ارشيف من : 2005-2008

رواية "رأس الحسين" لعبد الله خليفة

رواية "رأس الحسين" لعبد الله خليفة

كتب د. عبد المجيد زراقط

"رأس الحسين" رواية صدرت مؤخراً للروائي البحراني المعروف عبد الله خليفة. تتخذ هذه الرواية من وقائع رفع رأس الإمام الحسين (ع) على رأس رمح عال، ونقله من كربلاء إلى الكوفة فالشام، مروراً بعددٍ من المدن الأخرى، مادة روائية لها.‏

قد تكون هذه التجربة الأدبية، أي اتخاذ وقائع من مأساة كربلاء مادة روائية، تجربة رائدة في مجال الكتابة الروائية، فقد نُظم كثير من الشعر الوجداني والتاريخي والمسرحي في هذا الحدث التاريخي الجلل الذي أثّر ولا يزال يؤثّر في تشكيل مسار التاريخ، كما أن السيرة الحسينية لا تنفك تُروى في مجالس العزاء التي تتخذ شكلاً متميزاً من الخطاب، يختلط فيه الشعر بالقصّ وبالتأمل وبالوعظ.. كذلك نرى أن وقائع اليوم العاشر من المحرّم مُثلث أمام الجمهور ولا تزال تُمثَّل، ومؤخراً أُعدّ فيلم للرسوم المتحركة يروي أحداث واقعة "الطف".. لكن أحداً لم يكتب رواية عن كربلاء تفارق السيرة في الوقت نفسه الذي تصدر فيه عنها لتنطق برؤية الى العالم.‏

نلاحظ في ما يتعلق بهذه التجربة الرائدة، رواية "رأس الحسين" بعض الأمور:‏

أولاً: ريادة الكتابة الروائية عن مأساة كربلاء، وتوظيف وقائعها في قول خطاب روائي معاصر.‏

ثانياً: عدم التقيد بالوقائع التاريخية في الوقت نفسه الذي يصدر فيه النص الروائي عنها، فالروائي يختار ـ من منظوره ـ من تلك الوقائع ما يقيم به بناءً روائياً متخيلاً ينطق برؤيته الى العالم. فالمادة التاريخية/ التأريخ هنا تمثل المادة الأولية التي تصنع منها الرواية/ الأدب، والمنظور الروائي/ الرؤية هو الذي يتحول بالمادة التاريخية الى أدب، ويشكّلها بناءً يتصف بجمالية تنطق بالدلالة.‏

ثالثاً: يركّز المنظور الروائي رؤيته على حيّز معيّن هو المعسكر الآخر، أي معسكر السلطان الذي ارتكب الجريمة الفظيعة وأحدث المأساة الكبرى.‏

رابعاً: يرصد التحول الذي حدث في هذا المعسكر بمختلف مكوّناته: أفراد الجيش، الناس العاديون، أصحاب السلطان، وخصوصاً يزيد بن معاوية وابنه وزوجته.‏

خامساً: يكشف دور الإمام الحسين (ع) متمثلاً بمواقفه قبل المعركة وفي أثنائها وبعدها: دور الرأس ودور السيدة زينب (ع) في إحداث هذا التحول، ما يعني أن كربلاء نفسها هي العامل الذات/ البطل في هذه الرواية وهدفها/ العامل الموضوع هو إحداث التحول التاريخي.‏

فهل حدث هذا التحول؟ وكيف؟‏

نحاول في ما يأتي أن نجيب عن هذين السؤالين، فنجري قراءة في الرواية تبين التحوّل كما يتمثل فيها.‏

تبدأ الرواية بانتزاع حمزة الرأس من بين الأيدي المتدافعة للظّفر به، من أجل الفوز بعطايا الخليفة. وحمزة هذا جندي في جيش عمر بن سعد، كان مهرّجاً في قصر يزيد، التحق بالجيش طمعاً بالغنائم التي تمكنه من الزواج. وكان والده من قبل قد أسلم عندما رأى "الجيوش تملأ جيوب جنودها بالمال".‏

يسأل حمزة منذ البداية عن السبب الذي جعل يزيد يأمر بحصار "هذه العائلة الصغيرة، وهي لا تستحق ذلك"، ولا يجد جواباً.. ويلاحظ إبان عودة الجيش، أن جماعات البدو الجائعة التي كانت تأكل الجرابيع بنهم، لا تلبّي دعوة قادة الجيش الى التهام لحم الخراف، ما يعني رفضها التعامل مع هذا الجيش، على الرغم من حاجتها الماسّة الى ذلك.‏

يقلق ويتحرك صوت في داخله، وفي هدأة الليل يسمع صوتاً يخاطبه: "رأس الحسين يتكلم معك".. يسمع هو الصوت ولا يسمعه الشمر، ما يعني أن صوتاً في داخله يكلّمه، وهذا الصوت هو صوت الإنسان العادي الذي اضطر بدافع الحاجة الى الالتحاق بالجيش، وعاين هول ما حدث، ولم يكن يعرف شيئاً من قبل عن طبيعة الصراع الدائر بين طرفين، وقف هو الى جانب أحدهما طمعاً بغنائم توفر له تكوين أسرة.‏

في الحوار الأول مع الصوت، تبرز مسألة إسلامه، وما إذا كان قد أسلم بعدما علم بما يكسبه الجنود من "الغنائم والأسلاب والنساء".. وتدور أسئلة في داخله عما إذا كان هذا هو الإسلام!‏

