ارشيف من : 2005-2008
مشاريع الهيمنة الأميركية وسباق التسلح الجديد
منذ العام 1963 تم التوقيع بين القوتين الرئيسيتين في تلك الفترة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، ثم بين الأولى وروسيا على عشرات الاتفاقيات التي انضمت إليها معظم بلدان العالم، وهدفت بالتوازي مع سياسة الانفراج والوفاق الدولي التي أعقبت الأزمة الكوبية في بداية الستينيات، إلى تحريم التجارب النووية ومنع الانتشار النووي، قبل أن تبدأ بالتوجه نحو الحد من التسلح ثم نحو تقليص ترسانات الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. وقد بدا للحظة، وخصوصاً بعد نهاية حقبة الحرب الباردة، أن عالماً بغير أسلحة مدمرة قد بات أمراً ممكناً، على الرغم من الخروق المتمثلة بخروج بلدان كـ"إسرائيل" والهند وباكستان عن الإجماع العالمي، وتلك المتمثلة بأشكال التحايل على الاتفاقيات المبرمة، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة التي لم توقع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وتنوي قريباً إجراء تجربة على قنبلة هيدروجينية جديدة، إضافة إلى خروق أخرى تمثلت بدءا من العام 1983 وخلال فترة الرئيس ريغان، بنشر ما عُرف باسم شبكات الصواريخ الأوروبية وحرب النجوم وشبكات الدروع الصاروخية الأميركية التي نُشرت فوق أميركا الشمالية وأجزاء من أوروبا والشرق الأقصى، وما تبع ذلك خلال فترة كلينتون وبوش الابن، من استحداث أجيال جديدة من القنابل النووية التكتيكية المتخصصة في ما يسمى بمكافحة الإرهاب واختراق المواقع المحصنة تحت الأرض.
وقد فوجئ العالم في الأسابيع والأيام الأخيرة الماضية بعودة الأميركيين المكثفة إلى سياسات التسلح غير التقليدي، الذي يتجاوز أنظمة الدفاع الصاروخي إلى أنظمة هجومية من النوع الذي تحدث عنه البيت الأبيض عندما طلب تخصيص مبلغ 88 مليون دولار في ميزانية العام 2008، لتصميم رأس نووي جديد يمكن أن يحمل على صواريخ ترايدنت البالستية بحلول العام 2012. وشكل مؤتمر ميونيخ الأخير مناسبة أفرغ فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كامل جعبته في الهجوم على المشروع الأميركي الجديد لنشر صواريخ مضادة للصواريخ في العديد من بلدان أوروبا الوسطى، مثل تشيكيا وبولونيا، معتبراً أن هذا المشروع الذي يقدمه الأميركيون كإجراء دفاعي ضد صواريخ عابرة للقارات قد تنطلق من إيران أو كوريا الشمالية، هو في الحقيقة إجراء ينطوي على نيات عدوانية أميركية تجاه روسيا، ويندرج في تخطي الأميركيين لحدودهم، ما يجبر روسيا على اعتماد إجراءات مضادة، الأمر الذي اعتبره المراقبون عودة إلى حرب باردة جديدة.
وبعد مؤتمر ميونيخ أعلن البيت الأبيض أسماء البلدان التي ستشارك في جهود إنشاء النظام الدفاعي الصاروخي، ومنها "إسرائيل". وفي الثاني من آذار/ مارس الجاري أصدرت إدارة الأمن القومي الأميركي بياناً أعلنت فيه أن الولايات المتحدة لم تعد تتقيد في تصميم الأسلحة النووية بالقيود التي كانت مفروضة على مقاييس ومواصفات هذه الأسلحة في الاتفاقات الأميركية السوفياتية خلال فترة الحرب الباردة. كما أعلن شون ماكورماك الناطق باسم الخارجية الأميركية أن نشر الصواريخ المضادة للصواريخ في بولونيا وتشيكيا لا يعني أنه لا يمكن تطوير هيكلياتها ومواقع انتشارها. وقد جاء هذا الإعلان في ظل تواتر الحديث عن نية الأميركيين نشر صواريخ مضادة للصواريخ في أوكرانيا وجمهوريات البلطيق ورادار متنقل للنظام الدفاعي الصاروخي الأميركي في القفقاس (جورجيا أو آذربيجان)، إضافة إلى نشر شبكات مماثلة في الفضاء.
