ارشيف من : 2005-2008
مؤتمر بغداد: لقاء الفرقاء هل يغير معالم المشهد في العراق؟
يتفق معظم ـ إن لم يكن كل ـ المشاركين في مؤتمر بغداد الذي عُقد في مبنى وزارة الخارجية العراقية يوم السبت الماضي، العاشر من شهر آذار/ مارس الجاري، انه كان ناجحا ومثمرا ومفيدا، بيد أن ما يختلفون بشأنه هو عناصر ومقومات ومعايير النجاح تلك.
العراقيون الذين هم أصحاب الشأن، اعتبروا أن التئام مجموعة أطراف إقليمية ودولية يمتلك كل واحد منها قدرا من التأثير والحضور في الشأن العراقي والساحة العراقية في العاصمة بغداد، يعد بحد ذاته انجازا مهما، سيما انه جاء متزامنا مع نجاحات نسبية لخطة فرض القانون في بغداد ومدن عراقية اخرى، وانفراجات هنا وهناك.
الى جانب ذلك فإن العراقيين تحدثوا بكل صراحة مع وفود ثلاث عشرة دولة هي سوريا وإيران والاردن وتركيا والسعودية والكويت ومصر والبحرين والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، وكذلك مع وفود تمثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة الامم المتحدة. 
والصراحة بدت واضحة الى حد كبير في ثنايا خطاب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أمام وفود الدول المشاركة، وقد يكون أبرز ما قاله في الخطاب هو ان "الارهاب الذي يقتل المواطنين العراقيين في بغداد والحلة والموصل والأنبار هو ذاته الارهاب الذي يروع المواطنين في المملكة العربية السعودية، وهو الذي استهدف شعب مصر، وهو الذي فجر الفنادق في الأردن، وهو الذي فجر برجي التجارة في نيويورك في 11 أيلول/ سبتمبر، كما استهدف قطارات الأنفاق في مدريد ولندن".
كما ان الحكومة العراقية عدت لقاء عدد من الفرقاء كواشنطن وطهران ودمشق حول طاولة واحدة بمبادرة وجهد من قبلها، نجاحا مهما لسياستها الخارجية في هذه المرحلة الحرجة والحساسة. وربما هي لا تحرج كثيرا أو تتردد في لعب دور الوسيط بين هؤلاء الفرقاء، سيما اذا كان ذلك يصب في مصلحة العراق والعراقيين، ويساهم في إيجاد حلول ومعالجات واقعية ومقبولة لبعض إشكاليات وأزمات المشهد العراقي العام.
وإذا كانت رؤية بغداد لمؤتمرها بهذا الشكل، فإن طرفا آخر هو واشنطن، رأى فيه فرصة لتوجيه اتهامات وإطلاق تهديدات مباشرة لطهران بالدرجة الاساس ودمشق بدرجة أقل. ولعل التصريحات التي أدلى بها الرئيس الاميركي جورج بوش يوم الاثنين الماضي خلال جولته في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، هي تكرار لجزء مما قاله السفير زلماي خليل زاد ومساعد وزيرة الخارجية الاميركية ديفيد ساترفيلد في مؤتمر بغداد، فالرئيس بوش حث ايران وسوريا على قرن القول بالفعل بعد مؤتمر بغداد الدولي، والبدء بمنع مرور الاسلحة والانتحاريين الى العراق. لكن في الوقت ذاته فإن لهجة التهديد الأميركي ضد طهران ودمشق اقترنت بلهجة اخرى معاكسة اتسمت بالتهدئة والطابع الدبلوماسي، بدت واضحة في تعليقات للسفير خليل زاد جاء فيها ان المحادثات مع الإيرانيين والمندوبين الآخرين بشأن العراق كانت بناءة وفعالة.
الإيرانيون من جانبهم ربما اعتبروا أن مجرد التركيز على المحادثات والنقاشات بينهم وبين الاميركيين يعكس ادراكا واعترافا وإقرارا بأهمية ايران كعنصر مهم وفاعل في أي ترتيبات في المنطقة بشكل عام، وفي العراق على وجه الخصوص، ارتباطا بحقائق وثوابت جغرافية وتاريخية وثقافية ودينية ومذهبية.
وإذا لم تكن ايران قد نفت الاتهامات الاميركية لها بالتدخل في الشأن العراقي، فإنها ردت عليها باتهامات مضادة عن قيام القوات الاميركية باعتقال دبلوماسيين ايرانيين ومواطنين عاديين سافروا الى العراق بطريقة شرعية، ومن دون وجود أي مسوغات قانونية. وفي الوقت ذاته فإن رئيس الوفد الايراني عباس عراقجي وكيل وزير الخارجية للشؤون القانونية والدبلوماسية، قال خلال لقائه نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي في طهران، إن الجمهورية الإسلامية تولي اهتماما خاصا لأمن العراق ودعم الاستقرار فيه. وبحسب مصادر مقربة من اجواء المؤتمر فإن الوفد الايراني تساءل عن سر الحملة ضد طهران بتدخلها في الشأن العراقي من خلال تقديم الدعم والمساندة العسكرية والمالية واللوجيستية لجماعات سياسية وعسكرية، بينما لا تشن حملات مماثلة على اطراف اخرى من دول الجوار العراقي ـ وربما يعني الأردن والسعودية ـ تتحدث تقارير وسائل الاعلام وأجهزة الاستخبارات الغربية باستمرار عن تدفق أعداد كبيرة من المسلحين من أراضيها الى العراق.
وتشير تلك المصادر الى ان الايرانيين قالوا بصراحة تقريبا ان الحملات الموجهة اليهم ذات طابع سياسي بحت ويراد منها تصفية حسابات معينة وتوجيه ضغوط لإرغام طهران على تقديم تنازلات في قضايا اخرى.
ومع التجاذبات والسجالات التي شهدتها الجلسة المغلقة بساعاتها الثلاث والأحاديث التي جرت على هامش المؤتمر، فإن سياسيين عراقيين وغير عراقيين رأوا انها كانت مفيدة ولا بد منها، خصوصا أنها لم تتسبب في تعكير اجواء الهدوء في المؤتمر، وفي الوقت ذاته ساهمت في وضع الكثير من النقاط على الحروف من خلال المكاشفات الصريحة والشفافة.
ويبدو ان المكاشفة الايرانية الاميركية في مؤتمر بغداد أوجدت ارتياحا لم يقتصر على العراقيين فقط، وإنما على الوفود الاخرى المشاركة، وخصوصا الوفود العربية التي ترى ان استمرار حال التأزم في العلاقات بين واشنطن وطهران، مع إلقائها بظلال قاتمة على الوضع العراقي، سوف تنسحب عاجلا او آجلا على اجواء ومناخات دول اخرى.
زد على ذلك أن ثمة من يرى ان لقاء القمة السعودي الايراني الاخير في الرياض ربما يكون قد هيأ قدرا من المناخات الملائمة للقاء في بغداد.
وعلى أي حال فإن ترجمة المعطيات والنتائج الايجابية لمؤتمر بغداد قد يحتاج الى وقت، ومن غير الصحيح الاستعجال بإصدار أحكام وتقييمات نهائية، لا سيما ان هناك ثلاث لجان فنية قد تمخضت عن المؤتمر يفترض ان تبدأ عملها وتضع تقاريرها الأولية على طاولة اجتماع وزراء خارجية دول الجوار العراقي، الذي ربما يعقد في اسطنبول او القاهرة، ولا يستبعد ان تحتضنه بغداد.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018