يزداد قلقه وتغزوه الأحلام، فيستحيل ضوءاً غريباً يتوجه الى خباء النساء والأطفال، فيضمّ الصغار ويحملهم على أجنحته الى المدن البعيدة، حيث الأطفال والألعاب والحلوى.. وهكذا يتحرك اللاوعي متمثلاً بالحلم ليجيب عن أسئلته، وكان الصوت هو العامل المحرّك والكاشف حقيقة الواقع الذي يعيشه.‏

وفيما هو يضمّ الأطفال في الحلم، يهجم عليه عملاق وينتزع الرأس منه، فيصحو مذعوراً على يد حقيقية تمسك الرأس وتشده، ويد أخرى تصوّب السيف الى صدره، ويسمع صوت الشمر يقول: اترك الرأس وإلا قطعت يدك.‏

يقاوم، فيقطع سيف الشمر إصبعين من أصابع يده، ويأخذ الشمر الرأس ويمضي.. يندفع حمزة بين الخيام صارخاً، ويسمع الصوت من جديد يقول له: لا تتركني، فيسرع الى خيمة القائد، حيث "النسوة الجميلات والعود والرفوف وأطباق الأكل الباذخة والندامى".. ويرى الأحياء الممتلئين بالطعام والشراب كأنهم جثث متعفّنة، فيسأل: من الميت يا رب؟! لماذا يبدو المنتصرون كأنهم موتى والموتى أحياء؟‏

وهكذا يكتسب حمزة رؤية جديدة، إذ صار يرى العالم من منظور آخر تختلف قيمه عن المنظور الذي كان يراه به من قبل، فقد أصبح لكل من الموت والحياة عنده مفهوم آخر، وكذلك للانتصار.‏

قد يُطرح سؤال هنا: أليس هذا مجرّد تخيل يفتقر الى الصدقية؟‏

في الإجابة عن هذا السؤال نعود الى كتب التاريخ، لنرى إن كان شيء من هذا قد حدث فعلاً آنذاك.‏

جاء في "تاريخ الأمم والملوك" للطبري على لسان الراوي: "... أصبحنا، صبيحة قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولى لنا يحدثنا، قال: سمعت البارحة منادياً ينادي:‏

أيها القاتلون جهلاً حسيناً‏

أبشروا بالعذاب والتنكيل...".‏

وجاء أيضاً: "قعد الذين ذهبوا بالرأس في أول مرحلة من الطريق، وجلسوا يشربون النبيذ، فإذا قلم من حديد يخرج عليهم من حائط فيكتب بالدم:‏

أترجو أمة قتلت حسيناً‏

شفاعة جده يوم الحساب!؟‏

وما كادت الجماعة تشهد هذا حتى فرّت هاربة وتركت الرأس" (6/269).‏

إن الإحساس بهول ما حدث وبالإثم وصل الى لا وعي النفس الإسلامية،‏

فولّد وقائع نفسية كونتها في ذات المسلمين الجمعية وقائع تاريخية.‏

صحيح أن ما تقصه هذه الرواية متخيّل، ولكنه ذو مرجع تاريخي، فالحدث الهلعي الفظيع الذي عاشه المسلمون آنذاك لوّن ذواتهم وعالمهم. وتفيد هوية حمزة ـ أسلم طمعاً بالمال والتحق بالجيش طمعاً بالغنائم ـ أن هذا الإحساس إنساني، والراوي في هذه الرواية إنما يجسّد باللغة القصصية ما حدث في الواقع الخارجي وفي الواقع الداخلي النفسي.‏

فالراوي يتتبع في تشكيل البناء الروائي عالمين: أحدهما خارجي والآخر داخلي، يؤدي أولهما السرد ويؤدي ثانيهما التداعي والتأمل والمناجاة والحوار، ويمضي القص مزيجاً بين هذين منقطعاً بالوصف الخلاّق بين الحين والآخر، الى أن يكتمل البناء الناطق بالدلالة على التحول التاريخي الذي حدث في ذات المسلمين الجمعية، فأسهم في تكوين وجدانها إسهاماً بقي فاعلاً طوال التاريخ.‏

تغلق القرى أبواب بيوتها عندما يمرّ الجيش بها، ويشعر حمزة بأنه شريك في جريمة لا يعرف عنها شيئاً.. ويقرّ مع الصوت بأن "هذا الجيش جيش لصوص"، فيقرر أن يزور صديقاً له، وفي الطريق اليه يهجم عليه صبي بسكين صارخاً: "أيها القاتل"! ولهجوم الصبي دلالة، إذ انه لا يحسب حساب العواقب كما يفعل الكبار، أي انه يعبر عن حقيقة موقف الناس من هذا الجيش.. يقول للصبي: وفّر دموعك واشحذ سكينك جيداً ليوم آتٍ، ويشعر بأنه أصبح أكثر خفة من قبل، ويؤمن بأن العصفور لا بد من أن يعثر على أظفار قاسية يخبئها تحت ريشه.‏

وإذ يقترب من السيدة زينب (ع) ويسمع خطابها يقول لها: "خدعونا يا سيدتي، زعموا أشياء كثيرة.. قالوا خوارج، وقالوا طمّاعون في السلطان، ووجدت أنا فرساناً من نور".‏

يكشف حمزة الزيف والخداع ويعلن: "وجدت أنا.."، و"أنا" هذه تفيد امتلاك الفرد وعيه نتيجة خبرته الشخصية.. ويبقى أن يتحول هذا الوعي الذي تكوّن الى فاعلية مغيرة، وهذا ما يحدث فعلاً.‏

هوامش:‏

(1) عبد الله خليفة، رأس الحسين الجزائر: منشورات الاختلاف، وبيروت: الدار العربية للعلوم ط1، 1427هـ، 2006م.‏

الانتقاد/ قراءة في كتاب ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15