ارشيف من : 2005-2008
«خبير» ونائب ورئيس يجتهدون ولا ينالون إلا «أجراً واحداً»!
الحالي حركة مزدهرة في هذا المجال شارك فيها رئيس جمهورية أسبق ونائب حالي ووزير ونائب أسبق، منحته بعض وسائل الإعلام لقب «خبير دستوري». وبعيداً عن الأهداف والمرامي السياسية الكامنة وراء تلك الطروحات يتوجب التوقف عند ما شهده هذا الأسبوع من «مد اليد» لأحكام الدستور، والذي جاء بعضه تكراراً لمواقف سابقة والبعض الآخر من ابتكارات الساعات الأخيرة، الأمر الذي يجيز قراءة ما أثير بإيجاز.
الخبير الدستوري
يقول «الخبير الدستوري» إن «المجلس النيابي ينعقد حتماً مع بداية العقد العادي، ويكون رئيس المجلس مستنكفاً إذ لم يدع إلى جلسة، ويحق لنائب الرئيس عندها ترؤس الجلسة».
ومن الواضح جداً أن هذا الموجز الذي لخصت به وسائل الإعلام اجتهاد الخبير هو همايوني بامتياز. فما هي العلاقة بين بدء العقد الأول لمجلس النواب وإلزامية الدعوة لجلسات؟ إن بداية العقد لا تعني أكثر من أن المجلس قد أصبح دستورياً يستطيع عقد الجلسات العامة ولا شيء غير ذلك.
وقد تكون «الحتمية» أو «الحكمية» التي أشار إليها الخبير ناتجة عن سوء أو قصر في الإطلاع. فالنظام الداخلي لمجلس النواب الصادر كان ينص في المادة 27 منه على انتخاب أعضاء اللجان النيابية في بداية عقد آذار (العقد العادي الأول)، وربما استناداً الى هذا النص قال الخبير باجتهاده. ولكن المجلس كما هو معروف أقدم على تعديل نظامه الداخلي سنة ,1982 وشمل هذا التعديل المادة 27 بحيث أصبح نصها كالتالي: «في الجلسة التي تلي انتخاب هيئة مكتب المجلس بعد الانتخابات العامة وفي بدء دورة تشرين الأول من كل سنة يعمد المجلس إلى انتخاب لجانه الدائمة». فمن أين جاء الخبير بتلك الحتمية؟ بعد أن مضى على تعديل النص حوالى ربع قرن؟ وفي مطلق الأحوال ماذا يقول الخبير في بدء دورات عادية سابقة من دون إقدام المجلس على عقد جلسات؟ هل كان المجلس خارقاً للدستور، وكانت رئاسة المجلس مستنكفة؟ ولماذا لم يضع الخبير تقريراً بهذا إذا كان يعتقد بذلك؟ ألا يمكن القول هنا إن خبير السير مثلاً عندما يضع تقريراً عن حادث مستنداً في إلقاء التبعة الى قانون ملغى، يكون قد حكم على نفسه بسحب رخصة الخبير منه؟
ويقول الخبير: إن المسؤول عن عدم إكمال الحكومة هو رئيس الجمهورية!!
قد لا تحتاج هذه الفتوى الى توضيح لإثبات عدم دقتها كونها تنضح بأكثر من مخالفة لروح الدستور ونصه. فاستقالة الوزراء مصادرة من قبل رئيس حكومة. لا يحيلها إلى رئيس الجمهورية للاتفاق معه حول تعيين البدلاء. والاستقالة رفضها رئيس الحكومة، وبمجرد هذا الرفض تتكوّن مخالفة دستورية. كما أقدم مجلس الوزراء على ذلك تمشياً مع القول «إن الناس على دين ملوكهم»، ليسجل بذلك على نفسه مخالفة أخرى. ورئيس الجمهورية ليس المكلف بتشكيل الحكومات ليبادر إلى طرح أسماء البدلاء على «دولة الرئيس». فمن أين استنبطت مسؤولية فخامة الرئيس عن ملء الفراغ يا ترى؟
فتوى نائب
ويفتي نائب من البارزين بدستورية الحكومة حالياً استناداً لعدم توافر أي حالة من الحالات الست التي تنص عليها المادة 69 ـ دستور وتعتبر معها الحكومة مستقيلة.
