ارشيف من : 2005-2008
مجلة "نجاة" في عددها الرابع عشر :منبر جريء حرّ من منابر المقاومة
حالة نادرة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني الممتد أكثر من نصف قرن حتى الآن، ما جعل وقع هذا الانتصار "حميماً" على كل ملتاع من الصهاينة وجرائمهم العدوانية، لما حمله من شفاء لغليل كل رافضٍ أصلاً، لإنشاء الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين المحتلة.
وهذا الانتصار كان محور العدد "الرابع عشر ـ شتاء 2007" من مجلة "نجاة" (متخصصة في شؤون المرأة والمجتمع) في سنتها الخامسة.
إن من حقق هذا الانتصار، وكل من موقعه ودوره الاجتماعي وبتلاحم الجهود الكلية: رجال "حسينيون"، مقاومون (عسكريون)، ومدنيون على السواء، ونساء "زينبيات"، وفتيان وفتيات من الطينة نفسها، نوعاً ونمطاً في اكتمالٍ دائري مُحكم. لذا كان من الطبيعي أن نجد خلفية واحدة موحدة لنصوص هذا العدد (128 صفحة) "الدائرة" في فلك واحد بمناخه العام وآفاقه المتعددة، إذ إن هذه الخلفية تتمثل بقضية جوهرية هي قضية حياة أو موت مع عدوّ لا يعرف ـ وليس على استعدادٍ بالمطلق لأن يعرف ـ غير لغة القتل والإلغاء اللذين يمارسهما بأدوات شتّى ووسائل مختلفة.
يجمع هذا العدد الخاص بالانتصار كموضوع واحد، مقاربات عدة هي عبارة عن قراءات متعددة الوجوه لهذا الموضوع، من زوايا نظر مختلفة لأصحابها، كل بحسب موقعه الثقافي والفكري والاجتماعي، في تناوله النصّي لجانبٍ دون آخر، ولمزية دون أخرى من الجوانب والمزايا الخلاّقة للمقاومة التي تطول قائمة تعدادها، وتتسع رقعة إحصائها اتساعاً كبيراً، هذه التي ساهمت مجتمعة في تحقيق هذا الانتصار. وفي هذا الإطار فإن مواد هذا العدد من المجلة التي راوحت في أساليبها المتنوعة بتنوّع أقلامها، بين المقال الصحافي والتحقيق والبحث والدراسة، والإضاءة على موضوع معيّن أو قيمة محددة في قصيدة شعرية أو قصة قصيرة أو مقابلة، إن هذه المواد قُسمت على الشكل التالي: القسم الأول تضمن ملف العدد بعنوان: "المرأة والصمود"، ويطلعنا على عدة نماذج للمرأة في المجتمع المقاوم في أثناء تلك الحرب المفروضة عليه، من خلال موقعها الحياتي وأداء دورها المقتنعة بتأديته حتى حدود الشهادة، كزوجة لمقاوم استشهد في هذه الحرب أو كأم فقدت طفلتها. يعرّفنا اليهما المقال الأول لشادية الجرمقي بعنوان: "لمن يتساءل: كيف يصبرون؟!"، أو كعاملة في الوسط الإعلامي المقاوم (محطة المنار وإذاعة النور وسواهما)، يعرّفنا اليها تحقيق لنورما الخنسا بعنوان: "إعلاميات تحت النار".. فهؤلاء "المقاومات" هنّ عيّنات محدودات ممّن تلوّنت نفوسهنّ بألوان التجمّل بالصبّر الشديد على المكاره وصروف الدهر المريرة وحدثانه المقيت، واتصفن بالمثابرة والطموح للارتقاء إلى مصاف التماثل بمثاليهن الأعليين ورمزيهن الأثيرين: السيدة فاطمة الزهراء وابنتها العقيلة زينب عليهما السلام، في العطاء والتضحية والتفاني والإيثار من خلال تجاربهن التي تحمل "وعظها" الأخلاقي والإنساني التلقائي الظاهر والصادق معاً. كما يطلعنا مقال بعنوان: "أنامل طرية.. وقنابل ذكية" على نموذج الحراك اللافت والجريء لفتيان وفتيات هذا المجتمع، عبر محاولاتهم مشاركة المقاومة ودعمها ضمن إمكانياتهم المتواضعة.
يلي هذا الملف في القسم الثاني ملف آخر بعنوان: "أسرار الانتصار"، ويتضمن مقالات ودراسات وأبحاثاً عدة، منها دراسة للباحث محمود حيدر بعنوان: "التبصّر الخلقي كعامل مؤسس لاستراتيجية الانتصار". ومحور هذه الدراسة هو طبيعة الأداء السلوكي للمقاومة كأصلٍ تكويني لها. والدراسة التي تليها للدكتور عباس مزنر بعنوان: "الدعاية السياسية والحرب النفسية في السلم والحرب"، وتتناول كيفية خلق المقاومة ثقافة الانتصار على العدو الصهيوني ميدانياً وإعلامياً.
