ارشيف من : 2005-2008
بعلبك فقدت "مكتبتها"..عبده مرتضى الحسيني: من يحقق حلمك؟
وبرحيله ارتاح بلا شك كثير ممن راجعهم السيد الحسيني لجعل ثروته الورقية مكتبة عامة في المدينة.
عرفته منذ سنوات ونحن ننظم مهرجان التسوّق والسياحة في بعلبك ـ الهرمل حيث كتبنا عن مكنونات المنطقة الحضارية والثقافية والسياحية، وزرته لأتعرف الى أكبر مكتبة خاصة في الشرق الأوسط، اذ تحوي حوالى المليون كتاب ومطبوعة، وأكثر من ثلاثمئة الف عنوان في كل الموضوعات من سياسية واجتماعية وعلمية وفقهية ودينية ومراجع ومخطوطات ودوريات، وليست أهمية هذه المكتبة بندرة مطبوعاتها وكتبها، ولو أن فيها الكثير من المطبوعات النادرة، انما بجمع هذا الكم من العناوين في مكان واحد، ما دفع طلاب الجامعات والباحثين إلى اللجوء لـ"السيد" عبده للإفادة من ثروته التي أفنى عمره في جمعها ومحاولة رعايتها وبذل الجهد لتسليم هذا الإرث إلى من يحميه ويحافظ عليه، ولكن للأسف.
عبده مرتضى بإيمان العارف وبجهد لا كلل فيه، سعى لاحتضان الحروف ولتبنّي كل ورقة خطّ عليها مبدع في أي مجال أدبي أو علمي وتاريخي أو ما شاكل..
وبعزم وصبر جمع عبده مرتضى مئات آلاف الكتب في بيته الذي بالكاد يسعه مع عياله، كيفما تحركت في المنزل تجد أكوام الكتب ورائحة الورق العتيق تلف المكان، فكل الجدران تتكئ على كتب ومجلدات، في المطبخ وغرف النوم ومدخل البيت وغرفة الاستقبال وكل مكان فيه تلال من الكتب المكدّسة، ليغدو هذا المنزل داراً للعلم والمعرفة، وباتت تلك الأوراق التي كبّلت العائلة في حركتها جزءاً من البيت، وهي جزء من هذه العائلة التي كانت تحزن مع السيد عبده حينما يضطر لبيع بعض العناوين المكرّرة ليوسّع المكان لضيوف جدد، أو بالأحرى لإخوة آخرين من كتب تنضم إلى تلك الجماعات من المطبوعات.
السيد عبده مرتضى سبق جيله وأقرانه وتعلّق بالكتاب بادئاً بالمطبوعات التي قد تكون جريدة أو مجلة أو كتاباً، ولكن هذا الشغف بالكتاب يحتاج إلى مالٍ ينفقه.
لم يحدّ ذلك من عزيمته انما راح يجمع بذور المشمش في البداية ويبيعها أو يستبدلها ببعض المطبوعات، ثم جمع المسامير والخردة للغاية نفسها، وليس هذا الشغف متوقفاً على الاقتناء فحسب، انما فتح أمام عبده مرتضى الحسيني آفاقاً من العلم والمعرفة، وكان يقول انه خلال السنوات التي عاش فيها مع كتبه كان ينهل من معينها حتى نمت عنده قدرات معرفية كبرى علمية وسياسية ودينية ولغوية وأدبية وتاريخية، فضلاً عن ثقافة اللغات الأجنبية.
بعلبك ودّعت ابنها الذي غرف من بحر المعرفة كتباً، وطبع بعضها في عقله صاحب أكبر مكتبة خاصة في العالم العربي على الأقل، ومناضل ومثقف خدم قناعاته الوطنية خلال خمسة وسبعين عاماً، لم يغترّ بمال كان ينفق أغلبه على المعرفة التي قال عنها إنها مساوية للإنسان "الإنسان يساوي المعرفة"، ولم يكن هذا شعاراً يطلقه، إنما قناعة ترجمها بالوصول إلى جمع وإنشاء أضخم مكتبة خاصة في الشرق، وبدايتها كانت مجلة قديمة التقطها من الشارع.
رحل السيد عبده مرتضى من دون أن يحقق حلمه بتحويل هذه المكتبة إلى مرفق عام، ومنذ ثلاثين عاماً قدّم المكتبة إلى مدينة بعلبك شريطة أن تتحول إلى مكتبة عامة، ولكن هو في وادٍ والاهتمامات لدى المعنيين في وادٍ آخر، علماً أن عروضاً كثيرة ومغرية جاءت لتطرح على السيّد بيع هذه المكتبة، إلا أنه رفض بالمطلق إخراج هذه الثروة من لبنان.
ولكن بسبب الضائقة المادية التي كان يعاني منها دوماً بعد أن يصرف راتب التقاعد أو مخصصات التدريس على مكتبته، باع كثيراً من العناوين المكررة لديه، وقسماً من المكتبة اللاهوتية، ونسخاً مخطوطة من القرآن الكريم مكتوبة بماء الذهب..
صرخات كثيرة أطلقها عبدو مرتضى ونحن في "الانتقاد" كما بعض وسائل الاعلام صرخنا معه لتحويل المشروع مرفقاً عاماً، فلا الدولة ولا البلديات تحركت بهذا الاتجاه، علماً أن الطرح كان بدون مقابل.
هو ارتضى أن يسعى لاقتناء الحرف ومؤلفات الخالدين، من اقتنع معه يده قصيرة، وأصحاب القدرة على العمل كان الكثير منهم يتهم عبده مرتضى بعقله، ولكنه كان يريد أن يضيف إلى عقولهم معرفة، وقال آخرون انه "متبطل" لكنه كان يعمل بجد لفرش طرقات الأجيال الحاضرة والقادمة ومواجهة الغد بدخوله من باب العلم والمعرفة.
بعلبك حزينة لفراقك، وتراثك سيذكره التاريخ، ولكن العظماء في بلادي مضطهدون، وأنت قرين عشرات من العلماء والمبدعين والمثقفين الذين صرخوا كثيراً لتستفيد الأمة والوطن منهم كذلك العالم المبدع غسان قانصوه الذي مات كما أنت وهو يحمل كما أنت غصّة عدم رؤية النفط وهو يخرج من أرضنا، كذلك أنت يا سيد عبده رحلت تاركاً أمانة لعل أحداً ما يرجع إلى أصالته فيفرش بتلك الكتب أرض منطقتنا الجدباء لعلها تنبت زرعاً يؤتي أكله في كل حين، فتقر بذلك عينك.
عصام البستاني
الانتقاد/ ثقافة ـ العدد1204 ـ 2 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018