ارشيف من : 2005-2008

"حياتي" لـ"هاشمي رفسنجاني":عندما يكون الديني أصلاً للسياسي والثقافي

"حياتي" لـ"هاشمي رفسنجاني":عندما يكون الديني أصلاً للسياسي والثقافي

تقِفُنا على منابع الاستقاء الدينية والعقائدية والمشارب الفكرية والثقافية لكاتبها بصفته أحد صانعي التاريخ الايراني الحديث في عالمنا المعاصر.‏

فالشيخ رفسنجاني، هو من رجالات الثورة الاسلامية الايرانية المعدودين، ورموزها المشهودين، هي التي صَدَعَ بها، وقاد مسيرتها المظفّرة الإمام الخميني الراحل (قده)، والتي شكلت منعطفاً أساسياً وخطيراً، بل نوعياً في تغيير الوجهة السياسية لمنطقتنا وللعالم في تاريخنا الحديث، وذلك بانتصارها الرائع والحاسم، وبنائها للدولة الاسلامية الحديثة على أنقاض الحكم البهلوي الشاهنشاهي الفاسد والمفسد الذي كان "هو القاعدة الاميركية الأساسية في المنطقة".‏

لذا فإن هذا الكتاب السيرة يروي وبالتقاطع جزءاً من التاريخ الإيراني الملتهب، هو ليس إلا وثيقة ممن شهد (فاعلاً) الثورة الإسلامية بالبصر والبصيرة، حاملاً روحه على راحتيه، ملقياً بها في حومة الصراع، متوخياً أن ينال رضا ربه بالشهادة، فكتبت له الحياة بالنصر، كما جاء في مقدمة هذه السيرة التي تنضح حركة وحيوية شاهدة على حراك صاحبها الديني السياسي الاجتماعي ككل واحد، لا يتجزأ، نابعة عوامله التأثيرية من شخصيته التي قدّر لها وبفضل قابلياتها الفطرية واستعداداتها المعنوية وتربيتها العائلية، وتعاليمها الدينية، وتأثيرات قدوتها الفكرية ـ أن تلعب على المسرح الديني ـ السياسي والاجتماعي الايراني، حيث سيطرت "روح عاشوراء، كعنوان لأرقى فكرٍ مقاوم للطاغوت في التاريخ، دوراً نضالياً بارزاً وحاسماً، وخلاقاً أيضاً، إذ تقدم لنا هذه السيرة شخصية تجسّد فيها الإسلام المتحرك (العملي)، فيستوقفنا حياؤها الديني وعفّتها واستقامتها وإخلاصها لالتزاماتها، وصدقها، وجرأتها في الحق ـ الخ، ويلفتنا أيضاً الأسلوب التلميحي الذي استنسبه الكاتب في تقويمه لنفسه متجنباً "الادعائية" بإطلاق، وكأنه يتحدث عن غيره لا عن نفسه بالرغم من اعتماده الـ"أنا" كتقنية أساسية لكتابة السيرة الذاتية.‏

فباجتماع الديني (الفقهي) إلى السياسي (العلمي) إلى الثقافي (النخبوي) في شخصيته استطاع الشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني أن يوظف قدرة هذا الخليط، توظيفاً أقدره على التمتع بمزايا "رجل المرحلة"، من خلال مواقفه التي استلزمتها دقة وحراجة الظروف المحيطة بها، وهذا هو سر كون سيرته نضالية بامتياز ـ من أي الجهات أتيتها ـ منذ بدء انطلاقه في دروب الحياة الطويلة والشاقة ورحابها الواسعة.‏

