ارشيف من : 2005-2008
اللحن في اللغة العربية:الخطاب الإعلامي المرئي نموذجاً
غالباً لغة البلد الأساسية في بند خاص من بنود الدستور، مع مراعاة الحفاظ عليها وصونها والنأي بها عما يمكن أن يشوّهها أو يضعفها، ولذلك وُضعت أولاً القواعد اللغوية الضابطة للَّفظ والكتابة، لتشكل حاجز الدفاع الأول عن اللغة لحمايتها من الخطأ، ورُوقبت حركة الوفود ـ للكلمات والمصطلحات الأجنبية ـ الى معاجم اللغات، لضبط حركة هذا الوفود ثانياً.
"تقعيد" اللغة العربية
ولا تشذ اللغة العربية عن هذه القاعدة العامة في شيء، بل إن العرب كانوا بارعين في هذا المجال، فعملوا على ضبط لغتهم ـ لفظاً وكتابة ـ بأن سنّوا القواعد النحوية الخاصة التي عُنيت بأقسام الكلمة الثلاثة: الاسم والفعل والحرف، فاتضحت الصورة النحوية للكلمة، ثم اشتغلوا على بنية الكلمة وتركيبها بما عُرف بعلم الصرف، الذي شمل أبواباً متعددة، منها اشتقاق الأسماء من لفظ الفعل، والنسبة والتصغير، وصولاً الى قواعد الإملاء التي ضبطت رسم الكلمة، وخاصة كتابة الهمزة.. فضلاً عن التعريب (جعل الكلمة الأعجمية عربية)، فغدت لغة العرب من أكثر اللغات "تقعيداً" (من القاعدة)، وظهر في هذا المجال أعلام أبدعوا في صوغ قواعد اللغة العربية نحواً وصرفاً، فبرزت أسماء ما إن تُذكر حتى تُذكر معها لغة العرب، نظير سيبويه الذي برع في لغة العرب وأصله فارسي.
الاشتراك بين اللغات وتطورها
إن المتتبع للغات على اختلافها يجد اشتراكاً جلياً وتداخلاً بيِّناً بين معظم اللغات المتقاربة في لفظها ورسمها، فضلاً عن تلك المشتقة من عدد من اللغات أو المتحدة في أصلها. واللغات جميعاً خاضعة لمبدأ التطور الذي يطرأ ـ نتيجة عوامل عديدة ـ على مفرداتها، فيُنقص منها تارة كلمات لندرة استعمالها، ويزيد عليها طوراً آخر كلمات أخرى ليست منها لكثرة استعمالها.. وكانت حال لغة العرب ـ وهي لغة مشتقة ـ متماشية مع هذا الواقع، فكانت تدخل الى لغتهم ألفاظ ليست عربية يألفونها في لفظهم وكتابتهم، مثل الإبريز: الذهب الخالص (يونانية)، الإبريسم: الحرير (فارسية)، البطاقة: الورقة (آرامية)، البُقجة: الصرّة من الثياب (تركية).. إلخ. حتى إن القرآن الكريم قد استعمل بعض تلك الألفاظ التي استعملها العرب من قبل وهي غير عربية، مثل الأباريق، وهي مفردة فارسية.
الحداثة وأثرها في اللغة العربية
إن هذا التطور والنمو الطبيعي الذي كان سائداً لم يكن يؤثِّر في بنية اللغة العربية، حيث كان الأمر مقتصراً على بعض الكلمات التي تدخل ببطء لتنضم الى معاجم اللغة العربية، مع الإشارة الى أصلها ومصدرها.. ولكن الحال تغيرت مع عصر الحداثة الذي نعيش بين ظهرانيه، حيث أصبحت لغتنا العربية ـ ولو استعمالاً ـ مليئة بالمفردات الأجنبية التي لا يوجد مرادف لها في لغة العرب، وخصوصاً أسماء الآلات الحديثة والمصطلحات العلمية والإعلامية التي تغزو "مجالنا اللغوي"، من دون أن تجد أي رادع، فضلاً عن صعوبة انضمامها الى معاجم اللغة العربية لكثرتها، وعدم انسجامها لفظاً وكتابة مع لغة العرب، "البروباغاندا" و"الأجَنْدَة" مثالاً.
اللحن في اللغة العربية
يُعتبر اللحن (الخطأ في الإعراب) في اللغة العربية من جملة المشاكل البنيوية التي تعاني منها هذه اللغة، ولا يقتصر هذا الأمر على صنف محدد من الناطقين بـ"لغة الضاد"، بل يشمل أصنافاً عديدة تبدأ من الكتّاب ـ مع تعدد إنتاجهم ـ والخطباء ـ مع تنوع خطاباتهم ـ ولا تنتهي عند وسائل الإعلام على تعددها، المكتوب منها والمسموع، وصولاً الى ثالثة الأثافي "الإعلام المرئي"، الذي اختير نموذجاً للدلالة على النموذج السلبي المتدني في الخطاب الإعلامي الذي يعاني في لغته من خلل هائل، نتيجة عوامل عديدة منها: الغرق في مستنقع المصطلحات الإعلامية غير المدروسة التي تقدمها وكالات الأنباء، الرافد الأكبر لوسائل الإعلام بالمعلومات، والترجمة الحرفية من اللغات الأجنبية، فضلاً ـ وهذا الأهم ـ عن النأي عن التثقف اللغوي لدى بعض الإعلاميين، ما يؤدي الى تقديم الخبر الإعلامي بصورة هشّة لغوياً، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى.
التصحيح اللغوي
ويأتي في سياق معالجة الخلل اللغوي في الخطاب الإعلامي ـ أو الخطأ اللغوي والإملائي في الإعلام المكتوب ـ التصحيح المسبق الذي يعتمد عليه بعض وسائل الإعلام، ليحد من الآثار السلبية التي تعتري النصوص المقدمة ـ للقارئ والمستمع على حد سواء ـ حيث يعمل "المدقّق اللغوي" على محو الأخطاء النحوية والإملائية، ليخرج النص المقدم الى النور في صورة خالية من الأخطاء.
إن قصة أبي الأسود الدؤلي مع ابنته مشهورة، إذ قالت له ذات مساء: ما أجملُ السماء (بالرفع)؟ فقال: نجومُها. فقالت: إنما أردت أن أخبرك عن جمال السماء لا السؤال.. ما دعاه الى التفكير بكتابة قواعد اللغة العربية، ففعل قبل نحو أربعة عشر قرناً. فهل نحتاج الى أبي أسودَ دؤلي آخر لتذكيرنا بها وتطبيقها في إعلامنا، وخاصة المرئي منه؟
عدنان حمود
الانتقاد/ العدد1204 ـ 2 آذارا/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018