ارشيف من : 2005-2008
أربعينية الإمام الحسين (ع) : ههرجان البيعة المليونية لمبادئ واقعة الطف الخالدة
لم يبق سوى عشرة كيلومترات فقط ليصل الحاج ابو سعدون البالغ من العمر ثمانية وستين
عاما الى ضريح الامام الحسين عليه السلام للمشاركة في احياء مراسيم ذكرى الاربعينية واداء الزيارة. وابو سعدون بدأ زحفه ومعه العشرات من ابناء منطقته وأعداد اخرى معهم قبل اكثر من عشرة ايام من محافظة البصرة نحو كربلاء المقدسة، حيث المسافة الفاصلة بين المحافظتين تقدر بـ(530 كلم).
كان ممددا في إحدى الخيم التي تقدم الطعام والسوائل للزوار قرب ضريح عون (10 كلم شمالي كربلاء)، وهو يعاني من اورام في ساقيه واجهاد كبير بفعل المسيرة الطويلة التي قطعها مشيا على الاقدام، حينما سأله احدهم "ايها الحاج يبدو انك لن تستطيع مواصلة المشي الى كربلاء"، عندها انتفض ابو سعدون وانتصب واقفا وكأنه لم يسر حتى كيلومترا واحدا ورد بعصبية وانفعال، "ماذا تقول انت.. اذا لم اتمكن من السير على قدمي سأصل الى الامام الحسين زحفا على بطني".
مثل أبي سعدون هناك ملايين الناس جاؤوا من شمال ووسط وجنوب العراق، قدرتهم المصادر الرسمية الحكومية بتسعة ملايين زائر، واعتبرت انه الرقم الاعلى للزوار على امتداد ما يقارب الفاً وثلاثمئة وسبعين عاما. وبينهم الشيوخ الكبار والعجائز والصبيان الصغار.
عباس الساعدي، رجل نحيف يبلغ من العمر اثنين واربعين عاما، من محافظة العمارة (480 كلم جنوب كربلاء)، قال: لا يمكن لأي كان ان يتصور او يستوعب دلالات ومعاني ذلك الزحف المليوني الهائل نحو كربلاء الامام الحسين عليه السلام، بالرغم من كل المصاعب والعقبات والعراقيل.
ويتساءل الساعدي مستنكرا.. هل يمكن لاي حاكم مهما اوتي من القوة والقدرة والمكانة والسطوة ان يجند ويعبئ مثل تلك الملايين لقضية ما، واذا استطاع هل يمكن ان يضمن ولاءها واخلاصها واندفاعها؟.. لو كان ذلك ممكنا ان يحصل لنجح المقبور صدام في ذلك، وهو الذي لم يترك وسيلة الا ولجأ اليها ليرغم الناس باستمرار على الخروج تأييدا ودعما له في مسيرات وتظاهرات واحتفالات بائسة وخالية من الجوهر والمضمون.
الحكام الطغاة والمستبدون يرغمون الناس على تقديسهم وتمجيدهم بشتى وسائل الاكراه والقسوة والاستبداد، الى جانب ادوات الترهيب، لكننا، وهذا ما يقوله كريم العبيدي القادم من محافظة كركوك(370 كلم شمال كربلاء)، نزحف نحو الامام الحسين لمئات الكيلومترات، برغم الاخطار المحدقة والتهديدات التي نتعرض لها من أعداء أهل البيت، ودون أية اغراءات او مكاسب مادية. 
والى جانب الأعداد المليونية الهائلة للزائرين من مختلف المدن والمحافظات العراقية، التي فاقت التوقعات، وواجهت ارهاب الجماعات التكفيرية بجرأة وشجاعة استمدتها من ايمانها واندكاكها بمبادئ ثورة الامام الحسين، التي هي ذاتها مبادئ الإسلام المحمدي الأصيل، التي جاء بها منقذ البشرية الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن البعد السياسي لم يكن غائبا او مغيبا في تلك المراسيم، وقد تجلى بمظاهر عديدة، من بينها، مشاركة عدد من السياسيين وعلماء الدين الحشود المليونية في السير باتجاه كربلاء، كالسيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، ونائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي، والشيخ جلال الدين الصغير عضو مجلس النواب العراقي عن كتلة الائتلاف العراقي الموحد، والسيد صدر الدين القبانجي إمام جمعة مدينة النجف الاشرف، اضافة الى شخصيات اخرى ربما تكون قد فضلت ان لا يتم تسليط الاضواء الاعلامية عليها لاسباب امنية او لاسباب ترتبط في خشيتها ان يفهم تغطية ادائها لتلك المراسيم على انه نوع من الرياء.
وكذلك فإن مراسم اربعينية الامام الحسين مثلت فرصة مناسبة للمرجعيات الدينية لحث الناس على صيانة الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة الطائفية وعدم الانجرار وراء مخططات اعداء الاسلام واعداء الشعب العراقي الذين يحاولون جاهدين، وبكل ما اوتوا من قوة وامكانية لتفريق صفوف المسلمين وتشتيت شملهم عبر اشاعة مظاهر القتل على الهوية، واستهداف اماكن العبادة.
اضف الى ذلك فإن تجليات المشهد السياسي العراقي القائم لم تكن بعيدة عن تجليات مشهد مراسم اربعينية الامام الحسين عليه السلام، وخصوصا في الخطاب الذي القاه السيد عبد العزيز الحكيم عصر اليوم السابق ليوم الاربعين في الصحن الحسيني الشريف امام حشود كبيرة من الزوار، والذي اعاد فيه التأكيد على جملة ثوابت سياسية، والتعبير عن مواقف ازاء قضايا معينة.
والعمليات الارهابية التي استهدفت الزوار في مدينة الحلة قبل يومين من ذكرى الاربعين واودت بحياة اكثر من مئة شخص، وجرح مئات اخرين منهم، وعمليات اخرى استهدفتهم بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة والاسلحة القناصة في مناطق مختلفة اوجدت موجة كبيرة من التعاطف مع ذلك الزحف المليوني، والاستنكار والاستهجان الكبيرين لممارسات الجماعات الارهابية، والاستياء والغضب من فتاوى التكفير.
ويبدو ان الاعداد الهائلة التي توجهت هذا العام الى كربلاء ستدفع الجهات الحكومية العراقية الى التفكير بجدية لوضع خطط ومشاريع تكفل تأمين ظروف امنية وخدمية افضل لزوار الامام الحسين في داخل كربلاء وخارجها، ولا سيما ان التوقعات تشير الى ان اعداد الزوار ستتزايد عاما بعد عام.
الانتقاد/ خاص ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018