ارشيف من : 2005-2008
لأن العراق أولاً في الحسابات الأميركية :الحلول ما زالت على لائحة الانتظار
يمكن ترجمته في صيغة تسوية ما تكون مقبولة من المعارضة وفريق السلطة معاً؟
المتفائلون لهم أسبابهم: قمة استثنائية سعودية ـ ايرانية، تأتي بعد قمة سورية ـ ايرانية بدت، في أحد جوانبها، وكأنها تمهد للأولى، وتأتي بعد حركة مكوكية على خط طهران الرياض وبالعكس.
بوادر تنقية للمناخات المتلبدة في العلاقات السعودية ـ السورية، سبقها رسالة سياسية ذات مغزى تولى الرئيس سليم الحص الكشف عنها: اعلان الرئيس السوري موافقته على المحكمة ذات الطابع الدولي، وأنه يقبل ما يتفق عليه اللبنانيون. حاجة سعودية إلى توفير كل شروط نجاح قمة الرياض، ومنها الإراحة من ثقل وطأة الأزمة اللبنانية المتفجرة بامتياز. تصريحات ايجابية، وحركة لا تهدأ للسفير السعودي الخوجة في لبنان. تصريحات مماثلة أيضاً لرئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري.
المتشائمون لهم دواعيهم أيضاً: الأميركي ما زال على موقفه الرافض لمنح المعارضة الثلث الضامن، ولإدخال أي تعديلات ذات مغزى على نظام المحكمة الدولية. تهديدات فريق السلطة بالذهاب إلى مجلس الأمن لإصدار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي تحت الفصل السابع، تهديدات، تبدو، في أحد جوانبها، أقرب إلى قرار متخذ، أكثر منه لعبة تفاوضية، تصدّ سريع لمناخات التفاؤل من قبل فريق السلطة بدعوى عدم واقعيته، وأنه لا يغدو أكثر من لعبة سياسية، والعودة مجدداً الى لعبة الشروط التي من شأنها إحباط ليس فقط مجرد إمكان الحل، بل حتى مجرد التفكير فيه.
خلاصة مناخات التفاؤل تشير الى أن أمراً يتحرك، وأن الأمور قد دخلت، ربما مرحلة البحث في التفاصيل الأشد تعقيداً من مرحلة البحث في المبادئ والآليات العامة، لأنه، كما يقال إن التفاصيل هي المخبأ الأفضل للشيطان، مؤشرات اضافية يمكن سوقها على ذلك: تصريحات متوترة لمسيحيي 14 شباط، الدخول، ولأول مرة، في لعبة الإعلان عن الحصص المطلوبة. هنا تأتي مواقف القوات مثالاً فاقعاً.
أما خلاصة مناخات التشاؤم، فتقول إن الأمور ما زالت تراوح مكانها، ولم تغادر حتى المربع الأول، وأكثر من ذلك، لا يبدو أفق الحل قريباً، ولا سيما أن مفتاحه هو بيد واشنطن أولاً وأخيراً، مهما بلغت الجهود والجدية السعودية والايرانية والسورية في توفير كل شروط وظروف الحل المطلوب.
إن تلمس الخط الواقعي في كل ما يجري لا يمكن عزله عن التالي:
أولاً: محاولات واشنطن لترتيب الأوضاع في المنطقة انطلاقاً أو بالتوازي مع ترتيب الأوضاع في العراق، وذلك في سياق البحث عن مخرجٍ "مشرف" لمأزقها المتمادي والمتنامي فيه.
من نافل القول، إن واشنطن كما تل ابيب، تمر بعد بلوغ مأزقهما الاستراتيجي ذروته على أثر عدوان تموز والهزيمة التي ألحقت بهما، بما يعرف بمأزق الفراغ الاستراتيجي في المنطقة، من هنا، فإن واشنطن أمام معضلة مركّبة: عجز وفراغ استراتيجيين الأكثر تأهيلاً لملئهما هو تيار المقاومة والممانعة في المنطقة بقاعدته الاستراتيجية ايران وسوريا كدولتين، وحزب الله وحركة حماس كحركتي مقاومة.
ولذا، كان على واشنطن إعادة صياغة استراتيجيتها في المنطقة تحت عنوان أساسي اسمه احتواء خط المقاومة عموماً في المنطقة وإيران تحديداً، وبما يؤدي الى وضع حواجز أساسية أمام هذا الخط، ويعيد رسم التوازنات، بما يقلل من الاضرار، ويشتري وقتاً لإعادة ترميم القدرات الاستراتيجية.
تتألف الاستراتيجية الاميركية الجديدة من العناصر الرئيسية التالية:
أ - انتاج مناخات الفتنة المذهبية مستفيدة بشكل رئيسي مما يجري في العراق، وبما يؤدي الى إعادة صياغة الصراعات على قاعدة مذهبية، ويحولها الى صراعات بينية، أي بدلاً من أن تكون صراعات مع الاستعمار الاميركي الجديد، ومع الكيان الاسرائيلي، تصبح صراعات بين دول المنطقة، وداخل كل دولة خصوصاً تلك التي تتعايش فيها مذاهب متصارعة.
