ارشيف من : 2005-2008

غاية المطالبين بتغيير عقيدته خدمة العدوّ الإسرائيلي: الجيش اللبناني ..من جيش الأفرقاء الى جيش كل الوطن

غاية المطالبين بتغيير عقيدته خدمة العدوّ الإسرائيلي: الجيش اللبناني ..من جيش الأفرقاء الى جيش كل الوطن

بعدما سعى وليد جنبلاط فاشلاً، إلى محاولة تجريد المقاومة من حقّهاالمقدّس في تحرير الأرض، ومنعها من أداء دورها وواجبها في استعادة ما اغتصب من حقوق وطنها لبنان، سواء أكان قطعة أرض تبلغ مساحتها سنتيمرات قليلة، أو اعتقال أحد مواطنيها، أو اختراق سيادتها برّاً وبحراً وجوّاً، انبرى إلى استكمال مهمّته الأميركية، عبر الدعوة إلى تغيير عقيدة الجيش اللبناني الوطني، وهما مطلبان يخدمان مصلحة العدوّ الإسرائيلي في الدرجة الأولى، مهما حاول جنبلاط وجوقته التنظير لموقفه المستجد.‏

ولم تشأ الإملاءات الأميركية إبقاء جنبلاط وحيداً، فاستدعت شريكه وحليفه الإستراتيجي الجديد سمير جعجع لمشاركته الضرب على هذا "النشاز" عكس الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، وخصوصاً أنّ ميليشيات الأخير المسمّاة "قوّات لبنانية" كانت تربطها علاقات وطيدة بالصهاينة وميليشيا العميل الكبير أنطوان لحد، وكلاهما ذاق المرارة من المقاومة والجيش اللبناني في غير مواجهة في الجنوب. وتكفي الإشارة إلى أسماء مسؤولين سابقين في " قوّات جعجع" مثل جوزف كرم الملقب بـ"علوش"، وبيار رزق، وطوني نموّر، وسواهم ممن اقتصت المقاومة منهم في جزين في تسعينيات القرن العشرين، للدلالة على "الرباط المقدّس" الذي كان بينها وبين الإسرائيليين.‏

جعجع وتصفية عسكريي الجيش‏

واللافت للنظر للوهلة الأولى، عند سماع هذا الثنائي المفرط في عشقه للإمارة والفيدرالية، أنّه لا بدّ من استذكار ماضيهما المجيد في مقاتلة الجيش اللبناني والعمل على تشتيته وتمزيقه ووضع اليد عليه. فجعجع على سبيل المثال، خاض معارك ضارية ضدّ الجيش اللبناني، ولم ينس اللبنانيون معاملة ميليشياته الفظّة للعسكريين وإعدامهم بأعصاب باردة ومن دون رحمة أو شفقة في غير مكان في العام 1989، وهو ما ينمّ عن حقد دفين، وعن رفض تام لتقبّل فكرة وجود عسكري آخر ومنافس، طالما أنّ شعار جعجع الشهير هو "الأمر لي" وهو الذي كان الآمر الناهي.‏

وبدلاً من أن يطالب جنبلاط وجعجع مرشدهما السفير الأميركي في عوكر جيفري فيلتمان، بتقديم الطائرات الحربية والآليات العسكرية الحديثة والصواريخ المتطوّرة والمعدّات الخارقة، للجيش اللبناني من أجل التصدّي للانتهاكات الإسرائيلية اليومية للأجواء اللبنانية، ومنع أيّة محاولة تسلّل لاختطاف راع، أو فتى يلعب في حقله المجاور لأرض فلسطين المحتلة، نراهما يتسوّلان من الأميركي أسلحة خفيفة وقديمة ولا تصيب عصفوراً فكيف لها أن تسقط طائرة حربية إسرائيلية؟‏

إنّها المعادلة الصعبة التي يجري التغاضي عنها، فالأميركي لن يفضّل جنوده الصغار في السلطة في لبنان حالياً، على الإسرائيلي، مهما بلغت تضحياتهم من الذروة، ولن يفرّط برصاصة قد تزعج الصهيوني، مهما كان اندفاع "الشباطيين" في إطاعة أوامره الحادة، فكيف بتزويدهم بطائرة حربية تزرع الرعب في نفوس المستوطنين؟ ولكن ليس هناك من يريد أن يعرف هذه الحقيقة المرّة، فيثابر على الرهان الخاسر على المستعدّ للاستفادة منه ثمّ لفظه نهائياً.‏

أسئلة برسم الانقلابيين‏

ثمّ أنّه، بحسب المراقبين، فهناك كمّ كبير من الأسئلة المحيّرة، ومنها لماذا هذه الهجمة على الجيش اللبناني في هذا الوقت وهو الذي لم يتلكأ للحظة واحدة في القيام بواجبه الوطني في حماية الحدود، وفي الحفاظ على السلم الأهلي؟‏

