ارشيف من : 2005-2008
رسالة عادل عبد المهدي نموذجا..:الاستياء العراقي من واشنطن ودعوات وضع النقاط على الحروف
تقول شخصيات سياسية عراقية عديدة ان الرسالة المفتوحة لنائب رئيس الجمهورية الدكتور عادل عبد المهدي للرؤساء الثلاثة جلال الطالباني ونوري المالكي ومحمود المشهداني ونائب الرئيس طارق الهاشمي فتحت الابواب واسعة لجدل ونقاش معمقين في داخل أروقة وكواليس صناعة القرار السياسي العراقي ومحافل سياسية اخرى، فضلا عن الاميركي.
رسالة عبد المهدي ارتبطت من جانب بواقعة محددة، ومن جانب آخر ربما تمثل تعبيرا عن الرؤى والاطروحات والتصورات التي يحملها بشأن قضية مهمة وحساسة وخطيرة، الا وهي الوجود العسكري الاميركي في العراق وطبيعة ومديات وأبعاد ذلك الوجود.
اما الواقعة المحددة فيستعرضها نائب رئيس الجمهورية في رسالته المفتوحة بقوله: "قبلنا الدعوة الرسمية الموجهة الينا من الحكومة التركية لزيارة عمل رسمية للفترة 20-21/2/2007، وذلك بعد التشاور معكم وطرح الموضوع في المجلس السياسي للامن الوطني. وقد قامت الحكومة التركية مشكورة بإرسال طائرة حكومية خاصة لتيسير السفر ذهابا وإيابا.. وفعلا أنجزت الزيارة في مواعيدها وعدنا الى بغداد، وكان متوقعا ان تحط الطائرة في الساعة السادسة من بعد ظهر يوم 21 شباط/ فبراير.. ولكن قبل الهبوط بـ(6) دقائق أعلم قبطان الطائرة أنه لا يستطيع القيام بذلك بسبب غلق المطار المدني.. حاولنا الحصول على موافقة من المطار العسكري لكن دون جدوى، وهكذا اضطررنا للعودة الى أنقرة بعد ان بقينا نحلق في محيط بغداد مدة تجاوزت اربعين دقيقة للحصول على الموافقات اللازمة للهبوط. ولقد علمنا لاحقا بأن طائرة مدنية قد حطت في الساعة الخامسة من اليوم نفسه وأن طائرتين مدنيتين قد حطتا ايضا بحدود الساعة السابعة والنصف مساء، مما يبين ان خبر اغلاق المطار لم يكن دقيقا. هذا وقد تأكدنا أن كل الموافقات اللازمة كانت قد استحصلت قبل مغادرة الطائرة من أنقرة، كما ان فريق الحماية والمتابعة الخاص بنا في بغداد بقي يتابع موضوع الهبوط مع كل الاطراف المعنية من دون نتيجة تذكر".
من خلال ما ذكره نائب الرئيس يتبين ان هناك امورا تتجاوز الاشكاليات التقنية والاعتبارات الامنية والعسكرية، الى حسابات سياسية خاصة وسوء تقديرات وقضايا اخرى.
ولا شك في ان واقعة الدكتور عادل عبد المهدي ليست الاولى لسياسي عراقي مع الجانب الاميركي، بل ان سياسيين آخرين كباراً ربما يكونون قد تعرضوا لمواقف مماثلة. فعلى سبيل المثال اضطر نائب رئيس الوزراء السابق الدكتور ابراهيم الجعفري للتوجه بالطائرة التي كانت تقله بعد جولة خارجية الى الكويت بعد تحليق في سماء بغداد دام ما يقارب الساعة، ناهيك عما يتعرض له نواب في البرلمان العراقي ووزراء ومسؤولون كبار من اجراءات تبدو في بعض الأحيان مهينة الى حد كبير عند دخولهم الى المنطقة الخضراء.
وإذا كانت نبرة الانفعال والغضب الشخصي واضحة بين ثنايا رسالة عبد المهدي، فذلك امر طبيعي جدا بالنسبة لشخص يشغل موقعا قياديا متقدما في جهاز الدولة، فضلا عن كونه شخصية سياسية وأكاديمية وفكرية تحظى باحترام وتقدير من قبل مختلف الاوساط والمحافل العراقية والعربية والدولية.