تليها مقابلة أجرتها زهرة ملدان مع الأستاذ أنيس نقاش الذي تناول مقومات هذا النصر بصفته نصراً استراتيجياً، وقد صدّرت الكاتبة هذه المقابلة بكلمات معبّرة عن سرّ الانتصار لوالد شهيد المقاومة قاسم بيضون بقوله: "بالإيمان والإرادة انتصرت المقاومة، بإيمان شبابها وصدق قضيتهم وطريقهم المفتوح إلى أبواب الجنة، إذ اختارهم الله ليكونوا شهداء، فلو لم تكن لديهم هذه القوة والعزيمة لما حققنا الانتصار".. وفي مقال "خارج الكلمات" قامت الدكتورة هدى رزق بقراءة تحليلية للرسائل التي وجهها قائد المقاومة السيد حسن نصر الله خلال الحرب المذكورة الى جمهوره واللبنانيين عموماً والشعوب والحكومات العربية والعدو الاسرائيلي، هذه الرسائل التي أثبتت في النهاية أن "النصر إرادة جهادية مؤمنة بعدالة قضيتها". وفي مقال للدكتورة غادة حب الله بعنوان: "القانون الدولي.. لا حياة لمن تنادي"، تناولت مخالفات وانتهاكات "اسرائيل" للقوانين والأعراف الدولية الإنسانية، وبالمقابل كيفية التزام المقاومة بهذه القوانين والأعراف انطلاقاً من خلفياتها الدينية الإسلامية. وفي مقال بعنوان "جنود الدومينو" لهادي أبو زيد يقول الكاتب: إن جنود العدو الصهيوني هم ليسوا أكثر من أحجار "دومينو" بأيدي السلطة السياسية الإسرائيلية العليا، ما أفقدهم القدرة على اتخاذ مبادرات فردية على أرض المعركة، وسبّب انقيادهم إلى هزيمتهم أمام رجال المقاومة.
أما مقال مريانا إبراهيم بعنوان: "وأعدّوا لهم"، فترصّدت الكاتبة فيه المعالم التي رسمت طريق مجاهدي المقاومة الاسلامية الذين اتخذت معركتهم أبعاداً غيبية، تماماً كأبعاد معركة بدر عندما انتصر رسول الله محمد (ص) وأصحابه على مشركي قريش. ولميسون رضا إضاءة تعريفية بالسيرة الجهادية التاريخية لأهل جبل عامل (الجنوب اللبناني) بعنوان: "عاملة قلب ينبض ثواراً"، منبت الثوار والمجاهدين الذين لم يستسلموا يوماً لأي غاصب محتل أو طاغٍ مجرم، هم أجداد وآباء أبطال المقاومة في حرب تموز الذين "تراب الأرض يعرفهم".. وهذا عنوان نص حواري للشيخ محمد سبيتي مع أحد مجاهدي المقاومة الذي يؤكد في واقعة يذكرها المدد الغيبي (الإلهي) الذي تلقّاه رجال المقاومة في الميدان، إلى مقالة مرادفة هي عبارة عن حديث مفترض لأحد المقاومين مع جندي صهيوني ما بعنوان: "هل تعرف الفرق بيني وبينك؟" في كلام مؤثر، يظهر الفرق الشاسع بين تربية ونشأة وثقافة النقيضين، في إثباته حقيقة خلفية النصر المؤزّر لرجال المقاومة على العدو الصهيوني.. وهذا الكلام المعبّر في منطقه هو أصدق وأوضح بما لا يُقاس من كل التحليلات والتخمينات حول هذه الحقيقة الدامغة في ذاتها، والتي أحد "شهودها" ما حمله مقال رباب عواضة بعنوان: "رعد.. خيبر.. دعاء الجوشن"، فهذا المقال هو إطلالة على مفاعيل "دعاء الجوشن" الذي أمر رسول الله المؤمنين بتلاوته، لأنه سلاح ينجي من الأعداء، فكان الدرع الحصينة لرجال المقاومة في الميدان، وكان عاملاً استراتيجياً في تلاحمهم بجمهورهم المؤمن الذي احتضنهم في الحرب، فكانت لحمة المقاومة وشعبها تامة، وهذا ما يتناوله مقال زينب جمعة.
أما القسم الثالث فيتضمن أربع قصص قصيرة تضيء على شخصيات أربعة مقاومين، إلى نصوص شعرية ونثرية أخرى في الأدب المقاوم لشعراء عرب، ونصوص صحافية عربية وصهيونية، الأولى تظهر فرادة هذه المقاومة وقائدها، والثانية تشهد على ذلك بطريقتها الخاصة، وتشهد على ارتباك العدو وخذلانه وحيرته في أمر هذه المقاومة وقائدها. وعلى طريقة "من فمك أدينك"، يحمل هذا العدد أيضاً نصوصاً مترجمة لصهاينة يتبجّحون ـ بشكل سافر ـ بقتل العرب، كل العرب دون استثناء، عبر مسوّغات هستيرية مختلفة واستيهامات غرائزية إجرامية لا يقبلها أي عقل إنساني على الإطلاق.
يبقى القول: إن "نجاة" منبر حر وجريء من منابر المقاومة الملتزمة بالقضايا الاجتماعية والقومية والوطنية العادلة، عبر تغطية إعلامية تؤكد خصوصيتها كمشروع ثقافي يسعى في مجاله، للنهوض بالمرأة في مجتمعنا نهوضاً يجعلها ـ كما هو جليّ في هذا العدد ـ في موضع الاقتدار والحركة الاجتماعية الفاعلة والهادفة.
أحمد ياسين
الانتقاد/ قراءة ـ العدد 1205 ـ 9 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018