وما هو الضرر الذي يصيب لبنان إذا بقي ممانعاً وممتنعاً بفضل مقاومته وجيشه في وجه المخطّطات الأميركية والأطماع الإسرائيلية؟‏

وهل الغاية هي الاقتصاص من القيادة الحكيمة للجيش التي وقفت على الحياد في الكباش السياسي الحاصل في البلاد، فتعاملت مع تظاهرات المعارضة كما فعلت الأمر نفسه مع تظاهرات السلطة من دون تفرقة بين مواطن وآخر عبّر عن رأيه ضمن الأطر القانونية المسموح بها والتي يكفلها له الدستور؟‏

وهل الهدف المستور هو تعطيل فاعلية الجيش لمصلحة الميليشيات؟‏

ولماذا الاستياء الأميركي من معاداة الجيش اللبناني للعدوّ الإسرائيلي ورفضه فكرة الحياد كما في سالف الزمان والأيام؟‏

الدور الوطني‏

لقد كان تعاطي الجيش ودوره في الوضع الراهن في لبنان حازماً وحاسماً، وهو ما تبدّى بشكل ملحوظ خلال الأحداث الأمنية التي افتعلتها ميليشيات "الشباطيين" في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 2006، فرفض التجاوزات والاعتداء على الأماكن والمنشآت والممتلكات العامة والخاصة، وتشدّد في تعقّب العاملين على تخريب السلم الأهلي وتفخيخ المواطنين بالتشنّج والعصبية، وعمل على توقيف مجموعات لا بأس بها من المتسبّبين بهذه الأحداث، ولم يتخلّ عن ملاحقة الفارين والمتوارين بغية تسليمهم للعدالة.‏

ولم يتأخّر الجيش عن تفكيك الكثير من شبكات التجسّس الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى إقلاق راحة الوطن والمواطن، ولم يتوان عن مساندة المقاومة في حربها الضروس ضدّ الصهاينة، فلماذا هذه الهجمة على الجيش لتفتيت الثقة به بدلاً من العمل على مساندته ودعمه لوجستياً ومعنوياً؟‏

كما أنّ الجيش اللبناني لم يخجل من المجاهرة بأنّ "إسرائيل" هي عدوّ، في الوقت الذي لا تفعل ذلك، جيوش دول عربية لو بقيت متماسكة ومقتنعة بمبدأ استرداد فلسطين وتحرير أرضها بالدم وليس باتفاقيات الذلّ والهوان، لما تجرأ هذا العدوّ على البقاء يوماً إضافياً هناك.‏

ومواقف الجيش اللبناني بهذا الخصوص جلية ولا لبس فيها، وتستشفّ من سطور بياناته وخطابات قائده في ما يعرف بـ"أمر اليوم"، و"النشرة التوجيهية"، كما أنّه يخصّص على موقعه الإلكتروني زاوية ثابتة بعنوان ظاهر تتحدّث عن "أخبار العدوّ".‏

وعندما يتطرّق الجيش اللبناني في بياناته إلى الخروقات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية التي يفترض أن يكون جنبلاط وجعجع حريصين عليها، بسبب الانتهاك المستمرّ لطائراتها لسماء لبنان، فإنّه يستخدم عبارة" معادية" عند ذكر الإسرائيلي فيقول على سبيل المثال" اخترقت طائرة إسرائيلية معادية الأجواء اللبنانية"، وعندما تغادر يقول "غادرت باتجاه الأراضي المحتلة"، ولا يقرّ بأنّها أرض إسرائيلية على غرار ما تفعل دول عربية عديدة وفضائيات عربية كثيرة تلهث لمراضاة العدوّ الصهيوني، ولا تتوان عن استعمال مفردة "إسرائيل" للدلالة على الكيان الصهيوني.‏

لحود والنهوض بالجيش‏

وبحسب المتابعين فإنّ مواقف الجيش اللبناني مرّت بفترتين مختلفتين يمكن تسميتهما بفترة ما قبل اتفاق الطائف وما بعده، والفارق بينهما كبير.‏

ففي السابق، وتحديداً خلال حقبة الحرب الأهلية كان بعض السياسيين يصفون الجيش بـ"الفئوي" و"المنحاز"، وهو ما دلّت عليه تجربته آنذاك بالوقوف إلى جانب فريق ضدّ فريق آخر، وهذا ما انعكس سلباً على أداء الجيش وهيكليته، وولّد نفوراً لدى شريحة كبيرة من السياسيين والمواطنين على حدّ سواء، إلى أنّ تمّ تعيين الرئيس إميل لحود قائداً للجيش في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1989، فأعاد توحيد صفوف الجيش، ولمّ شمله والنهوض به وبعثه من جديد، وترتيب بيته الداخلي بما يحفظ هيبته، ويعيد إلى المواطن ثقته فيه.‏

