ارشيف من : 2005-2008
وفاة الرسول (ص) في وجدان الوصي والبتول (ع)
"أيها الناس، إني أوشك أن أدعى فأجيب"..
أي كان النبي (ص) ينعى نفسه إلى أمّته، ويعلم المسلمين بأنه عما قريب سوف يلتحق بخالقه وبارئه. وبعد فترة من وصول النبي إلى المدينة، مرض مرضاً أدرك معه (ص) أن شمس وجوده المبارك والمقدس سوف تأفل عن هذه الدنيا، فقام ببعض التحركات التي كان يفترض بها أن تعبّد الطريق لقيام الإمام علي (ع) خير قيام بخلافته، إلا أن ذلك لم يحصل لأمور ليس هنا محل ذكرها، حتى استُشهد(ص) يوم الاثنين في الثامن والعشرين من شهر صفر في العام العاشر للهجرة، وذلك بعدما بلغ الثالثة والستين من العمر. فكان لذلك أعظم الوقع والأثر على سكان الأرض والسماء! ويا لها من فجيعة حلت بالمسلمين لم يُرَ مثلها! خصوصاً على قلب أقرب الناس إلى النبي (ص)، فاطمة الزهراء وعلي وآل البيت (ع).
رُوي عن أنس بن مالك أنه قال: "لما فرغنا من دفن النبي (ص) أتت إليّ فاطمة فقالت: كيف طاوعتكم أنفسكم على أن تهيلوا التراب على وجه رسول الله؟! ثم بكت وقالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه.. يا أبتاه من ربّه ما أدناه!
وفي بعض الروايات أنها أخذت كفاً من تراب القبر الطاهر ثم قالت:
ماذا على المشتمّ تربة أحمد
أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صُبت عليّ مصائب لو أنها
صُبت على الأيام صرن لياليا
وقد روى العلامة المجلسي في كتاب "بحار الأنوار" بعض الأشعار المروية عن السيدة الزهراء (ع) في رثاء أبيها (ص)، منها:
اذا اشتد شوقي زرت قبرك باكياً
أنوح وأشكو لا أرى مجاوبي
فيا ساكن الصحراء علمتني البكا
وذكرك أنساني جميع المصائب
فإن كنت عني في التراب مغيباً
فما كنت عن قلب الحزين بغائب
ولم يخلُ ندب السيدة الزهراء (ع) أباها (ص) من الشكوى اليه مما حلّ برسالته بعد غيابه، وما حل بأهل بيته خاصة.. وفي هذا المجال رُوي عنها عليها السلام قولها:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة
لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها
واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا
فغبت عنا وكل الخير محتجب
وكنت بدراً ونوراً يُستضاء به
عليك ينزل من ذي العزة الكتب
أما بالنسبة إلى أمير المؤمنين علي (ع)، وصي النبي (ص) وصهره وأخيه وربيبه، فقد كانت وفاة رسول الله (ص) من أوجع الفجائع على قلبه، ولم يفارق الحزن قلبه عليه السلام حتى غادر الدنيا. يقول (ع) بعد دفن السيدة الزهراء (ع): "يا رسول الله.. أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهّد، لا يبرح الحزن قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم".
ويُروي أنه سرعان ما ابيضّت لحيته الكريمة، فقيل له: لو غيّرت شيبك يا أبا الحسن؟ فقال (ع): الخضاب زينة، ونحن في مصيبة. وكان يقصد وفاة النبي (ص). وعندما قيل له: ما منعك من الخضاب وقد اختضب رسول الله (ص)؟ قال (ع): أنتظر أشقاها أن يخضّب لحيتي من دم رأسي، بعهد معهود أخبرني به حبيبي رسول الله (ص).
ومما رثا به أمير المؤمنين عليه السلام مربّيه النبي محمداً (ص)، قوله في الديوان المنسوب اليه:
نفسي على زفراتها محبوسة
يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة وإنما
أبكي مخافة أن تطول حياتي
وكذلك قوله (ع):
أمن بعد تكفين النبي ودفنه
بأثوابه آسى على هالك ثوى
رُزئنا رسول الله فينا فلن نرى
بذاك عديلاً ما حيينا من الردى
وكان لنا الحصن من دون أهله
له معقل حرز حريز من العدى
وكنا بمرآه نرى الفوز والهدى
صباح مساء راح فينا أو اغتدى
لقد غشيتنا ظلمة من بعد موته
نهاراً فقد زادت على ظلمة الدجى
فيا خير من ضم الجوانح والحشا
ويا خير ميت ضمّه الترب والثرى
كأن أمور الناس بعدك ضمنت
سفينة موج حين في البحر قد سما
وضاق فضاء الأرض عنهم برحبه
لفقد رسول الله إذ قيل: قد مضى
وفي كل وقت للصلاة يهيجه
بلال ويدعو باسمه كلما دعا
ويطلب أقوام مواريث هالك
وفينا مواريث النبوة والهدى
فالسلام عليك يا رسول الله، السلام عليك وعلى أهل بيتك الأطهار، السلام عليك يوم وُلدت ويوم استُشهدت ويوم تُبعث حياً.. وإنك لحيّ عند ربّك.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018