ارشيف من : 2005-2008
الفن الأفريقي : تشتت وضياع
الأفارقة، وتحديداً النحاتين منهم، أدركوا سبيلهم قبل الأوروبيين بقرون مديدة، إلى ما بات يعرف اصطلاحاً بالفن التجريدي أو ذلك الذي يحيل المفهوم الذهني فناً رائعاً يخاطب العين والأحاسيس العميقة. ومع ذلك لا تزال الفنون الأفريقية قابعة في نفق الانتظار الطويل تترقب انبلاج فجر تستحقه بامتياز لتحتل مكانتها الحقيقية في الحضارة الإنسانية المعاصرة.
وما يدعو إلى الأسف، أن آلافاً مؤلفة من القطع الفنية الأفريقية قد تعرضت للضياع والبعثرة والتشتت، خصوصاً أثناء الفترة التي خضعت فيها القارّة للهيمنة الأوروبية.
وقد ثبت أن الفنانين الأفارقة، وخصوصاً من عاش منهم في القرون القليلة الماضية، لا يكترثون بحفر أسمائهم على أشغالهم اليدوية، فكيف بنظرائهم الذين تفتحت بصائرهم على الفنون منذ أقدم الأزمنة.
بيكاسو الأفريقي
قال بيكاسو إن "فيروس" الفن الأفريقي رافقه طوال حياته. وقد أصابه في حزيران 1907 عندما تردد إلى المتحف الاثنولوجي في الـ"تروكاديرو" في باريس، ورأى المجموعة البحرية والأفريقية. كانت تلك المصادفة أشبه باكتشاف، "لم تكن الأقنعة مجرد منحوتات كغيرها، بل كانت أغراضاً سحرية".
قال لاحقاً إنه أدرك المعنى الحقيقي للرسم في ذلك اليوم، "ليست عملية فنية، بل نوع من السحر يتدخل بيننا وبين الكون العدائي، وطريقة للاستيلاء على القوة بفرض شكل لمخاوفنا ورغباتنا". كان يرسم لوحة "آنسات أفينيون" التي أصبحت إحدى أشهر لوحاته. أعطته زيارة المتحف الجواب الذي كان يبحث عنه.
كان رسم "النساء الخمس" التي يعتبرها أولى "لوحاته التعويذية"، أول عمل يتجلى فيه التأثير الأفريقي، إذ يظهر وجه اثنتين من النساء بقناع أفريقي.
تشرّب بيكاسو التمثيل الأفريقي المجرّد والمعبّر للوجوه والأجسام وحوّله على طريقته، بدأ يجزئ الوجه الإنساني مولّداً التكعيبية. وقد استوحى لاحقاً من الأقنعة الأفريقية من الكونغو ـ من منحوتات خشبية كان المتنبئون يستخدمونها لمساعدتهم على التواصل مع الأرواح ـ أنه كانت تستعمل لصنعها مواد عادية مثل الأظفار والمرايا. وقد ابتكر بيكاسو "رأس امرأة"، إحدى منحوتات المعرض من مصفاة وزنبرك، وقد لجأ الى الأظفار والجرائد في أعمال أخرى.
وقد تحول افتتانه بالفن الأفريقي رغبة في الجمع، لبّاها في أسواق البرغوث في باريس ومرسيليا. جمع أكثر من 100 تمثال وقناع أفريقي، واحتفظ بها في منزله.
اقتباس؟!
منذ أشهر قليلة تسبب معرض "بيكاسو وأفريقيا" الذي أقيم في جوهانسبورغ بجدال عنيف فحواه السؤال الآتي: هل سرق الرسّام الاسباني الفن الأفريقي؟ وهل تعتبر أعماله الكبيرة التي نعثر فيها على لمسة من هذا الفن سرقات فنية؟ هذا السؤال وغيره انطلق إثر رسالة نشرتها صحيفة "ذا ستار" اليومية تحمل توقيع الناطق باسم وزارة الثقافة سانديل ميميلا، زعم فيها تأكيد الناطق أنه كتب الرسالة باسمه الشخصي لا كممثل لوزارته، فقد شكك البعض في الأمر متحدثين عن استحالة تطرقه الى موضوع كهذا من دون حصوله على ضوء أخضر من مسؤوله السياسي. وجاء في رسالة ميميلا: "يكشف هذا المعرض أن بيكاسو ما كان ليصير فناناً كبيراً كما يعتبر اليوم لو لم يسرق أعمال فنانين أفريقيين مجهولي الهوية ويقتبس منها". من ناحيتها ورداً على رسالة ميميلا، كتبت مديرة متاحف إيزوكو في الكتاب مارلين مارتين، وهي كذلك من منظمي المعرض، مقالاً في صحيفة "سيتي بريس" تعتبر فيه أن بيكاسو أفاد من تأثيرات عديدة، وأنه "احتفظ بما يحتاج اليه" من الفن الأفريقي.
وقد أعاد الجدال فتح موضوعات مثل العنصرية والعلاقة بين المستعمر الأوروبي السابق والدول الأفريقية.
بصمة الاستعمار
شاطر العديد من معاصري بيكاسو شغفه بالفن الأفريقي، ومنهم أندري دوران وموريس دو فلامينك وجورج براك وهانري دو فلامينك وهانري ماتيس. وفي مطلع القرن العشرين شجّع الاستعمار الفرنسي في أفريقيا على الاهتمام بالقصص والأغراض الآتية من بلدان غامضة وغريبة، عاد بها الجنود والتجار والمبشرون الى بلادهم. كان بيكاسو وزملاؤه الذين كانوا يبحثون عن لغة فنية جديدة لكسر التقاليد، عرضة لأشكال غنية بالرموز.
وقد بدأ التأثير الأفريقي واضحاً بدرجات مختلفة في أعمالهم.. وتشرح ماريلين مارتن أن بيكاسو كان يفهم بطريقة فريدة سحر الفن الأفريقي وطقوسه، وقد أثر في ذلك في ما يتخطى الشكل، اذ حوّلت تلك المصادفة في المتحف الاثنولوجي نظرته الفنية واتجاه الفن الحديث.
حبذا لو يصار الى كشف الستار كاملاً عن الفن الأفريقي الذي يرقى الى الألفية الثانية قبل الميلاد.. إنها إحدى المظالم المؤلمة التي أصابت الثقافة الأفريقية منذ أن قطع الاستعمار أوصال القارّة السمراء، فأحالها حطاماً مهشّماً، مغيب الهوية، ضائعا في سراديب التاريخ.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018