واستمرّ لحود يغزل على هذا المنوال حتّى انتهاء ولايته بتاريخ 23 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1998 وانتخابه رئيساً للجمهورية، وأكمل المهمة والمسؤولية من بعده العماد ميشال سليمان الذي جرى تعيينه في 21 كانون الأوّل/ ديسمبر من العام 1998، وأظهر مناعة في وجه المتطاولين على مؤسّسته، ورفض التدخّلات السياسية فيها ليقينه بأنّها تفسدها وتهدمها.‏

يريدون الجيش ضد المقاومة‏

وعن قراءته لمشهد الهجمة على الجيش اللبناني بغية النيل منه وتغيير منهجيته لمصلحة قوى الأمر الواقع، يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني وليد سكرية لـ"الانتقاد" إنّه "قبل اتفاق الطائف شاعت استراتيجية تحييد لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي، وتردّدت المقولة الشهيرة "قوة لبنان في ضعفه"، ولكن بعد توحيد لبنان في العام 1990 ومجيء الرئيس إلياس الهراوي والعماد لحود، تمّ تبنّي استراتيجية جديدة تؤكّد بأنّ "إسرائيل" هي العدوّ، وسوريا ولبنان يعيشان وحدة المسارين، والتزم الجيش بمبدأ الدولة بأنّ "إسرائيل" هي العدوّ، وأنّ دوره هو حفظ الأمن الداخلي ومنع التقسيم والدفاع عن الحدود بوجه أيّ اعتداء إسرائيلي، وتغطية المقاومة لتحرير الشريط الحدودي المحتل".‏

ويلاحظ سكرية أنّ الجيش اللبناني "لم يُبْن عسكرياً، كما أنّه لم يجهّز بالشكل المطلوب لأنّ الأولوية هي حفظ الأمن ووحدة لبنان ومنع العودة إلى الحرب الأهلية" بحسب الشروط الأميركية، مشيراً إلى أنّ "الولايات المتحدة الأميركية ترفض تسليح الجيش اللبناني لقتال "إسرائيل"، وقالتها أميركا علناً فالسلاح هو لحفظ الأمن الداخلي، وهناك توجّه للسلام في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإنّه لا داعٍ لذلك".‏

هذا ما قبل صدور القرار الدولي الرقم 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويرى العميد سكرية أنّه "بعد حدوث انقلاب وتحوّل لبنان ولو نظرياً، إلى دولة حليفة لأميركا وداعمة للمشروع الأميركي في المنطقة، بات الهدف نزع سلاح المقاومة تحت مقولة أنّ الجيش اللبناني مهيّأ للدفاع عن كلّ الأرض، ويمثّل كلّ الوطن، بينما المقاومة تمثّل فريقاً معيّناً".‏

ويضيف سكرية أنّ "المطلوب ليس وقوف الجيش إلى جانب المقاومة ودعمها، بل وقوف الجيش لنزع سلاح أيّة جهة غير شرعية، والمقصود هو المقاومة".‏

وبالنسبة لمحاولة الطائفيين والمذهبيين تعميم مقولة غلبة طائفة على أخرى داخل تركيبة الجيش أو مذهب على مذهب، يعتقد سكرية بأنّ الغاية هي "إعادة النظر في تركيبة الجيش من خلال تطويع فئات لم تكن تدخل إليه لإقامة نوع من التوازن على حدّ تعبيرهم".‏

على أنّ الأخطر هو رسم هيكلية جديدة لقيادة الجيش تتناسب وذوق جنبلاط وجعجع وبالتزامن مع ذلك، يقول سكرية "هناك تشديد على تغيير هيكلية القيادة من خلال استبعاد كلّ الضباط الذين تعاونوا مع سوريا، أو هم في حالة عداء مع "القوات اللبنانية"، وإخراجهم من مراكزهم وتسليمها لضبّاط آخرين يلتزمون بأحزاب الحكومة الحالية".‏

ومهما غالى جنبلاط وجعجع في مطالبهما لتغيير عقيدة الجيش الوطني لتحقيق المصلحة الأميركية، فإنّ مخطّطهما سيبوء بالفشل الذريع، وسيبقى كلامهما عنواناً فارغاً ومن دون أيّ مفعول على حدّ تأكيد رئيس الجمهورية العماد إميل لحود الذي يعتبر باني نهضة الجيش من تحت ركام الطائفية والتفرقة.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1205 ـ 9 آذار/مارس 2007‏

2007-03-09