ارشيف من : 2005-2008

أميركا اللاتينية: ترحيب بتشافيز وإدانة لبوش

أميركا اللاتينية: ترحيب بتشافيز وإدانة لبوش

بالمكسيك، مروراً بأوروغواي وغواتيمالا وكولومبيا. كولومبيا التي وصفها البعض بأنها "إسرائيل أميركا اللاتينية"، والتي تتميز بكونها تعيش منذ أكثر من أربعين عاماً في ظل حرب أهلية مريرة ترعاها الولايات المتحدة بين توجه تحرري يسود الشارع الكولومبي وأنظمة عسكرية متتالية تحكم بالحديد والنار، وتحاول رياءً أن تلعب دور الحكم بين التوجه التحرري من جهة، ومن جهة أخرى بين "فيالق الموت" المسؤولة عما لا يُحصى من المجازر بحق الشعب الكولومبي، وعصابات الكوكايين التي جعلت من كولومبيا المنتج الأول لهذه المادة ومن الولايات المتحدة مستهلكها الأول.‏

الورقة الأكثر قوة في جعبة بوش هي مسعاه لإقناع الكونغرس بتقديم "مساعدات" بقيمة 3.9 مليار دولار لنظام الرئيس الكولومبي آلفارو أوريب، بعد أكثر من أربعة مليارات دولار حصلت عليها كولومبيا منذ العام 2000، على شكل مساعدات عسكرية لنظام معروف بانتهاكاته لأهم ورقة تلعب بها السياسة الأميركية، أي ورقة حقوق الإنسان. فمنذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي حُكم بالسجن على ثمانية نواب مقربين من الرئيس أوريب، وعلى الرئيس السابق للبوليس السري بعد أن أدينوا بتهمة التعامل مع "فيالق الموت"، إضافة إلى استقالة وزير الخارجية ماريا كونسويلو آروجو للسبب نفسه. وبالطبع ذكر الرئيس بوش بصوت خافت، بضرورة احترام حقوق الإنسان، على عادته في إعلان الحروب من أجل نشر الديمقراطية، بالتغاضي عن الأعوان والحلفاء برغم دكتاتوريتهم الصارخة.. ثم غادر بوغوتا بعد ست ساعات قضاها محاصراً في القصر الجمهوري من جموع المتظاهرين المنددين بزيارته. وسواء كان بوش في كولومبيا لدعم نظامها أو في نيكاراغوا لمحاولة الاستفادة من الاعتدال الموعود لنظامها اليساري الذي يقوده أحد ألدّ الخصوم التاريخيين للسياسة الأميركية دانييل أورتيغا، فإن الهدف واحد: محاولة تلميع صورة واشنطن في قارّة يكتسحها اليسار بسرعة قياسية، لسبب رئيسي هو الدمار الذي أصاب القارّة التي حوّلها الأميركيون خلال العقود الأخيرة، إلى "جمهوريات موز" و"حديقة خلفية" مهشمة اقتصادياً واجتماعياً، في ظل تحالف الأنظمة العسكرية والمصرفية المفروضة أميركياً، وتلميع الصورة ببعض المساعدات المالية على مستوى الظاهر.‏

أما على مستوى الباطن، فالهدف هو إعادة إقامة الارتباط بالطوابير الخامسة في أميركا اللاتينية، على حد تعبير الرئيس الفنزويلي هيغو تشافيز، الذي قام بجولة موازية في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، مع فارق أن تشافيز يُستقبل بترحيب الجماهير، بينما يُستقبل بوش بالتنديد والشتائم. عشرون ألف شرطي استُنفروا في بوغوتا لحماية الرئيس بوش الذي من المؤكد أنه شاهد من نافذة القصر الجمهوري ذلك البالون على شكل خنزير، وكُتبت عليه عبارة "أهلاً بك في مزرعتك الكولومبية". إضافة إلى تصويره على شكل هتلر وتحت الصلبان المعقوفة، وإحراق الأعلام الأميركية في جميع عواصم أميركا الجنوبية والوسطى. بوش الذي يجهد نفسه للخروج من مآزقه في الشرق الأوسط يقفز في الفراغ، فبعد أفريقيا التي افتتح مغامرته الجديدة فيها بفشله الصومالي، يقفز الآن إلى أميركا اللاتينية، علماً بأن أميركا اللاتينية هي بسبب التاريخ غير القابل للتلميع في علاقتها بواشنطن، أكثر مناطق العالم رفضاً للسياسة الأميركية. قفز في الفراغ مدعوم هذه المرة بانعدام المنطق وبالرهان المتجدد على الكذب: انزعج البيت الأبيض من الترحيب الذي قوبلت به جولة تشافيز، فطلب من وسائل الإعلام عدم التركيز عليها، وتكثيف التركيز على "الجوانب الإيجابية" في جولة بوش. ولكنه بالطبع ترك لوسائل الإعلام تلك أمر الاختلاق الصعب، في غمرة السلبيات، لتلك الجوانب الإيجابية.‏

ع.ح.‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15