ارشيف من : 2005-2008

الأزمة اللبنانية تراوح بين حدين:عدم التصعيد والحل البعيد

الأزمة اللبنانية تراوح بين حدين:عدم التصعيد والحل البعيد

هل نحن أمام فرصة مكتملة الشروط والعناصر تسمح بمعالجة الأزمة اللبنانية، أم نحن أمام مجرد مناخات عامة يمكن أن تساعد على بلورة فرصة حقيقية لاحقاً؟‏

يمكن الجزم سريعاً بأن هناك مناخات جديدة في المنطقة، هي في محصلتها العامة نتيجة للمأزق الاستراتيجي للمشروع الاستعماري الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة، ونتيجة لجملة من التحديات والأخطار التي وضعت المنطقة مجدداً على مفترق مفصلي وخطير، عنوانها المركزي الفتن المذهبية.‏

هذه العوامل وجدت تعبيراتها في سلسلة من التحركات والاتصالات واللقاءات، كان أبرزها الاتصالات الإيرانية ـ السعودية، والإيرانية ـ السورية، والسورية ـ المصرية، يضاف إليها اللقاء ـ الحدث لقاء بغداد، ومن ثم، مؤخراً، قرار الاتحاد الأوروبي بالانفتاح مجدداً على سوريا بعد الإقرار مجدداً بأهمية موقعها ودورها الاقليميين.‏

الأمور لا تقف عند هذا الحد، بل هناك جملة من الاستحقاقات والمواعيد السياسية التي من شأنها أن تشكل معالم مهمة لجهة تحديد وجهة الأمور، هناك الموقف الدولي الجديد من الملف النووي ـ الإيراني، وهناك قمة الرياض، وهناك التقارير الدولية الخاصة بلبنان: مجريات التحقيق في ملف اغتيال الرئيس الحريري، مجريات تنفيذ القرارين 1701 و1559.‏

الأزمة اللبنانية هي في وسط هذه المعمعة جميعاً، إضافة إلى عناصر تعقيداتها الخاصة.‏

الآن، كيف تبدو الصورة في المحيط؟‏

في المشهد الأول هناك جهد سعودي واضح كان يبذل بقوة مؤخراً، وعلى أكثر من مستوى واتجاه. وبدا أن الرياض تأخذ على عاتقها مباشرة معالجة الأزمة اللبنانية، وأنها على استعداد لبذل ضغوطها على الأطراف التي تملك تأثيراً خاصاً عليها لتسهيل عملية الحل. كل ذلك وسط إشاعة مناخات تفاؤلية عامة ساهم فيها السفير السعودي بقوة في لبنان.‏

لكن فجأة طرأ موقف جديد جوهره التراجع من الدور المبادر والفاعل إلى حدود الطرف، إلى موقع المشجع الحيادي، محملاً اللبنانيين مسؤولية ايجاد الحل، بالرغم من وجود قناعة سعودية، أن اللبنانيين ليس بإمكانهم تحمل هذا العبء لوحدهم.‏

وفي هذا السياق، أخذت تصدر مواقف سعودية عبّر عنها بوضوح وزير الخارجية سعود الفيصل تلغي مناخات التفاؤل أو البشرى بأن الأمور هي في طور الحل، حيث أكد أنها ما زالت تراوح مكانها.‏

بمعزل عن الأسباب والدوافع التي قلّصت من حماسة الرياض، فإن ما حدث هو بمثابة مؤشر على أن الإشارة الاميركية للانطلاق بالحل لم تطلق بعد، وثمة حاجة لتقطيع المزيد من الوقت.‏

المشهد الثاني هنا عراقي بامتياز: اجتماع دولي ـ اقليمي يجمع لأول مرة، وعلى نفس الطاولة، كلاً من واشنطن وطهران ودمشق.‏

هذا اللقاء مهدت له واشنطن عسكرياً وأمنياً وديبلوماسياً وسياسياً لكي تبدو في موقع المتوازن مع طهران ودمشق. لكن الحقيقة المادية تقول شيئاً آخر: واشنطن ستبقى الخاسر الأكبر في العراق.‏

وفي مطلق الأحوال، بدا اللقاء مناسبة لكل طرف ليعرض ما لديه من مطالب ومواقف. كما حرص الجميع على أن يطلقوا مواقف ايجابية لأن كل طرف لديه مصلحة في انجاحه، ولأن نتائج الفشل كارثية على الجميع. مثل هذه اللقاءات لا تعقد لتفشل، وهي غالباً يمهد لها باتصالات ولقاءات همها التوصل على الأقل إلى تفاهمات مبدئية. لكن، وبالرغم من هذا كله، نحن أمام خطوة أولى على طريق طويل ومعقّد ومزروع بالألغام، قبل الوصول إلى النهايات المرجوة.‏

خلاصة القول، مفتاح أزمة المنطقة اليوم، أي العراق، وإن أفحم في ثقبها، إلا أن حركته من اليمين إلى الشمال أو بالعكس ما زالت تحتاج إلى مزيد من الوقت.‏

المشهد الثالث يتصل بالقمة العربية، هنا العناوين مختلفة، تبدأ بالعلاقات الثنائية وتنقية أجوائها، وتمر بالتحديات والأخطار العامة. لكن يبقى اللافت وسط هذا كله عودة الاهتمام المفاجأة الى المبادرة العربية للسلام التي خرجت بها قمة بيروت. ومن المعروف، هي في الأصل سعودية.‏

