ارشيف من : 2005-2008
قصة قصيرة:غداً يأتي أبي
لقراءة المقالات والأخبار عن الحرب الدائرة في الجنوب، برغم متابعته ليلاً لمجرى أحداث هذه الحرب من خلال محطات التلفزة ساعة.. ساعة.. وبرغم إلحاح زوجته المسنّة.
نام يا "أبو علي".. الصباح رباح..
كيف أنام يا عزيزتي ويغمض لي جفن وهذه الحرب هزّتنا، هذه الحرب فتحت ثغرة واسعة في جدار التخاذل العربي، تمهيداً لسقوطه مع نهايتها إن شاء الله.. لقد وعد الله المؤمنين بالنصر..
ويتسرّب إلى سمع المواطن الجنوبي صوت بائع الصحف.. "العم جنوبي.. ما هيك"..
ويجيب "أبو علي" رافعاً رأسه.. نعم من الجنوب.. الأرض التي يرتوي ترابها هذه الأيام المجيدة بدماء الشهداء الأبرار من شباب المقاومة.. ويجيب بائع الصحف وأمارات الجدية تغطي وجهه: "معك حق يا عم.. معك حق.. أنتم رفعتم رأسنا".
"أبو علي" يعود من جديد، ولكن إلى باحة الفندق هذه المرة، وسعادة عارمة تلفّ كيانه، ليقرأ كل كلمة تتحدث عن الحرب هامساً: "الله يقوّي الشباب ويحميهم".
وخُيّل اليه أنه سمع صوت زوجته: ويحمي ولدنا "علي"، وهو أحدهم يقاتل على الجبهة..
يبتسم الرجل الجنوبي وقد تذكر ما يصدر عن العدو الإسرائيلي من بيانات عن سير المعارك وكلها كاذبة، عن احتلالات وهمية لبعض القرى الحدودية.. هكذا كانت بيانات الجيوش العربية في حرب السبعة وستين، كلام إعلام بدون أفعال!
صوت خفي يهمس في داخله: دع هذه الذكريات المؤلمة الآن وعش هذه الأيام السعيدة يا رجل، لقد ولّى زمن الهزائم..
"أبو علي" يبدو محدقاً ساهماً وقد تراءت أمام ناظره أحداث عاشها منذ أيام، لقد قضينا تحت القصف في قريتنا الجنوبية المحاذية تماماً لفلسطين المحتلة اثني عشر يوماً قبل أن نغادر إلى بيروت.. كنا خلالها نسمع صواريخ المقاومة تنفجر داخل المستعمرات الإسرائيلية، وتزرع الرعب في قلوب المستوطنين الغرباء.. وأيضاً كيف تسلل تحت القصف إلى بيت جاره ليطمئن الى سلامة من فيه من المواطنين الذين لجأوا اليه للحماية، وقد كان متأكداً أن عددهم سبعة وعشرون مواطناً، بينهم أربعة عشر طفلاً يصرخون مرعوبين مع كل انفجار قذيفة غاشمة.
ونجحت خطة الحاجة أم محمود لتهدئة روعهم، اذ وقفت شامخة وسط هذه المجموعة من الأطفال، صارخة بكل ما أوتيت من قوة: عاشت المقاومة.. عاشت المقاومة.. وهكذا ومع سقوط كل قذيفة، أخذ الأطفال يصرخون حولها: عاشت المقاومة.. والحاجة أم محمود تقاوم حتى لا تضعف أمام هؤلاء الأطفال، وتخشى أن تتساقط دموعها أمامهم غزيرة فتخيفهم.
في اليوم التالي حدث ما تمناه "أبو علي" في قرارة نفسه، وقد أحسّ براحة نفسية عارمة عندما رأى هؤلاء المواطنين يغادرون مع أطفالهم إلى بيروت.. فودّعهم من بعيد ملوّحاً بيده.. هامساً بأمان الله وقد دمعت عيناه..
وعاد "أبو علي" إلى نفسه فطوى الصحيفة ووضعها جانباً.. وقد قرأ كل ما يجب قراءته فيها..
الحركة بدأت تدب في باحة الفندق، جميع النزلاء هم من الجنوبيين الذين غادروا قراهم وبيوتهم إلى بيروت..
من جديد ابتسم "أبو علي" عندما رأى حفيده قادماً نحوه قائلاً: جدي.. جدي.. أنت هنا.. هل عرفت على أي جبهة يقاتل أبي؟
ويجيب الرجل العجوز: يا عزيزي هذه أسرار عسكرية.. المقاومة لا تكشف عن أسماء مقاتليها.. ولا على أي جبهة يقاتلون العدو.. هل تذكر أباك عندما ودّعنا قبيل بداية الحرب بأسبوع.. ماذا فعل؟
ـ نعم، أذكر يا جدي.. ابتسم ثم قبّلنا فرداً فرداً.. وضمّني إلى صدره.. ثم رفعني بين يديه محدّقاً في وجهي.. وبعدها انطلق فرحاً لتأدية الواجب..
جدي.. إن شاء الله عندما تنتهي الحرب ونعود إلى القرية، سوف أطلب من أبي بعد أن أقبّله كثيراً.. أن يسمح لي بأن أحمل بندقيته التي قاتل بها العدو الإسرائيلي.. ورغبتي عندما أكبر أن أصبح مقاتلاً مثله.. أنا فخور به.. وأتمنى لو أراه كيف يقاتل الأعداء.. ويصوّب نيران سلاحه نحو صدورهم.. الأخبار تقول إن المقاومة حققت انتصارات باهرة.. معنى هذا أن أبي انتصر..
نعم يا ولدي.. وعليك أن تعلم.. لقد ثبت بالدليل القاطع أن هجمات القوات الإسرائيلية جوّاً وبرّاً وبحراً.. تستهدف البشر والحجر والشجر.. إنهم جبناء..
أما قتال شباب المقاومة فيستهدف قواتهم العسكرية، وقواعدهم داخل فلسطين المحتلة.. ويقاطعه الصبي الجنوبي ببراءة: ومعهم أبي.. أليس كذلك يا جدّي؟
نعم يا ولدي.
صبحي أيّوب
الانتقاد/ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018