ارشيف من : 2005-2008

وسيلة خطاب الروح مع بارئها: الدعاء صناعة خاصة بأولي العلم

وسيلة خطاب الروح مع بارئها: الدعاء صناعة خاصة بأولي العلم

أفضى الى هذه النتيجة. وبعد استقراء الكتب المعتبرة مثل كتاب "البحار"، التي أوردت الأدعية المأثورة والصحيحة في سندها ومضمونها، نجد أن النتيجة المنطقية لهذا الاستقراء تفيد بأن جُلَّ الأدعية والمناجيات الربانية الرائعة هي من صناعة نبي الرحمة محمد وأئمة الهدى من أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، الذين اختُصوا جميعاً بهذا العلم الرباني الذي لا يقدر على مجاراتهم فيه أحد من الناس.. ولم يُستثنَ أحد منهم (ع) من الحبوة بهذا العلم، بدءاً من نبي الرحمة محمد (ص) وصولاً الى الإمام الحجة المنتظر (ع). وقد استُعملت كلمة "جُل الأدعية" لجعل التوصيف دقيقاً، حيث وردت بعض الأدعية مروية عن غير النبي (ص) والأئمة (ع)، مثل دعاء الجوشن الكبير الذي علّمه جبرائيل (ع) للنبي محمد (ص)، ودعاء كميل بن زياد الذي علّمه أمير المؤمنين (ع) لكميل، وهو معروف بدعاء الخضر (ع)، وغير ذلك من الأدعية التي تُروى عن بعض أنبياء الله (عليهم السلام).‏

صناعة الدعاء‏

وقد ورد نهي من بعض الأئمة (ع) لبعض الأصحاب في أن يتكلف مشقة تأليف دعاء ليدعو به ربّه، حيث إن وسيلة الخطاب مع الله عز وجل لا يمكن أن يسبر غورها ويفهم كنهها وأدواتها غير أولي العلم الذين اختصهم جل وعلا بعلمه المكنون. فقد روى الكليني عن عبد الرحمن القصير قال: دخلت على الصادق صلوات الله وسلامه عليه فقلت: جُعلتُ فداك، إني قد اخترعتُ دعاءً. فقال (ع): دعني من اختراعك.. ثم أنعم عليه بتعليمه عملاً ينبغي أن يؤديه. وروى الصدوق عن عبد الله بن سنان قال: قال الصادق (ع): سيصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يُرى ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق. قلت: وكيف دعاء الغريق؟ قال: تقول: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك. فقلت: يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبي على دينك. فقال: إن الله عز وجل مقلِّب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.‏

إن التمعن في مضمون الروايتين الآنفتين اللتين تنهيان صراحةً عن تكلف ابتكار الدعاء أو الإضافة إليه، ولو كان المضاف أمراً وارداً في السنة الشريفة، إنما يدل على أن الدعاء ـ ولو بالحد المنصوص عليه ليُدعى به ـ أمرٌ وقفي اختص الله تعالى بعلمه عدداً من أولي العلم، ممن مضى من الأنبياء والصالحين من عباده، أو من أولئك الذين حددهم نبي الرحمة محمد (ص) وعدَّدهم واحداً تلو آخر، وهم يبدأون بعده (ص) بالإمام الأول للمسلمين علي بن أبي طالب (ع)، وينتهون بالإمام الثاني عشر الإمام الحجة المنتظر (ع).‏

العلم في الدعاء‏

تزخر الأدعية المأثورة عن نبي الرحمة (ص) وأئمة المسلمين (ع) بالمضامين العلمية الراقية والمتنوعة، التي تفيد باطلاعهم ومعرفتهم (ع) بالعلوم على اختلافها، وخاصة العلوم المتعلقة بذات الله سبحانه وتعالى. ومصاديق ذلك وشواهده أكثر من أن تُحصى، وهي موجودة في جل الأدعية المأثورة عنهم (ع). ومثال ذلك ما جاء في دعاء الصباح لأمير المؤمنين علي (ع) حيث يقول: "اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه، وسرَّح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه، يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجلَّ عن ملاءمة كيفياته...".. فهذا الدعاء مليء بالمضامين العلمية التي تصف حالة حلول الصباح بعد انقضاء الليل بدقة متناهية، وبكلمات تحتاج الى الشرح والتفسير ليُدرك المقصود منها من ناحية، ومن ناحية أخرى يتضمن هذا الدعاء وصفاً يتحدث عن الله عز وجل بعبارات فلسفية معرفية، تنم عن إحاطة وإدراك تامَّين بالعبارات المؤدية الى تعريف ذات الله جلَّ وعلا، تعريفاً دقيقاً ينزهه تعالى شأنه عن وصف الواصفين بما لا يليق به، أو بما ليس فيه.‏

إن شجرة الإسلام التي ترسخت جذورها في أرض الله وامتدت فروعها الى عنان السماء، كان أئمة المسلمين يروونها بعلمهم الذي كان من علم نبي الله محمد (ص)، ليجني المسلمون قطافها الذي يغذِّي الروح.. والدعاء هو من قطافها.‏

عدنان حمّود‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1205 ـ 9 آذار/مارس 2007‏

2007-03-09