واللافت هنا أن الاهتمام ليس عربياً فحسب، وإنما اسرائيلياً واميركياً وأوروبياً. فهؤلاء حرصوا مؤخراً على مقاربة المبادرة ايجاباً، لكن ليس لوجه الله، ولا كرمى لعين العرب، الاعتبارات والدوافع متعددة لكن أبرزها: إعادة إحياء مناخات التسوية في المنطقة لتشكل رافعة لخيار وأنظمة التسوية في مواجهة خيار المقاومة، إظهار ترحيب بالمبادرة العربية مشروطاً بإدخال تعديلات عليها لا سيما في البند المتعلق بملف اللاجئين، سبق ذلك إصدار قانون في الكونغرس يدعو الى إسكان اللاجئين حيث هم. إضافة رابط بين ملف اللاجئين الفلسطينيين واللاجئين العراقيين.‏

اختيار مساعدة وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون اللاجئين لزيارة دمشق. حمية ليبية مفاجأة تريد إرسال اللاجئين الفلسطينيين في ليبيا الى غزة.‏

باختصار الترحيب الاسرائيلي ـ الاميركي ـ الأوروبي هو بمثابة إغواء للعرب الذين يريدون الانتهاء كيفما كان من القضية الفلسطينية لفتح أبواب التعديل في المبادرة العربية، بكلمة أخرى: تنازلوا عن قضية اللاجئين مقابل وعد بإجراء التسوية على المسار الفلسطيني. واللافت هنا، أن فريق السلطة لم يحرك ببنت شفة تعليقاً على هذا المعطى الخطير جداً، وخصوصاً، أن لبنان هو أحد المعنيين الرئيسيين به.‏

باختصار شديد، من الواضح، أن القمة ستشكل مناسبة لمحاولة خلط الأوراق بالنسبة للعديد من الملفات، لكن أبرزها سيكون الملف الفلسطيني.‏

المشهد الرابع أوروبي، فجأة شيراك المودع يمنح موافقته وبركته لإعادة الانفتاح الأوروبي على دمشق، ويكلف سولانا بهذه المهمة، وهو يرتئي أن يزور بيروت والرياض ثم دمشق، الترتيب هنا له فحواه السياسي: تطمين أوروبي لفريق السلطة، إظهار التأييد والاهتمام بدور الرياض الاقليمي وفي لبنان، إشعار دمشق ان المدخل الى ترتيب العلاقات معها يمر حكماً بأزمات المنطقة، والأزمة اللبنانية.‏

لا أحد يعتقد أن الاتحاد الأوروبي قرر هذه الزيارة لفحص الموقف السوري، فهو، ولا شك، يعرف هذا الموقف جيداً، إذاً الجولة تتجاوز إطار المهمة الاستطلاعية الى محاولة فحص هوامش التغيير وحدوده، وفحص امكانيات التعاون وحدوده. وهنا الملفات متشعبة، تهديدات القاعدة في أوروبا، تهديدات القاعدة لقوات اليونيفيل في لبنان، الملف العراقي، الملف الفلسطيني، الأزمة اللبنانية عموماً.‏

يمكن القول بكلمة واحدة: الأوروبي يحضر إما على هامش الدور الاميركي، وإما لملء فراغ يحدثه الاميركي، لكنه، يبقى في المحصلة عامة، دوراً مساعداً ومسانداً لهذا الدور.‏

المشهد الخامس هو المشهد اللبناني، هذا المشهد له عناصره أيضاً: لقاءات تراوح مكانها. النائب الحريري يغلب معادلة فريقه، فبعد أن كانت المحكمة هي المدخل الى الحل بنظره، باتت الحكومة هي هذا المدخل. قلب المعادلة هو أكثر من مجرد خطوة تكتيكية، هو بمثابة تدوير للأزمة وتحميل مسؤوليتها للمعارضة. رئيس وزراء السلطة اللاشرعي فؤاد السنيورة يقرر تشكيل وفدٍ خاص الى القمة.‏

فجأة، وبتوقيت سياسي بامتياز، يعلن الكشف عن الشبكة التي نفذت جريمة عين علق، ويجري تحميل مسؤوليتها مباشرة الى تنظيم "فتح الاسلام"، والى دمشق. وبالمناسبة هنا، هذا التنظيم هو من أشار اليه الكاتب الاميركي المشهور سيمون هيرش مؤخراً، كاشفاً أن تيار المستقبل هو من يقوم بتمويله اضافة الى الأموال التي تقدمها الولايات المتحدة لفريق السلطة، كمصاريف أمنية.‏

الخلاصة العامة لمجمل هذه المشاهد أن الكلام عن فرصة مكتملة الشروط سابق لأوانه، نحن اليوم أمام مناخات، أو بداية تشكل مناخات، يراد لها أن تؤسس لمخاض متنوع الأبعاد، لكن وظيفته الاستراتيجية خلط التوازنات العامة، بما يؤدي الى ملء الفراغ الاستراتيجي الناشئ عن المأزق الاميركي في المنطقة، ومعه المأزق الاسرائيلي أيضاً.‏

من هنا، يبدو أن المطلوب تقطيع الوقت بظروف هادئة تحول دون أي تفجيرات كبيرة، قد تفتح النوافذ على بعض التفاهمات، لكل الحلول الكبيرة ما زالت بعيدة.‏

الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15