كان من الطبيعي لهذه التطورات أن تثير ردود فعل ساخطة من قبل روسيا، اذ أعلن فيكتور يسين الرئيس السابق لهيئة أركان قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية، أن خطة واشنطن لإشراك أوكرانيا في جهود إنشاء نظام كوني مضاد للصواريخ تندرج في إطار السياسة الأميركية الهادفة إلى تحقيق تفوق عسكري وإبطال مفعول ما تملكه روسيا والصين من صواريخ مجهزة برؤوس نووية. وأكد يسين أن النظام الأميركي المضاد للصواريخ فوق أميركا الشمالية هو ذو قدرات محدودة ولا يشكل تهديداً يذكر بالنسبة الى روسيا، لكن نشر مثل هذه المنظومات في أوروبا وفي الفضاء الخارجي يشكل خطراً يُحسب له ألف حساب.
واحد من الحسابات التي يحسبها الروس رداً على ذلك، هو على ما ورد في كلام لرئيس أركان القوات المسلحة الروسية، إمكانية انسحاب روسيا من اتفاقية وقّعها الاتحاد السوفياتي السابق مع الولايات المتحدة، وتقضي بإزالة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى.
وكانت روسيا فد أخلت مواقع لهذه الصواريخ في كالينينغراد التي تحولت بعد استقلال جمهوريات البلطيق إلى منطقة مفصولة عن روسيا بين ليتوانيا والحدود البولونية. ولا يخفى أن انسحاب روسيا من تلك الاتفاقية قد يعني إعادة نصب تلك الصواريخ في كالينينغراد مع كل ما يعنيه ذلك من إشاعة الخوف واللااستقرار الاقتصادي والسياحي في كامل منطقة البلطيق والمناطق الأوروبية المجاورة.
وفي السياق نفسه أعلن الأكاديمي الروسي ألكسي أرباتوف أن عودة الولايات المتحدة الى إنتاج صواريخ من نوع "بيرشينغ 2" التي يصل مداها إلى 1800 كم ونشرها في بلدان الناتو القريبة من روسيا، سيجبر موسكو على إعادة ترتيب صواريخها الاستراتيجية للدفاع عن النفس. كما أعلن رئيس الأركان العامة لسلاح الجو الروسي بوريس تشيلسوف، أن منظومة الدفاع الجوي الروسي ستجهز بأنظمة صواريخ للدفاع الجوي والفضائي من طراز "إس 400".
كما سمعت تصريحات عديدة لجنرالات روس تحدثوا بنبرة هجومية عن قدرة الصواريخ الروسية من نوعي "بولافا" و"توبول" القادرة على اختراق جميع منظومات الدفاع المضاد للصواريخ، إضافة إلى تصريحات أدلى بها رئيس مجلس الدوما الروسي بوريس غريزلوف، واعتبر فيها على خلفية وضع روسيا من قبل واشنطن في قائمة البلدان المعادية المحتملة، أن نشر الصواريخ الأميركية في وسط وشرق أوروبا هو واحد من السيناريوهات غير الودية، وأن على روسيا أن تكون جاهزة لكل السيناريوهات. كما دعا غريزلوف إلى عدم التقتير في الإنفاق الروسي على الدفاع، مؤكداً أن اقتراب الناتو من الحدود الروسية لا يعزز الثقة بالمودة العالمية، وأن الإنفاق العسكري الروسي قد يكون مكلفاً، لكن التقتير قد يكون أكثر كلفة بكثير.
في الجانب الآخر من العالم نسمع من الصين كلاماً مشابهاً للكلام الروسي، فقد أعلن الجنرال لياو شيلونغ عضو اللجنة العسكرية المركزية ورئيس الدائرة اللوجستية العامة لجيش التحرير الشعبي الصيني، أن عالم اليوم لا يسوده السلام، وأن على الصين زيادة الاستثمار في بناء وتحديث جيشها. وقد جاء هذا الكلام على هامش القرار الصيني بزيادة الإنفاق العسكري للعام 2007 بنسبة 17.8 في المئة عما كانت عليه العام الماضي، ليصل هذا الإنفاق إلى 45 مليار دولار (حوالى 10 في المئة من الإنفاق العسكري الأميركي). كما جاء على هامش صفقة من 453 صاروخا باعتها الولايات المتحدة لتايوان، مع الضرر الشديد الذي يلحقه ذلك بالعلاقات الأميركية ـ الصينية، على ما يؤكده المسؤولون الصينيون. وعلى ذلك تكون أميركا الباحثة عن الهيمنة على العالم، وفق عنوان كتاب صدر مؤخراً لنعوم تشومسكي، قد دفعت العالم إلى سباق تسلح بلا حدود، مقارنةً مع سباق التسلح المحدود خلال حقبة الحرب الباردة.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1205 ـ 9 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018