ارشيف من : 2005-2008
السيد فضل الله: ويعيش اللبنانيون في الجدال الدائر بين السياسيين المحترفين بين خط التفاؤل وخط التشاؤم من خلال ضغط إقليمي أو عربي أو تدخل دولي
لإخراجها من نطاق التسييس للقضية، وحول الحكومة التي إذا اتفق المتحاوران على إعدادها فسوف يختلفون على توزيع حقائبها على أساس طائفي أو حزبي داخل الطائفة. ويعيش اللبنانيون في الجدال الدائر بين السياسيين المحترفين بين خط التفاؤل وخط التشاؤم من خلال ضغط إقليمي أو عربي أو تدخل دولي في لعبة سياسية تضع الشروط الملائمة والشروط المضادة التي تتوزع على حسابات مشاريع الدول الكبرى، ولاسيما أميركا وفرنسا، الضاغطة على الخطوط العربية والإقليمية في قضايا الصراع الدائر على المصالح وفي التجاذبات المتحركة لهذه الجهة أو تلك".
وقال سماحته في خطبة الجمعة في مسجد الإمامين الحسنين (ع) "يبقى الموسم الغني بالتصريحات والتحليلات والشعارات التي يضيع فيها اللبنانيون الذين لا يعرفون ماذا يأخذون وماذا يدعون. وتتطاير كل حالات الثقة بالواقع السياسي الذي لا يجد فيه الناس اهتماما بالوطن المدمر الجائع المحروم المدول في المصالح المتناقضة للدول، ولا يلمحون تخطيطا دقيقا لمشاريع الإصلاح في المستقبل، ويبقى الذين قتلوا وسرقوا وأهدروا في مواقع القمة التي اجتاحت أكثر من قاعدة شعبية في أكثر من مرحلة، حيث الزعامات الطائفية التقليدية تشير إليها أن لا تفكر بالوطن، بل بالطائفة والأشخاص الطائفيين على أساس هذا النظام الطائفي الذي أضاع لبنان واللبنانيين أمام كل المشاكل والتحديات والتطورات التراجعية في المنطقة".
وتابع سماحته "في المشهد الأميركي، تتحرك جماعة الضغط الإسرائيلي الأبرز في الولايات المتحدة الأميركية، في مؤتمرها لكسب التأييد لإسرائيل، ولتستعرض قوتها في التأثير على القرار السياسي للادارة الأميركية في الحياة العامة مرتكزة على نفوذها الكبير الذي لا تملك أي جهة مخابراتية النيل منه حتى عندما تقدم بعض المعلومات ضدها، وخصوصا أن غالبية الأعضاء في الحزبين الديمقراطي والجمهوري يتفقون على دعم إسرائيل سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ويضغطون على الإدارة لتقديم المليارات من الدولارات لها لتقوية قوتها العسكرية بمختلف الأسلحة المتطورة، ولاسيما عندما تخوض حربا ضد أي جهة عربية، وهذا ما عرفه العالم في عدوانها على لبنان، لأن الحروب الإسرائيلية تتحرك في استراتيجية الحروب الأميركية لتحقيق المشاريع الأميركية ضد المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين باعتبارها من مواقع الممانعة للسياسة الأميركية".
أضاف: "من اللافت أن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني حضر المؤتمر بصفة كونه مؤيدا قويا لإسرائيل التي لم يكن لها أبدا صديق أقرب إليها في البيت الأبيض، وقد تحدث عن الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة باعتبارها حربا إرهابية ضد إسرائيل، حيث قتل فيها إسرائيليون وأطلقت فيها صواريخ على مناطق مدنية. من دون أن يشير إلى التدمير الهائل الصهيوني للبنية التحتية في لبنان، ولوقوع عشرات الضحايا من الشهداء والجرحى اللبنانيين وإطلاق الصواريخ والقنابل الأميركية الذكية التي أرسلتها أميركا عبر الجسر الجوي لدعم العدوان، فضلا عن القنابل العنقودية التي لا تزال تقتل وتجرح المدنيين، ولاسيما المزارعين في لبنان. ويرى أن إسرائيل لا تزال في موقع المعرض للخطر في المنطقة، لأن المقاومة تمنعها من الاستمرار في عدوانها، باعتبار أن الخطة الأميركية هي منح الصهيونية الحرية في القتل والتدمير والحصار ضد أي بلد عربي، ولاسيما فلسطين، ليكون رد الفعل الدفاعي عدوانا على الكيان الصهيوني. كذلك رأي تشيني أن الانسحاب من العراق من دون تحقيق الحسم يمكن أن يلحق أشد الضرر بإسرائيل، ولم يتحدث عن إلحاق الضرر بأميركا، لأن مصلحة إسرائيل تتقدم على مصلحة أميركا عند أمثاله من السياسيين وغيرهم من المحافظين الجدد".
واشار الى "ان مثل هذا الرجل الحاقد على العالم الإسلامي هو الذي يحرك الرئيس الأميركي في قراراته في الحروب التي يحركها في المنطقة ويخطط ـ مع إدارته ـ في حروب جديدة. وهذا إضافة إلى مطالبته الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل والامتناع عن مقاومة الاحتلال من دون أن تقدم إسرائيل اعترافا بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، حتى على مستوى الأراضي المحتلة عام 67 ".