الخطورة في هذه اللعبة أنها قد تخدم في وجه ايران، لكن من شأنها أن تلعب بالاستقرار الداخلي لكل دولة عربية، هنا تحديداً قد لا يجاري بعض العرب واشنطن.
واذا كانت اللعبة المذهبية هي في عناوينها الرئيسة بين السنة والشيعة، فإن الأقليات الأخرى قد تجد في ذلك فرصة لإنعاش أدوارها.
ب ـ العمل على انتاج تكتلات من دول سنية في غالبيتها العظمى ومحيطة بإيران تحديداً، لتوفير توازن استراتيجي احتوائي لإيران. لكن لكل دولة من هذه الدول أيضاً حساباتها الداخلية الحساسة، وأوضاعها المعقدة، وهي، في غالبيتها قوى ضعيفة، وأشبه بمراكمة ظلال الى بعضها البعض، والتي مهما بلغ عددها لن تستطيع أن تصنع أمراً حقيقياً واحداً.
ج ـ العمل على إعادة صياغة المعادلات السياسية في العراق: فرط ائتلافات وتحالفات تمهيداً لصناعة تحالفات وائتلافات جديدة، فرط الحكومة والمجلس الوطني العراقي في سياق اعادة صياغة مكونات السلطة، إدخال تعديلات على الدستور العراقي بما يمهد لإرضاء قوى وأطراف داخلية واقليمية، كل ذلك تحت عنوان تقليص النفوذ الشيعي، وما يسمى بالنفوذ الايراني في العراق.
د ـ ممارسة ضغوط ديبلوماسية وسياسية واقتصادية وأمنية على سوريا وايران، خصوصاً على ايران سواء في داخل العراق أم داخل ايران وخارجها.
هـ ـ حشد أكبر قوة بحرية في الخليج في رسالة قوة واضحة الى ايران تحديداً.
و ـ اطلاق حملة علاقات عامة تتعلق بإعادة تحريك عجلة التسوية في المنطقة، وذلك في محاولة لرد الاعتبار لخيار التسوية في مواجهة خيار المقاومة.
ز ـ منع التوصل الى تسويات حقيقية للأزمات الداخلية في العديد من المناطق يبقى أبرزها لبنان وفلسطين، إدراكاً من واشنطن بأن أي تسويات فعلية من شأنها أن تثبت خيار المقاومة في المعادلة السياسية، وأنها ستكون لمصلحة هذا الخيار، أكثر مما هي لمصلحة حلفائها وأتباعها.
في هذا السياق يأتي انعقاد قمة بغداد الأولى في العاشر من هذا الشهر، كخطوة تمهيدية لبلورة خطوط التوازنات العامة في تسويات عامة، يكون منطلقها العراق.
كل ما تقدم، كان لا بد منه اميركياً، قبل الوصول الى لحظة القبول بالجلوس على نفس الطاولة مع ايران وسوريا.
ما تريده واشنطن تحديداً هو احتواء خط المقاومة في المنطقة، والتأكد من أنه لن يستفيد من مأزقها العام، وحالة تراجعها، لمصلحة مد تأثيره أكثر، وضمان مصالحها النفطية، وبما يوفر لها خروجاً لائقاً من العراق.
من هنا، فإن واشنطن تربط كل شيء بما ستنتهي اليه المحصلة العامة لاستراتيجيتها العامة في المنطقة عموماً، والعراق تحديداً، وهي، بالتالي، ستدوزن حركاتها التفصيلية الخاصة بهذا الملف أو ذاك، وفق هذه المحصلة، لأنها تريد إبقاء كل الأوراق في يدها، ومنها، في ما يخص لبنان، ورقة المحكمة الدولية، فهذه الورقة اميركية بامتياز لأنها، بالنسبة لواشنطن إحدى الضمانات لالتزام الآخرين بما يراد منهم أن يلتزموا به، كما إنها إحدى الأوراق التي تؤدي الى خلط التوازنات السياسية لمصلحة أتباعها، بمعزل عن التداعيات التي يمكن أن تصل اليها، وهنا مكمن اصرار أتباعها على تمريرها كما هي، وتهديدهم بالذهاب الى الفصل السابع.
خلاصة القول، ان أقصى ما يمكن قوله حتى الآن، إننا ما زلنا في مرحلة تحضير المناخات العامة، وأما الحلول فما زالت على لائحة الانتظار المر لما سيجري في العراق أولاً والمنطقة ثانياً، وهو انتظار ستتبلور معالم أفقه أكثر خلال هذين الشهرين، فإما أن تكتب الحلول، وإلا فالأمور ستعود مجدداً الى عالم المواجهات القاسية.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد1205 ـ 9 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018