صحيح أن أي حالة لا تتوافر لاعتبار الحكومة مستقيلة. ولكن الصحيح أيضاً أن الحكومة تعتبر مستقيلة في غير الحالات الست التي وردت في المادة بصورة غير حصرية، لأن هناك مواد دستورية تضيف حالات أخرى إلى الحالات الست. فالمادة 72 نصت على أن «يُكفّ رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن العمل فور صدور قرار اتهام بحقه...»، فماذا يبقى من دستورية الحكومة عندما تكفّ يد رئيسها عن العمل؟ مع الإشارة الى أن كفّ اليد لا تعني استقالة رئيس الحكومة. فمن تُكفّ يده قد يستقيل أو لا يستقيل بدليل أن المادة 72 نفسها تقول: «وإذا استقال ـ رئيس الحكومة الذي تُكفّ يده ـ لا تكون استقالته سبباً لإقامة الدعوى..». والمادة 95 نصت على أن «تتمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الحكومات». فكيف يبقى الوضع الحكومي دستورياً إذا لم تتمثل الطوائف بصورة عادلة؟ أليس في ذلك سبب ثامن لاعتبار الحكومة مستقيلة؟ وهل يمكن التساهل هنا لجهة تعطيل هذا النص بالإقدام على مصادرة استقالات وزراء طائفة كي يُقال إن الطوائف متمثلة بصورة عادلة؟!
رئيس أسبق
ويختتم رئيس جمهورية أسبق مسلسل الفتاوى الدستورية باجتهاد لتسهيل انتخاب رؤساء الجمهورية، فيقول إن جلسة انتخاب الرئيس يكتمل نصابها بالأكثرية المطلقة عملاً بالمادة 34 ـ دستور التي تحدّد نصاب الجلسات بصورة عامة، وبالتالي فإن الاستحقاق الرئاسي يبقى خاضعاً لأحكام المادة 74 معطوفة على المادة 75 ـ دستور.
وبعيداً عن المماحكات حول المادة 49 التي تحدّد أصول انتخاب رئيس الجمهورية، يمكن لفت نظر «صاحب الفخامة الأسبق» إلى أنه عندما صدر الدستور اللبناني وفيه الآلية المحددة اليوم لانتخاب رئيس الجمهورية كان عدد النواب ثلاثين نائباً. وهذا يعني وفق اجتهاده أن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية يكتمل نصابها بحضور 16 نائباً، ويفوز «فخامة رئيس البلاد» بنيل 11 صوتاً. فأي رئيس هو الذي يحوز على مثل هذه «الثقة العارمة»؟ وفي مطلق الأحوال فإن جميع رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على لبنان منذ ولادة الدولة اللبنانية وحتى اليوم، اعتمد نصاب أكثرية الثلثين في جلسات انتخابهم. فحتى وإن كان تفسير المادة 49 ـ دستور يميل الى اعتماد الأكثرية المطلقة لنصاب جلسة الانتخاب باعتقاد البعض، فإن العرف المتكرر والثابت يحكم بأن تفسير المادة 49 بالاتجاه الآخر الذي يعارضه صاحب الفخامة الأسبق.
والمادة ,74 كما المادة 75 ـ دستور، ليستا المشكلة في حال بقاء الوضع السياسي على ما هو عليه. فملخص المادتين ان المجلس يجتمع حكماً عند شغور سدة الرئاسة ويعتبر هيئة انتخابية لا تشريعية، وتبقى جلساته مفتوحة حتى انتخاب الرئيس. ونزيد على ذلك ما ورد في المادة 73 أيضاً بنصها على أن يجتمع المجلس من دون دعوة رئيسه في اليوم العاشر الذي يسبق انتهاء الولاية، إذا لم يُدعَ رئيس المجلس إلى جلسة الانتخاب. فالقضية هنا ليست في كل هذه المواد إنما في اكتمال نصاب الجلسة فقط، وفي عدم اكتمال النصاب واستمرار الفراغ الحكومي الحاصل فلمن تؤول سدة الرئاسة؟
أمام هذه الوقفات التي تطلبها رصيد الأسبوع الدستوري، يمكن القول إن الدولة تحتاج بالضرورة إلى دستور، وتحتاج بالإضافة الى ذلك إلى مسؤولين وسياسيين يحترمون دستور بلادهم، ولا يرهقونه بالتسلق فوق نصوصه لتحقيق طموحاتهم ومصالحهم المادية وغير المادية، ولكنه وبالضرورة نفسها يحتاج الى من يقرأ الدستور صحيحاً، ولا يقتات من رصيد بيع الفتاوى والاجتهادات.
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018