وتابع: "وفي المشهد الإسرائيلي ـ في المؤتمر نفسه ـ وقفت وزيرة خارجية العدو لتطالب الدول العربية بتغيير صيغة السلام أولا ثم التطبيع والتي تشكل جوهر رسالة المبادرة العربية وخاطبتهم : لا تنتظروا حلول السلام قبل أن تطبعوا العلاقات، وعليكم الشروع بتطبيع العلاقات منذ الآن، لأن المطلوب من العرب ولاسيما المعتدلين ـ حسب التصنيف الأميركي ـ الاستسلام للعدو لينظر بعد ذلك فيما يمكن أن يمنحوا من السلام الذليل الخاضع الذي لا يعطي الفلسطينيين إلا ما يحقق لإسرائيل كل استراتيجيتها الاستيطانية انطلاقا من تأكيدها على الضعف العربي الذي يحكم الواقع العربي كله أمام أميركا وإسرائيل... كما طالبت وزيرة خارجية العدو مؤتمر القمة القادم في الرياض بأن يحذف من المبادرة العربية حق العودة للاجئين، لأن إسرائيل لن تقبل به أبدا، بالرغم من تأكيد قرار الأمم المتحدة 194، لأن إسرائيل لا تحترم قرارات الأمم المتحدة التي تصطدم بمصالحها بدعم من أميركا التي تتاجر بقرارات مجلس الأمن ضد كل ما هو عربي وإسلامي، فقد تحولت الأمم المتحدة إلى موقع للضغط الأميركي على كل دولة ممانعة أو معارضة للسياسة الأميركية التي بدأت تضغط على الاتحاد الأوروبي وعلى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بين وقت وآخر".
"إننا نأمل من مؤتمر القمة العربية أن يوفر على القضية الفلسطينية هذا السقوط السياسي في التنازل عن القضايا الحيوية المصيرية للشعب الفلسطيني، ولاسيما حق العودة الذي يقابله في الاستراتيجية اليهودية دعوة اليهود في العالم إلى القدوم إلى فلسطين التي يصادر الصهاينة أراضيها من خلال المستوطنات والجدار العنصري الفاصل لحساب اليهود".
اضاف:"لقد تعود العرب على تقديم التنازلات المجانية لإسرائيل وتعودت إسرائيل على الإصرار على مطالبها من دون مقابل، الأمر الذي يوحي بالهوان الذي يسقط فيه القائمون على العالم العربي بالمستوى الذي لم يبق لديهم ما يحافظون به على ماء الوجه".
"ومن جانب آخر، فإن اللقاء الذي انعقد بين رئيس الحكومة الصهيونية ورئيس السلطة الفلسطينية، كان لقاءاً فاشلا من الناحية السياسية من خلال الضغط على الفلسطينيين بعدم السماح بحكومة الوحدة الفلسطينية إذا لم يطلق سراح الجندي الإسرائيلي تماما، كما لو كانت إسرائيل هي المسيطرة على مسألة حكومة الوحدة التي لا تزال إسرائيل تعارضها من خلال معارضتها لاتفاق مكة الذي اعتبرته وزيرة خارجيتها مشكلة قوضت الجهد الأميركي الإسرائيلي لتحريك العملية السلمية، وذلك بإبقاء الحرب بين حماس وفتح من أجل إبعاد حركة حماس عن المسؤولية السياسية لتبقى شروط اللعبة بيد العدو وحليفته أميركا".
اضاف:"وفي ضوء ذلك كله، فإننا نناشد الشعب الفلسطيني بفصائله المجاهدة وبسلطته وحكومته ألا يخدعوا بما تتحرك به اللجنة الرباعية والموفدون الدوليون، لأن أميركا هي التي تقود المسيرة كلها بما يحقق الاستراتيجية الإسرائيلية، ويضغط على الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي سوف يؤدي إلى السقوط في فخ لعبة الأمم التي منحت فلسطين لليهود، وهي التي تستكمل شروط اللعبة الاستئصالية الخبيثة. وليس إلا استمرار الانتفاضة هو الذي يحاصر كل ظروف اللعبة، لأن الشعوب هي التي تفرض إرادتها على الذين يضغطون عليها بالخطة الواعية القوية المتحدية التي ترد التحدي بمثله".
وتحدث عن العراق, وقال:" في العراق، لا تزال المأساة تتمثل في ضحايا الشعب العراقي التي تتساقط يوميا بمختلف الوسائل الوحشية تفجيرا وقصفا واغتيالا وتدميرا من خلال حركة الاحتلال الذي يحاول تغطية فشله بالعنف العشوائي وحركة التكفيريين الذين يستحلون دماء المسلمين من خلال الحقد الخبيث والفهم الجاهل لحدود الإسلام، هذا فضلا عن المؤتمر المنعقد في بغداد الذي لا يخطط لمصلحة العراق في حماية شعبه، ولكنه يتحرك من أجل ترتيب العلاقات الأميركية وبعض دول الجوار في قضايا غير عراقية في الوقت الذي لا تزال الخلافات السياسية على أشدها بين الأطياف العراقية التي قد تلبس ـ بين وقت وآخر ـ لبوسا مذهبيا أو طائفيا من دون التخطيط لمصالحة وطنية تؤكد الوحدة العراقية وطرد المحتل من البلد كله، لأنه هو سر المشكلة في كل المآسي التي يتخبط فيها الشعب العراقي".
"وتمتد المأساة الإسلامية من العراق إلى أفغانستان إلى السودان إلى الصومال إلى اليمن... ثم إلى لبنان وإيران من خلال حركة الفوضى البناءة التي أرادتها أميركا لإفقار المنطقة الإسلامية وإرباك كل مشاريعها الوحدوية الإصلاحية وللسيطرة على كل ثرواتها الطبيعية، انطلاقا من الذهنية الإمبراطورية التي لا تحترم الإنسان، بل تركز على مصلحها الاستكبارية على حساب الشعوب".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018