ارشيف من : 2005-2008

ثقافة الإيثار

ثقافة الإيثار

السلام بالتحديد.‏

هذه الحادثة التي ذكرها القرآن الكريم في سورة الإنسان بقوله تعالى: "يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً، ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً، إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً".‏

تحكي هذه الآيات موقفاً من مواقف الإيثار والعطاء الذي جسّدته الأسرة الطاهرة لآل بيت النبي (ص)، حيث مرض الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام، فنذر الإمام علي (ع) والصدّيقة الزهراء (ع) أن يصوما ثلاثة أيام إن شفى الله ولديهما، وطبقاً لبعض الروايات فإن الحسن والحسين (ع) قد اشتركا أيضاً في هذا النذر. فلما شفى الله الحسن والحسين (ع)، لم يكن مع الإمام علي (ع) شيء يقدّمه لأسرته لتعد طعام الإفطار، فاستقرض ثلاثة أصوع من شعير.‏

في اليوم الأول خبزت الزهراء (ع) صاعاً من هذا الشعير وقدمته أرغفة بين يدي أسرتها لتفطر عليها، وإذ بمسكين من مساكين المسلمين ينادي: "أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة"..‏

فما كان من الأسرة الطاهرة إلا أن قدمت طعامها المتواضع لهذا المسكين، وباتت ليلتها لم تذق فيها إلا الماء.‏

وقد تكرر هذا المشهد في اليوم الثاني والثالث أيضاً، حين وقف يتيم ومن ثم أسير يسألان أهل بيت النبوة الصدقة والطعام، فكان الإيثار على النفس جواباً لليتيم والأسير، وأمضى الصائمون ليلتهم بشربة ماء قد أفطروا عليها.‏

إن ما رسمه هذا الموقف السامي لآل بيت النبي (ص) من صورة رائعة لمفهوم الإيثار في أعلى مراتبه، لهو مدرسة عظيمة ترشح ثقافة وقيماً في المجتمع الإسلامي، الذي ينطلق ويولد في رحم الأسرة الصغيرة (نواة المجتمع)، وتنعكس فيه منظمة القيم والتوجهات والعادات التي تحملها هذه الأسرة، وتترجم في أخلاقيات المجتمع وسلوكياته.‏

فالأسرة التي تعتمد في تربيتها لأبنائها على تجسيد الأخلاق والقيم وترجمتها، وتحرص على بث روح التضحية والعطاء بين أفرادها، مؤثرة حاجات المجتمع ومتطلباته على حاجاتها الخاصة، ترسخ دعائم المجتمع القوي المتماسك، وتساهم في صناعة أجيال متكاملة، متضامنة متوحدة في كلمتها وقرارها، ومشتركة في أهدافها وغاياتها.‏

وما نشاهده ونلمسه في حياة أهل البيت (ع) من أمثال هذه المواقف، ما هو إلا حقيقة يعيشها أفراد هذا البيت الطاهر، ورسالة يبعثون بها إلى أفراد المجتمع ليتخلقوا بأخلاقهم ويتمثلوا بفعالهم.‏

فالإيثار في مفهوم أهل البيت (ع) ليس مصطلحاً علمياً له تعريف نظري جامد، بل هو حركة وعمل يظهر أثره في المجتمع، دعماً ومساندة للآخر، وقد يكون دعماً مادياً أو معنوياً، وفي كلتا الحالتين له بصماته ودلائله في تثبيت دعائم المجتمع، وإيجاد روحية حمل هم الآخر والإحساس بالأمّة.‏

فحين تنعدم هذه الروحية بين أبناء المجتمع، يتضعضع المجتمع لا محالة، ويفقد قوته شيئاً فشيئاً، ويسهل على أي عدو أو مستبد أن يستبد ويعبث بمقدرات المجتمع والأمّة.‏

لذلك اعتبر النبي (ص) أن من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم، لأنه بلا مبالاته هذه يساهم في زعزعة كيان المجتمع ويفقده مكوّناً أساسياً من مكوّناته.‏

ان قوة المجتمع وصلاحه تبدأ من قوة الأسرة وصلاحها، فحين نطمح لمجتمع ثقافته الإيثار والتضحية، سواء على صعيد المادة أو الروح، لا بد من أن نهيئ مقدمات تحقيق هذا الطموح، وذلك من خلال الاقتداء الصادق والصحيح بأهل بيت النبوة (ع)، والتشبه بمواقفهم وفعالهم، والتعالي على روح الأنانية وحبّ الذات لمصلحة الأهداف الكبرى.‏

والحق يقال: إن في مجتمعنا ثلة قدمت أروع نماذج الإيثار، مستلهمة ذلك من أهل بيت النبوة (ع)، فصدقت في تأسيها واقتدائها بهم (ع)، وصدقت في ما عاهدت الله عليه، باذلة أموالها وأولادها ودماءها في سبيل عزّة وكرامة الأمّة.‏

إيمان شبلي‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1205 ـ 9 آذار/مارس 2007‏

2007-03-09