ارشيف من : 2005-2008
الطفل والكتاب المدرسي.. بين التعلق والنفور
أو سلباً لتوطيد تلك العلاقة بكل الوسائل.
لا يتوانى بعض الأهل عن استخدام العنف في سبيل تحقيق تلك الغاية، علماً بأن تلك العلاقة يشوبها النفور لدى عموم الأطفال في مجتمعنا.. وليس الطفل هو المسؤول الوحيد عن تلك العلاقة المتوترة بينهم، وبالتالي فليس الضغط عليه هو السبيل الوحيد لتوطيدها.
الأسرة دائماً:
لا تخضع علاقة الطفل بالكتاب لاستعداداته الذهنية فقط، بل إن للتربية في ذلك دوراً مهماً، والأهل أحد عناصر تلك التربية، لناحية علاقتهم بالكتاب والجو المعرفي السائد في المنزل لجهة الفقر أو الغنى.. والمؤثرات والمثيرات التي تنمي في الطفل حسّه المعرفي ودافعه الفطري إلى التعلم، وأحد تجلياتها الإقبال على الدراسة والكتاب.. فعلى الأهل تعزيز تلك الرابطة بين فطرة التعلم والكتاب المدرسي، بجعل عملية الدراسة شيئاً ممتعاً يرغب فيه الطفل ويحبه من دون اللجوء إلى أساليب الضغط والعنف، لأنها تجعل من الكتاب شيئاً بغيضاً يتجنبه قدر المستطاع، وفي أحسن الأحوال يعجز عن الاستفادة الفعلية منه إذا ما حصّل معارفه تحت الضغط.
من هنا تكون مسؤولية الأهل كبيرة في تشجيع الطفل ليس على إتمام واجباته المدرسية فقط، بل في تشجيعه على التحصيل العلمي المستقبلي، إذا ما نجحوا في جعله يُقبل على أداء واجباته المدرسية باهتمام، ويتحسس بفرح روعة الشعور بالإنجاز الذي يقف وراء أداء أي عمل مُرض ومفيد، لتعمر حياته بالجد والنشاط في ميدان كل ما هو ضروري ونافع.
التلقين
لا يتحمل الأهل وحدهم مسؤولية تقصير الطفل في أداء واجباته المدرسية، بل إن المدرسة تحتل موقعاً متقدماً في هذا الإطار، إذ إن طريقة التعليم التلقينية التي تعتمدها غالبية المدارس في إيصال المعلومة المتضمنة في ثنايا الكتاب، عامل مهم من عوامل جعله بغيضاً أيضاً.. فمدرسة تعتمد على إلقاء المعلومات بطريقة جامدة بعيدة عن عالم الطفل وحيويته وبكثافة لا تراعي مستواه العقلي وميله الطبيعي إلى التعلم باللهو، تخرّج بلا شك أطفالاً ينفرون وبشكل طبيعي من الدراسة، أو يتعاملون معها كعبء ثقيل يطلبون التخفف منه ما أمكن. ومدرسة كهذه لا يمكن أن يخرج الطفل منها متحمساً لأداء واجباته المدرسية، بل سيعمل على نسيان كل ما يتصل بها ليغرق في عالمه المحبب الذي حرم منه فترة طويلة، هذا عدا ما تتركه المدرسة بأساليب العقاب القاسي والضغط الدائم بإكثار الواجبات المدرسية من نفور لدى الصغار.
شبكة علاقات:
ولأن علاقة الطفل بالكتاب وملحقاته ليست علاقة طبيعية، فإن عوامل عديدة تدخل لتؤثر في تلك العلاقة فتقويها أو تضعفها، من أهمها العلاقات بالأصحاب والمعلمين والأهل.. فالعلاقة الطيبة بأهل يقدّرون الدراسة ويتعاملون مع الكتاب بحب، فيطالعون على مرأى من الطفل، ما يدفعه للوقوف عند رغبتهم والعمل على تقليدهم وكسب رضاهم وعدم إزعاجهم.
والعلاقة بالمعلمين هي أيضاً من أسباب الإقبال والنفور من الكتاب، فالحب والثقة بالمعلم والرغبة في إرضائه وتقليده من الأسباب التي تظهر من خلال إقبال الطفل على الاهتمام بواجبات مادة دون أخرى لمحبته أحد معلميه دون الآخرين.
أما الأصحاب فإن العلاقة بهم قد تنمي أو تعيق الدراسة، تبعاً لمستوى اهتمامهم بها. فالأطفال غالباً ما يميلون إلى تقليد أصحابهم بهدف تحقيق الانسجام مع الجماعة ونيل رضاها.
توكيد الذات
ولأن الطفل يبحث عن تأكيد ذاته منذ الصغر، فهو يتوق إلى العالم الذي يحقق فيه ذاته. لذا فانغراسه في جو اللهو قد يأخذ قسطاً وافراً من اهتمامه على حساب واجباته المدرسية، خصوصا إذا ما حقق لنفسه المكانة في أجواء اللعب واللهو، فكان رائداً وقائداً، فإنه سيأرض عن الدرس ويرغب في تمضية معظم وقته بين الأصحاب يلعب.. وعلى العكس إذا ما شعر بوجوده في عالم المدرسة مما يلقاه من عناية واهتمام، وما يحتله من مكانة بين أصحابه وزملائه في الصف والملعب بسبب تفوقه مثلاً، تجده قد جعل المدرسة وكل ما يتصل بها أول اهتماماته، وحصر تفكيره فيها، ولم يقصر أبداً في واجباته المدرسية.
لذلك كان على الآباء عدم مواجهة إعراض الطفل عن أداء واجباته المدرسية بالانفعال والعقاب القاسي، لأن ذلك يزيد الطفل ابتعاداً عن المدرسة والدراسة. بل عليهم البحث عن جذور المشكلة من حيث ذكاؤه واستعداداته وميوله ومدى تكيفه مع الصف الذي أودع فيه، فقد يجد صعوبة كبيرة في مواده، أو يجدها دون إمكانياته.. وما إذا كان يعاني من مشكلة نفسية مدرسية أو أسرية تصرف اهتمامه عن الدراسة والكتاب وتجعله يستغرق في عالمه الذاتي.
فليس من سبيل أقصر إلى جعل الأطفال يهتمون بواجباتهم المدرسية من إبداء الاهتمام الجدي بهم.
منى بليبل
الانتقاد/ دراسات ـ العدد 1205 ـ 9 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018