وإذا كان هناك من نظر الى القضية من زاوية اوسع نوعا ما، حينها يمكن ربطها بطبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة الاميركية من جهة والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق من جهة اخرى، والذي يعد عبد المهدي احد ابرز رموزه.. تلك العلاقات التي شابها قدر من التوتر انعكس واضحا بقيام القوات الاميركية باحتجاز السيد عمار الحكيم نجل زعيم المجلس الاعلى بعد عودته من ايران ودخوله الاراضي العراقية عبر معبر مهران ـ بدرة الحدودي في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير الماضي، اي بعد يوم واحد من عدم السماح لطائرة عبد المهدي بالهبوط في المطار. وقد لوحظ ان الاخير أشار في ختام رسالته المفتوحة الى قضية احتجاز الحكيم للربط بين الواقعتين.
اما الرؤى والتصورات والاطروحات التي أوردها نائب الرئيس العراقي في رسالته فقد تمحورت حول فكرة تقنين دور ومهام وحدود تحرك القوات المتعددة الجنسيات، وتوسيع صلاحيات ومهام الحكومة العراقية، وخصوصا في اطار ما يتعلق بالمؤسسات والمرافق الحيوية الحساسة التي تعكس سيادة الدولة وهيبتها. وأشار عادل عبد المهدي الى انه كان من المؤمل التوصل الى اتفاق امني بين العراق والولايات المتحدة في شباط/ فبراير 2004 بموجب اتفاق 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق.. ورأى انه ينبغي على الحكومة أن تبدأ فورا مباحثات مع الجانب الاميركي للوصول الى الاتفاق المشار اليه، ولا بد لذلك الاتفاق من ان يصل الى تشخيص واضح للصلاحيات والمسؤوليات في امور عديدة، من بينها قيادة القوات العراقية وحركتها ودور القوات المتعددة الجنسيات وفق القرار الصادر من مجلس الامن والقواعد الضابطة لمنع انتهاك السيادة العراقية واستقلالية القرار العراقي وولاية الدولة العراقية على مواطنيها وأراضيها وأجوائها ومياهها وثرواتها وحقوقها ومصالحها، وضوابط دور القوات المتعددة الجنسيات في المجالات غير الامنية وفترات وحدود تحكم تلك القوات في المنشآت والمؤسسات والأراضي والمناطق العراقية الخاضعة الآن لإدارتها، وملف الحصانات والمرجعيات القانونية والحقوقية لحل القضايا والمخالفات، وضوابط الحركة للممرات الجوية وحركة الطائرات المدنية والعسكرية وإدارة المطارات المدنية والعسكرية، وضوابط السيطرة على المداخل الحدودية، وضوابط الاعتقال وإطلاق السراح وإدارة السجون ودور القضاء العراقي في ذلك كله.
ومما تجدر الاشارة اليه ان الدكتور عبد المهدي غالبا ما يوجه انتقادات حادة للولايات المتحدة الاميركية ويشير صراحةً الى انها ارتكبت أخطاء كبيرة في العراق وتتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية حيال ما يجري. وبعض تلك الانتقادات كان يطلقها من محافل دولية، كما حصل في منتدى دافوس الاقتصادي الاخير في سويسرا.
ولعل تشديد الدكتور عبد المهدي على اهمية ابرام اتفاق امني يضع النقاط على الحروف، ينطلق من تشخيصه السليم والصائب للواقع الخاطئ وإدراكه ان لا وجود لسيادة عراقية حقيقية في ظل الوجود العسكري الاميركي غير المحكوم والمقيد بأي ضوابط ومعايير في تعامله وتعاطيه وتحركه على الارض. وهو في طرحه يعكس طبيعة وحجم استياء واسع على الصعيدين الرسمي والشعبي من الولايات المتحدة الاميركية.
وأغلب الظن ان سياسيي واشنطن وقادتها العسكريين تعاطوا باهتمام مع رسالة عبد المهدي، ورفعوا توصيات بشأنها الى مراكز القرار العليا في البيت الابيض.. ولكن ماذا بعد؟ قد تكون الولايات المتحدة في مواجهة مأزق حقيقي لا تعرف بالتحديد كيف السبيل للخروج منه، والطروحات والافكار والخطط المختلفة والسجالات الحامية تحت قبة "الكابيتول هول" وفي وسائل الاعلام تعكس جانبا من ذلك المأزق.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1205 ـ 9 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018