ارشيف من : 2005-2008
الأزمة في لبنان: ترقب ومراوحة حتى نهاية آذار "العصي" الأميركية في "دواليب" المساعي الايرانية السعودية
وبدا مجدداً أن الولايات المتحدة الاميركية التي لا تزال المعرقل الأول والأخير لجميع مبادرات الحلول على الساحة اللبنانية سارعت إلى "وضع العصي في الدواليب" لمنع الحل، وذلك من خلال ضغط مباشر عبر دبلوماسيتها وآخر غير مباشر عبر الإيحاء إلى أدواتها في الداخل لعرقلة التسوية ولا سيما القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، يضاف اليهما هذه المرة رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة الذي اشترك مع القوات والاشتراكي في اطلاق النار على المساعي السعودية ـ الايرانية، والحديث عن مراوحة وعدم وجود مؤشرات للحل، ورفض صيغة 19 - 11 في أي حكومة وحدة وطنية. وبناءً عليه تؤكد مصادر واسعة الإطلاع في المعارضة لـ"لانتقاد" ان الأمور "عادت لتأخذ المنحى السلبي، وأن هناك مرحلة من المراوحة"، وأن السفير السعودي عبد العزيز خوجة لم يحمل معه شيئاً من رحلته الأخيرة إلى الرياض"، ولم يأت بإجابات واضحة من النائب سعد الحريري حول ورقة المعارضة للحل.
الأوساط السياسية المتابعة تؤكد أن قمة الرياض بين الملك السعودي والرئيس الإيراني كانت توصلت إلى تفاهم كامل لحل الأزمة السياسية في لبنان على أساس تشكيل حكومة وحدة وطنية وفق صيغة 19 ـ 11، وإقرار قانون المحكمة ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد تعديل نظامها بما يمنع تسييسها. وهي تسوية يرغب فيها الجانبان لاعتبارات عديدة لأنها تعيد التوازن السياسي إلى الواقع اللبناني، وسيكون لها انعكاس ايجابي على الواقعين العربي والاسلامي.
وتضيف المصادر أن هذه التسوية ترغب بها السعودية وتعمل بجد للوصول اليها وتحديداً قبل انعقاد القمة العربية المقررة نهاية الشهر الحالي في الرياض، والمسؤولون السعوديون يهمهم انجاح هذه القمة وذهاب لبنان اليها بوفد موحد، اضافة إلى أنه في حال استطاعت السعودية رعاية اتفاق لبناني على غرار اتفاق مكة بين حماس وفتح سيعزز من مكانة المملكة على الساحة العربية، بالمقابل فإن طهران تسعى لهذه التسوية على الساحة اللبنانية لتفويت الفرصة على المشروع الاميركي الذي بات يقوم على اثارة الفتن المذهبية بين السنة والشيعة في مختلف دول المنطقة، ليعزز سيطرته وهيمنته على شعوبها، ويمكن من خلال تسوية الأزمة السياسية في لبنان محاصرة المشروع الاميركي لما فيه مصلحة لبنان والمنطقة، وترافق هذا التوافق السعودي الايراني مع تجاوب سوري عبر عنه الرئيس بشار الأسد من خلال تأييد مبدأ المحكمة الدولية وفق ما يتفق عليه اللبنانيون، وفور انتهاء القمة السعودية الايرانية في الرياض كان سفيرا البلدين في لبنان محمد علي شيباني وعبد العزيز خوجة يحملان نتائجها الايجابية الى المراجع الرسمية والقوى السياسية من الموالاة والمعارضة، وكان هناك تأكيد من السفيرين أن أبواب الحلول باتت مفتوحة اذا لم تبادر واشنطن الى وضع العصي مجدداً في الدواليب. وهو ما حذر منه تحديداً السفير الايراني محمد رضا شيباني بعد زيارة قام بها الى رئيس حزب الاتحاد عبد الرحيم مراد. كذلك سادت أجواء تفاؤلية لدى قوى المعارضة بقرب الحل، وعبر عن هذا التفاؤل رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سلّم السفير السعودي عبد العزيز خوجة ورقة المعارضة للحل الذي سلمها بدوره الى رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري الذي كان لا يزال موجوداً في الرياض التي واكب فيها أجواء القمة الإيرانية السعودية، ورشحت معلومات أنه وافق على الصيغ التي وضعت للحل لكن ما لبث أن تراجع عنها.