فالشاب طالب العلم في الحوزة، ثم المدرّس الحوزوي (الذي أصبح أباً لخمسة أولاد) أدخله النظام الملكي الحاكم إلى السجن بسبب نشاطاته المعادية له، وكأي سجينٍ سياسي، في أقبية نظام حديدي، تعرض لأقسى أنواع التعذيب الوحشي المختلفة المصحوبة بأساليب التحقير والإذلال اللذين بلغا الأوج، خرج من السجن بقدمٍ مكسورة العظام، هو الذي قُتل بعض رفاقه تحت التعذيب، وبالرغم من ذلك كله، لم ينتزع منه اعتراف واحد يضر بالثورة، وكان عصياً على التطويع والاحتواء إلى أبعد حد بسبب طمأنينته الروحية التي قوّت "استعدادي للمقاومة والصمود".‏

فعدائيته للنظام الاستبدادي لم تكن عرضية مطلقاً، بل كانت نهجاً خطه لنفسه منذ تفتح وعيه على الحياة، فهو من بيت ديني عريق في أصوله ومبناه، إذ يبدأ سيرته بالنحو التالي: "تلقى أبي قدراً من العلوم الحوزوية والسبب أنه كان يعيش في الريف، كان مؤذّن القرية، وكان لسيرته وأفعاله تأثير كبير في التربية الدينية والأخلاقية لأبنائه وأقاربه وأنسبائه... ويقوم في القرية بالخدمات الدينية ووعظ الناس وإرشادهم، إلى حد ما، وكان يميل إلى التحرر من أي عملٍ، يمكن أن يربطه بشكل من الأشكال بأجهزة الدولة (البهلوية)... في الخامسة من عمري استفدت من معارف الوالد..".‏

كان الفتى أكبر في الرابعة عشرة من عمره، حينما شدّ الرحال إلى "قم" لتلقي العلوم الدينية والمدنية العالية وذلك "عندما لم يعد الكُتّاب بقادر على الاستجابة لتساؤلاتنا". ولأول مرة في حياته عرف ما هي المدينة بمعالمها وأجوائها، في وقت كانت قريته لا تعرف المذياع ولا الطرقات المعبّدة ولا السيارات "قطعنا المسافة بين القرية وطريق عام "رفسنجاني يزد" على البغال، ومسافتها سبعة فراسخ، وكانت تستغرق عادة يوماً كاملاً. ومنذ وصوله إلى "قم" آتياً من "يزد"، ارتدى زيّ علماء الدين، وارتقى مدارج الدعوة الاسلامية في الحوزة. تتلمذ على علماء كبار مشهورين في زمنهم، في العلوم الدينية والآداب والفلسفة، لكن التأثير الأكبر على شخصيته كان لشخصية وأفكار الإمام الخميني الذي "كان شخصية مرموقة ومحترمة في الحوزة" فـ"الفوائد الأساسية، العلمية والأخلاقية والفكرية، قد اكتسبتها في محضر الإمام الخميني"، فكانت فرصته المنعطف في حياته التي وجهتها الوجهة الأخيرة: فقد "كان حبّي للإمام أقوى بكثير من حب الابن لأبيه".‏

ان تفاصيل هذه السيرة تشهد على حقيقة رجلٍ عصامي، مبدأ وسلوكاً هو الذي لم يجد "مطلقاً في أي مكان أو أية ظروف نصاً يعادل القرآن في بناء شخصية الإنسان". (ص198).‏

وقد ألحقت بهذه السيرة ملاحق تضمنت مقدمتي كتابي رفسنجاني: "القضية الفلسطينية: مأثرة الاستعمار السوداء" و"أمير كبير" أو "بطل مقاومة الاستعمار"، ونص مقدمة مقررات مجلس شورى الثورة، ووثائق الاستجوابات التي تعرض لها المؤلف والمستندات الخاصة بملفات المخابرات الشاهنشاهية، ورسائل متبادلة بين قادة الثورة، ووثائق خطيرة لجهاز "السافاك" أمرت بتصفية كثير منهم، اضافة الى ثبت مسلسلٍ بالأحداث المفصلية في تاريخ ايران منذ العام 1934 حتى 1979 عام انتصار الثورة.‏

أحمد ياسين‏

الانتقاد/ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس 2007‏

2007-03-02