوية والهامة التي تشكل عصب الحياة، خاصة في منطقتي الشهداء والشلالة، اضافة لاكثر من الف محل ومصنع ومنشأة تجارية جميعها اغلقت وما زال الفلسطينيون ممنوعين من استخدامها بذريعة الاجراءات الامنية.‏

وتيرة استيطانية متسارعة‏

وقال مفيد صبحي من لجان مقاومة الاستيطان ان هناك وتيرة متسارعة لتنفيذ المشروع الاستيطاني القديم الجديد في الخليل التي صمدت طوال السنوات الماضية في مواجهة المحتل وعنجهيته ومستوطنيه، وما زالت المعركة مستمرة في التصدي لمحاولات الاحتلال تشريع اغتصابه لأرضنا وحقنا، ولعمليات التهويد في احياء الخليل المختلفة كحارات التل وحيطون والشيخ والصمود، بينما فشلت كل الجهود التي بذلت في الغاء قرار الاغلاق الكامل للشوارع الرئيسية التي يحظر على المواطن حتى الاقتراب منها.‏

ويضيف أن "الجزء الذي لا يقل خطورة هو هجمات المستوطنين ليل نهار، وتنكيلهم بالمواطنين واطلاق النار عليهم وترويعهم بالمزيد من امثال غولدشتاين الذي يحتفل المستوطنون سنوياً بما ارتكبه من جرائم بحق شعبنا".‏

وقال علاء عبد الخالق ان ابناءه الاربعة يعانون من اصابات بالغة بسبب اعتداءات المستوطنين التي ارغمتهم وعائلته على ترك منزلهم بعدما استولوا عليه بالقوة, بينما قال صلاح عبد الرحيم انه اعلن افلاسه بعدما حرم على مدار السنوات الماضية من فتح محلاته او نقل معداته التي نهبها المستوطنون وانضم لجيش المفلسين المحاصرين بالديون، وليس فقط العاطلين عن العمل.‏

اجراءات خطيرة في الحرم الابراهيمي‏

الاجراءات الامنية في الحرم الابراهيمي الشريف اتخذت مناحي اكثر خطورة، فقوات الاحتلال، كما افاد رئيس الحراس في الحرم الشيخ سعود الخطيب "وضعت الكثير من الاجراءات لعرقلة وصولنا اليه، ففي إجراء متعمد تقام الحواجز والبوابات الالكترونية وينتشر الجنود الذين ينتقمون من الأهالي لإرغامهم على التوقف عن زيارة الحرم، وهناك اعتداءات يومية على المصلين خاصة الشبان وكأن لسان حالهم يقول: كل من يريد دخول الحرم عليه ان يتعذب اولاً حتى لا يفكر بالعودة اليه مجددا".‏

واضاف الخطيب: "لم تكتف قوات الاحتلال بذلك بل قسمت الحرم لقسمين، منحت فيه غالبية المساحة التي بلغت اكثر من 65% للمستوطنين، ونصبت عشرات الكاميرات التي لم يبق عليها سوى رصد أنفاسنا بعد تحركاتنا"، واضاف "المستوطنون يتحكمون بغالبية مساحة الحرم، والجيش يتحكم بكل حركة، وما تبقى للمسلمين هو 35% يقع فيها مقام النبي اسحاق عليه السلام، وجزء من مقامي النبي ابراهيم عليه السلام وزوجته سارة ومقام السيدة رقية". وأكد أنه لا يسمح للمسلمين بزيارة مقام سيدنا ابراهيم، انما المسموح به فقط النظر من نافذة تطل عليه وقراءة القرآن، بينما يسمح للمستوطنين بممارسة كل شعائرهم بحرية تامة وسط تسهيلات وحراسة الجيش الذي نصب نحو 30 كاميرا للمراقبة، وحتى تسجيل اصوات المصلين ومراقبة الصلاة وأي حركة، أضف لذلك عمليات الاستفزاز التي لا تتوقف خاصة بحق الشبان حيث يتم احتجازهم او تفتيشهم او اعتقالهم دون سبب في محاولة لمنع المسلمين من الصلاة، بينما توفر للمستوطنين كل الظروف المناسبة. فبحسب وجهة نظرهم فإنهم يعتبرون الحرم مكانا خاصا بهم ويحظى بقدسية كبيرة، ويسعون لمنع المسلمين من دخوله، ولطالما اسمعونا عبارة انكم تدنسون الحرم.‏

الصمود والتحدي‏

"لن نغادر ارض خليل الرحمن حتى لو ارسلوا لنا مئة غولدشتاين" قال ابراهيم سمعة التاجر الذي فقد كل مدخراته وأملاكه بعدما استولى عليها المستوطنون، واستشهد عدد من اقاربه واعتقل عدد آخر. واضاف معبرا عن موقف اهالي الخليل "مهما واجهنا من مصاعب وهموم ومنغصات احتلالية، الخليل لنا ولن نتخلى عنها، وسندافع عن الحرم بأرواحنا".‏

أما منسق لجنة الاعمار فأكد أنه هناك قرار واضح في الخليل، الصمود والتحدي ومواجهة المخططات الاسرائيلية، وبرغم الخوف والقلق فإن الايمان اقوى واعظم، لذلك هناك حملات شعبية مستمرة في مواجهة الاجرام، والمعركة لن تحسمها بنادقهم او مستوطنوهم.‏

وقالت الحاجة يسرى الخليلي: "لو زحفت على الارض لن اصلي الا في الحرم.. ومش رايح اخاف من جيشهم ومستوطنيهم وإحنا اقوى منهم".‏

اما الناجي من المجزرة شوكت الشيوخي فقال "تعرضت لاطلاق النار وحاولوا قتلي، ولكن الله منحني الحياة، وهذه حياتنا التي يملكها الله نكرسها لحماية الحرم كما الاقصى والدفاع عن الخليل كما القدس، وبرغم مأساتنا المستمرة ومجازرهم اليومية فلا يوجد خيار آخر، هذا قدرنا كفلسطينيين ان ندافع عن ارض الرباط ونحمي مسرى الرسول عليه السلام ومهد المسيح عليه السلام وخليل الرحمن ارض سيدنا ابراهيم عليه السلام".‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1204 ـ 2 آذار/مارس2007‏

2007-03-02