ارشيف من : 2005-2008

"حسين مني وأنا من حسين": تفسيره بين التأويل و"حديث النُّور"

"حسين مني وأنا من حسين": تفسيره بين التأويل و"حديث النُّور"

وكان للإمام الحسين (ع) نصيبه الوافر من تلك الأحاديث مشتركاً في أغلبها مع أخيه الإمام الحسن (ع)، وأشهر تلك الأحاديث في دلالتها "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا" (أي بأمر الإمامة)، و"الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة"، و"الحسن والحسين ريحانتاي"، غير أن الحديث المميز الذي خص به نبي الرحمة محمد الإمام الحسين (ع)، ورواه الفريقان الشيعة والسنة (رواه الترمذي، وعدَّه حديثاً حسناً) كان: "حسينٌ مني وأنا من حسين".‏

وإذا كانت مسألة أن الإمام الحسين (ع) هو من رسول الله (ص) واضحة في بُعدها المادي، حيث هو ابن بضعته الزهراء (ع)، فإن ما وقف عنده المتأملون من العلماء في هذا الحديث هو: كيف يكون رسول الله (ص) من الحسين (ع)، وبأي معنى يصح هذا الأمر، أو كيف يكونان معاً من بعض، وأحدهما سابق للآخر في وجوده، وبهذا برزت إشكالية تفسير المقصود بهذا الحديث الشريف ذي الدلالات العميقة.‏

وقد ورد في شرح وتفسير هذا الحديث عدد من الآراء التي يقع أغلبها في سياق واحد هو التأويل، حيث لم يصلوا الى تفسيره إلا بذلك، ومؤداها واحد وهو أن عمل الإمام الحسين (ع) هو من عمل رسول الله (ص)، وأن عمل رسول الله (ص) هو من عمل الإمام الحسين (ع)، ويستشهدون على ذلك بعدد من الأحاديث التي ذكرها النبي الأكرم (ص)، وتتضمن مثل هذا المعنى.‏

غير أن بعض العلماء نحوا منحىً آخر في تفسير المعنى المقصود من هذا الحديث الشريف، الصادر عن نبي الله محمد (ص) الذي قال فيه المولى تعالى: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى"، فنأوا في تفسيرهم عن البعدين المادي والتأويلي لهذا الحديث، حيث وجدوا أن له بعداً آخر هو البعد الغيبي، الذي له ركيزته المتينة في الحديث الصحيح، والقريب من المتواتر عند الفريقين، المعروف بـ"حديث النور" الذي ورد على لسان النبي محمد (ص) بصيغ متعددة في لفظها، ولكنها كانت بمعنى واحد، وإن تفاوتت فيما بينها في عدد الأشخاص المشمولين بهذا الحديث، حيث كان الإمام علي (ع) مع النبي الأكرم (ص) في بعضها: "كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق آدم قسم ذلك فيه (أي النور)، وجعله جزءين، فجزء أنا وجزء علي"، أو أهل الكساء الخمسة: "لما خلق الله تعالى أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فإذا نور خمسة أشباح سجداً وركعاً قال آدم: يا رب هل خلقت أحداً من طين غيري قبلي؟ قال: لا يا آدم. قال: فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك(...)، أو النبي الأكرم (ص) مع أهل بيته (ع) جميعهم، عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر (ع): "يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمداً (ص) وعترته الهداة المهديين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح". وهذا التفاوت في ذكر الأشخاص المشمولين بالحديث لا ضير فيه، وهو من قبيل النص العام والنص الخاص، وله نظائر كثيرة في الأحاديث، كالنص على إمامة الإمام علي (ع) في حديث خاص، وعلى إمامة الإمامين الحسنين (ع) معاً في حديث آخر، والنص على إمامة الأئمة الإثني عشر (ع) في حديث عام يشمل الجميع، بمن فيهم من نص على إمامتهم بحديث خاص.‏

إن المعنى المستفاد من حديث النور ـ على تعدده ـ يؤكد أن النور الذي خلق منه النبي الأكرم محمد (ص) والإمام علي (ع)، والأئمة من ولده (ع)، هو نور واحد، وعليه فإن إشكالية كون النبي محمد (ص) هو من الحسين (ع) تزول في بعدها الغيبي الذي يؤكد أنهما من نور واحد، ولقد أجاد الشاعر حينما قال مخاطباً الإمام الحسين (ع) في شهادته:‏

أرُوحكَ أم روحُ النبوةِ تَصْعَدُ‏

مِنَ الأرضِ للفِرْدَوْسِِ والحُوْرُ سُجَّدُ‏

عدنان حمّود‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15