"العرقلة"
العرقلة الاميركية لمساعي الحل برزت من بيروت من خلال أكثر من طرف في الموالاة. وجاء في المقدمة الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أعلن رئيسه وليد جنبلاط العائد من "حفلة" لقاءات مع مسؤولي الادارة الاميركية في واشنطن رفضه لحكومة وحدة وطنية يكون فيها الثلث الضامن للمعارضة، وكذلك رفض إدخال تعديلات على نظام المحكمة، وصدرت مواقف رافضة للحل أيضاً عن مسؤولي القوات اللبنانية وتحديداً عن رئيسها سمير جعجع الذي هدد باللجوء الى المعارضة إذا حازت المعارضة الثلث الضامن، وتناغم مع هذين الطرفين رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة.
وهنا تشير المصادر الى أن واشنطن استخدمت الثلاثي جنبلاط ـ جعجع ـ السنيورة في عرقلة مبادرة الحل، لأن هذه الثلاثي هو المتضرر الأول من أي حل للأزمة.
فمع هذا الحل لن يستطيع جنبلاط أن يتغذى من أجواء التحريض والفتنة بين السنة والشيعة، وسيعود الى حجمه السياسي الطبيعي المحدود، وهو ما يسعى الى عدم الوصول اليه عبر مواقفه المتطرفة في انحيازها الى المشروع الاميركي.
كذلك الأمر مع زعيم القوات سمير جعجع الذي سيظهر حجمه العادي الهامشي على الساحة المسيحية في ظل أي تسوية سياسية، وذلك عندما يتمثل التيار الوطني الحر برئاسة العماد ميشال عون بأربعة وزراء في حكومة الوحدة الوطنية، ما يضع جعجع ومسيحيي الموالاة في الزاوية.
بدوره فإن رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة بدأ يلمس أن الحلول ستأتي على حسابه، وهو لذلك بدا متجهماً في الصور التي التقطت له خلال لقاءاته الأخيرة في السراي الكبير. وهو يتخوف من أن لا يكون رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية في حال تشكيلها. كذلك فإنه مستاء من تغييبه عن المشاورات والمفاوضات التي تنحصر في هذه المرحلة برئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري وليس به. وكان تلقى ضربة معنوية وسياسية كبيرة مؤخراً عندما زار وزير شؤون مجلس الوزراء السعودي عبد الله الزينل لبنان، ووجه الدعوة الرسمية الى رئيس الجمهورية العماد اميل لحود لتمثيل لبنان في القمة العربية التي ستعقد نهاية الشهر الجاري في الرياض، حتى أن الوزير السعودي حصر لقاءاته فقط بالرئيس لحود، وغادر دون ان يلتقي السنيورة، وذلك خلافاً لما كانت أشاعته وسائل اعلام السلطة قبل وصوله الى بيروت من أنه سيوجه الدعوة الى لحود والسنيورة، وهو ما لم يحصل. وتشير المصادر الى أن السنيورة بات يعبّر عن المصالح الاميركية بشكل مباشر في لبنان، ويأخذ الأوامر منها، وأن السعودية لم تعد تمون عليه، وقد برز في هذا المجال الاتصال الذي تلقاه من وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التي طمأنته فيه الى أن التسويات لن تكون على حساب مصلحة لبنان، والمقصود مصلحة أدواتها في لبنان.
وتلفت المصادر الى معادلة اميركية لتعويض التمايز في المواقف بين القوات والحزب الاشتراكي من جهة وتيار المستقبل من جهة ثانية ضمن فريق السلطة من خلال تعويض جنبلاط وجعجع الضمور الشعبي لديهما بربطهما مباشرة بالمشروع الاميركي الصهيوني في لبنان والمنطقة، بما يسهل عليهما اطلاق المواقف التي تختلف عن مواقف المستقبل دون أي حرج في ذلك. وتوضح أن هذا المنحى هو أحد أسباب زيارة جنبلاط الى واشنطن وسيلحقه جعجع، وتلفت الى أن هذا التمايز داخل فريق السلطة سيؤدي الى تعقيد الأزمة أكثر مما هي عليه الآن برعاية اميركية. في كل الأحوال فإن التوقعات لا تشير الى حل قريب، وتتجه الأنظار الى مؤتمر بغداد الذي سينعقد غداً بمشاركة اميركية وايرانية وسورية، وما اذا ستكون نتائجه ايجابية. اضافة الى أن احتمالات الحل ستبقى واردة من الآن حتى موعد القمة العربية نهاية الشهر الحالي في الرياض، وان كانت مستبعدة، ما سيدفع الأمور نحو مزيد من التصعيد. ومن الآن حتى نهاية آذار الحالي ستشهد الأوضاع حالاً من المراوحة والترقب، ليتضح بعدها مسار الأوضاع.
هلال السلمان
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1205 ـ 9 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018