ارشيف من : 2005-2008
الدين: استجابة السماء لنداء الفطرة
قلت: (جَلستُ جِِلسة العبد)، فهذا يعني ان جلوسي كان على هيئة جلوس العبد، أي جلست كما يجلس العبد. وعلى هذا يكون معنى الفطرة ـ والمقصود منها طبعاً فطرة الإنسان ـ ان الله تعالى قد خلق الإنسان على هيئة خاصة وبخصائص معينة، ومجموع تلك الخصائص هو ما يطلق عليه الفطرة (فطرة الإنسان).
وعليه فالأمور التي يمكن ان تسمى "فطرية" ـ نسبة الى الفطرة ـ هي تلك التي تقتضيها خلقة وطبيعة نوع الإنسان من بين الأنواع الأخرى. ويمكن تقسيم تلك الأمور الفطرية إلى قسمين رئيسيين هما:
1 ـ المدركات الفطرية: حيث ان الإنسان خُلق وأُودعت فيه القابلية والاستعداد لإدراك أمور وفهمها من دون أي تعلم وتعليم، كعلم الإنسان بما يحيط به، وكعلمه بنفسه وما يعرض عليه من جوع وعطش و...، وكذلك له القابلية على التصديق بأمور أخرى (أي الإذعان والاعتقاد بها) متى ما تصورها وفهم معانيها، من قبيل اعتقاده بأن الكل أعظم من الجزء، وهذا أمر بديهي موجود في نفس كل إنسان. وهذه المدركات هي أصول التفكير الإنساني المشتركة بين جميع أفراد النوع الإنساني، ولولاها لما استطاع الإنسان الوصول إلى أي استدلال عقلي على شيء، فضلاً عن الإيمان به.
2 ـ الميول والمطالب الفطرية: وهي تلك الميول والرغبات التي تقتضيها خلقة النوع الإنساني، ويمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين:
أ ـ المطالب الجسمية: وطلبها يكون غريزياً يرتبط بالبناء الجسمي للإنسان، مثل غريزة طلب الطعام والشراب.
ب ـ المطالب الروحية: وهي تلك الميول والرغبات التي تتعلق بطلب الحقائق والمعارف. وهذا الميل الفطري هو الذي يبعث الإنسان على البحث والاستدلال، ولولاه لما تمكن الإنسان من قطع هذا الشوط الطويل في طريق المعرفة بمختلف أشكالها. كذلك الميل الفطري نحو التمسك بالأخلاق الفاضلة ومقت الرذائل، اذ نرى ان الصدق ممدوح عند الإنسان بخلاف الكذب، وهكذا الأمانة والخيانة و... إلخ. وكذلك الميل الفطري نحو الصنع والإبداع وإيجاد ما ليس موجوداً، والميل نحو حب الجمال، وأخيراً الميل الفطري نحو العبادة.
ان الديانات هي عبارة عما جاء به الوحي من المعارف الدينية، سواء كانت معارف عقيدية أو تربوية أو قانونية أو تشريعية، والتي يريدها الوحي أساس فكر الإنسان وعمله.
هذه المعارف التي جاء بها الوحي لها جذور في أعماق الإنسان، وهي مما يريده ويطلبه ويبحث عنه بفطرته وطبيعته. فالوحي هو استجابة لنداء فطرة الإنسان والرغبة الكامنة في أعماقه. ووظيفة الوحي هي صون هذه الفطرة وتهذيبها وهدايتها إلى الطريق المعرفي الصحيح الذي يوصل الإنسان إلى كماله المطلوب.
فالشيء الذي جاءت به الرسالات السماوية من جهة الاعتقاد هو وجوب الاعتقاد بالله الخالق الواحد، وهذا الإيمان والاعتقاد فطري مودع في فطرة الإنسان، حيث يستغني الإنسان عن الاستدلال والبحث العقلي لأجل التعرف الى الله تعالى. ولكن ينبغي الالتفات إلى ان هذا الأمر الفطري في كثير من الأحيان يكون ضعيفاً بسبب تلوث الفطرة بشوائب المعتقدات المنحرفة التي يفرضها المحيط الذي يعيش فيه الإنسان.
ومع ذلك نجد ان الإنسان صاحب الفطرة النقية يتعرف الى الله تعالى بقليل من التدبر والتأني.. بل حتى من تلوثت فطرته، حينما يواجه ضغطاً قوياً أو مشكلات شديدة تعجز عن حلها العوامل المادية، يعود إلى فطرته، فتهديه إلى ملجأ غير مادي تفوق قدرته جميع القوى الطبيعية والمادية، ويدرك أن ذلك الموجود القدير رحيم به، وهو القادر على خلاصه. فهو بهذا الإدراك يتوجه إلى خالقه ويتوب إليه ويطلب منه النجاة.
لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الموجودة في ذات الإنسان بقوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله". وكذلك كان الهداة المعصومون من آل بيت النبي (ص) يفعلون.
وفي القصة المرويّة عن الإمام الصادق (ع) ما يعطي خير تفسير لحقيقة المعرفة الفطرية لله عز وجل.. قال رجل للصادق عليه السلام: "يا بن رسول الله، دلني على الله ما هو، فقد كثر عليّ المجادلون وحيروني". فقال عليه السلام: يا عبد الله، هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم. قال: فهل كُسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ قال: نعم. قال الصادق عليه السلام: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث".
إسماعيل زلغوط
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018